آلاء حسانين

الحياة التي عاشها إنسان نَفّذَ كل رغباته. – آلاء حسانين.

حدث الأمر دون أية مصاعب.. سألت والدتي عني ذات مساء، فأجاب والدي بأني تركت المنزل..
كنت في السابعة عشرة حينها، وأخبرت والدي عن نيتي في الإنتقال، ولم يقل شيئًا..
لم أكن قد أنهيت دراستي الثانوية، وما أتذكره هو أن عدة أسابيع فقط كانت تفصل بيني وبين التخرج، لكن لا أعرف ما الذي خطر لي ذلك اليوم، لقد خرجت تلك الجملة من تلقاء نفسها، حتى أنني فيما بعد أخذت أتساءل من الذي قالها؟ ولولا صمت والدي المطبق تلك اللحظة، والذي استمر لسنوات كثيرة، لكنت شككت إذا ما كنت تفوهت بتلك العبارة أصلًا..
على كل حال، لقد كنا من ذاك النوع من العائلات التي لا يحدث أفرادها بعضهم كثيرًا، بالأخص، في حال كان والدي موجودًا.. لم يكن صارمًا، ولم نكن نصمت من باب الخوف أو الاحترام، إنما لأن الحديث يصبح ببساطة أمرًا غير مرغوبا فيه