آخين وَلات – شعر ” داليدا ” على حافة السرير

Vision
Odilon Redon

الليلةَ، يكتمل القمرُ، بيد أن في القاعِ؛ لن تخمدَ، النيران.

يلفني الموج. يلوكني، يلتهمني، ويرميني صَدَفةً.

أنا الصّدَفَة الموعودةُ، بجيبٍ مثقوب.

في البحرِ، تدور أصدائي؛ وعازف الكمانِ يجلس فوق ضفدعة.

عزفٌ، سيبدأ بنقيقٍ وجسرٍ واطئ.

عزفٌ منذ شَعرِ “داليدا”،

يتكاثف في العتمة.

تقول أختي:

أقلعي عن التبغ بالنّعناع.

النّعناعُ يهيّئ الشّرايينَ أكثرَ،

والقلبَ، للدّخان.

تماسيحٌ. سحالي. أسماكٌ. غزلانٌ. طيورٌ. سناجبَ. قرودٌ، ديناصوراتٌ، ودلافين.

كوبرا تلتفّ على شجرة.

الشجرةُ في البحيرة، وأغصانها في حساءٍ، فوق المدفأة.

البحيرةُ، تحت الطاولة.

صحراءٌ، انكبّت من فتحةٍ في السقف.

سيبتلعُ صديقي الكوبرا، ويتمدّد على الأرضِ، فاغراً فاه.

صديقي، بنابَيه المثقوبين وقَرونه الطويلة:

نحن الآتونَ

من بلاد الواقواق

وللنّارِ لا نملك سوى الأجساد.

جسدك زجاجٌ،

وأنا مجبولٌ من حديد.

جسدي النار، وكائناتٌ تأكل ذاتها.

تنحّي. احذري أنيابي،

والمخالب.

إليك عائدٌ هذا الجسدُ،

لا محالة.

.

“داليدا” في الإسكندرية.

“داليدا” في باريس: “…وذكريات كلّ اللي فات، فاكرة يا بلدي. قلبي مليان بحكايات، فاكرة يا بلدي، أول حبّ كان في بلدي، مش ممكن أنساه يا بلدي، فين أيام زمان قبل الوداع…”

“داليدا” متعبة. ستقتل عشاقها بحبوبٍ منوّمة، وأنا سأسترجع حبي الأول في صورة.

صورةٌ، بالأبيض والأسود. أضمها إلى صدري. أخفيها، في كلّ مكان.

تدخل الكوبرا ذيل الحصان؛

و ليس ذيل الحصان،

إلا شعر “داليدا”.

الصورةُ، في جيب معطفٍ، شتوي.

أُخرِجها. أقبّلها. ألملم أنفاسي. أعيدها، وأماطلُ ارتباكي، إذ هو يخفي صورةً.

لا بدّ أنّه قبّلها، لحظة، امتدت يدي إلى باب الخزانة.

لم أكن أنا، التي أخفاها.

ولم تكن قبلته لي.

تزحف الكوبرا من فم صديقي.

تدخل جيب المعطف. تلوك زاوية الصورة اليمنى، العلوية. تلتهم الضفدعة، وتلتفّ على العازف.

سيروّضها بطقطقة العظام.

طائرةٌ، لا تتركُ للنافذةِ، سوى الارتجاج؛

وعتمةٌ بالكاد تنحسر.

عليّ شراءَ هديةٍ، وزهرة عيد الميلاد.

لحظتي تضيق؛

أنا، الفائضةٌ على

بردِ الأمس.

أمورٌ عديدةٌ، تحتّمها اللّحظةُ: مهمّاتٌ صغيرةٌ. معجزاتٌ أصغر، وعليّ أن أكون أمّاً.

صراعاً، عاودني الحب. لن يكون حبيس جيبٍ، في خزانة…

أنظّم فوضاي جيداً. هذا كلُّ ما أتقنهُ، لأكون جديرةً، بحبّ “ميتان”.

لم تكن “داليدا” أمّاً.

تلك التي أغرِمتُ بها، فخطفت قلب “فرانسوا ميتيران”، ورهطٌ كبير أُغرِم بها، من الرجال والنساء.

سيصبح “فرانسوا” رئيساً، و”داليد” معبودة الرجال.

“داليدا” ترتجف. تكسّرت عظامها الرقيقة. أكلَ البردُ قلبها. استسلمت للنوم.

سأُغرم بأحدهم ريثما تفيق.

لن تفيق “داليدا” وليس الحب، إلا سقطةٌ ثالثة.

عليُّ انتظار قطارٍ، فاتني اللحاقُ به، في محطّةٍ استعصى اسمها عليّ.

“سامحوني، لم تعد الحياةُ تُطاق”*.

مُلصقاتٌ صفراء. مواعيدٌ. تواريخَ. ملاحظاتٌ، وفواتيرْ…

على باب البرّادِ والثلاجة،ِ ولوحٍ أبيضَ، يعتلي النسيان.

هو القلب إذاً؛ لا يكتفي، والحب رابعةًً، شبيهٌ بالموت في الظهيرة.

عصفٌ مدمّرٌ، ومشاعلَ انطفأت باكراً، ليكون للسقوطِ، أكثر من بُعد.

بردٌ يحتمّ الاختباء في ثِقلِ الملابس.

أسحبُ الدّخانَ

إلى رئتيّ،

وأرمي لِنتف الثلجِ،

جمرة.

الحساءُ باردٌ، وجمرةٌ في فم صديقي. سيشربه ليُطفئ النّارَ في شعر “داليدا”.

العازفُ، بعينين مغمضتين على نارٍ هادئة جدّاً؛ يحرّك الصهيل:

موجٌ، والبحرُ أسودٌ، أسود.

مشاعلكم بدائية،

وأنا لا قرارَ،

لعتمتي…

هلا ترجّلَ، نوروزكم؟

شقراءٌ تنظر إليّ، وكانت منذُ شرفةٍ قبالتي؛ قد أومأت بإشارةٍ مبهمة، وكنتُ لم أتبيّنها.

تنفخُ في اللوحةِ، وللنّارِ تطيّرُ الفراشات:

ترفّقي بحبيبي.

إنّه مغرمٌ،

ويأكلُ شفتيه

طيلة الثلج.

بشفتين مضمومتين، يتقدّم.

بكتفٍ أعلى من الأخرى، ورأسٍ مربّع. يرتشفُ الحساءَ، و من النابينِ، ينفث الدخانَ.

أجسادٌ شهيةٌ.

رأسُ حرباءٍ، يلصقها برقبة أرنبٍ، وذيلَ الحصان، بمؤخّرة امرأة.

يقرض العازف، كمنجته…

نهيقٌ، يبتلع الأرنبَ، والعازف. يبتلعني. يبتلع الشقراء وحبيبها، المغرم بي.

يبتلع الكرسيّ، والمدفأة، والبحيرة.

يبتلع “داليدا” وذيلها الأشقر، والسّقفَ، والجدران…

نهيقٌ، نهيق.

اللوحةُ، وذيلُ حصان. جسد غزالٍ، برأس حمار.

قشورٌ، قشورٌ، قشور.

علب كوكا كولا فارغة،

وكولاجٌ،

منذ نوروزين،

أو ثلاثة.

نهيقٌ فاجرٌ، وصديقي لا زال منهمكاً في اللصق..

مشارطٌ، وأجنحةٌ بلاستيكية.

شيفراتٌ، وأحذية.

ساطورٌ، وبروتوكولات.

عدساتٌ لاصقة. مناشيرٌ حزبية. بندورة. فجل.

أكياس قمامة. فرقةُ موسيقى ـ عسكرية، وبروشوراتٌ للوقاية من الآيدز.

حمارٌ بحملٍ ثقيل. مشانقٌ ودراكولات..

نظاراتٌ شمسية، مايوهاتٌ وبساطٌ أحمر.

جثثٌ مغرية، ونشيدٌ وطني…

شعر “داليدا” يتدلى على حافة السرير.

أين أنتَ، نهاد؟

*

هامش :

*”سامحوني، لم تعد الحياةُ تُطاق”: جملة كتبتها “داليدا” قبل أن تنطفئ.

تبرعاتكم تساعدنا على إثراء الموقع، وإكمال تسجيل الأنطولوجيا الصوتية لشعر العالم، شكرًا لكل الأصدقاء والأحباب الداعمين

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق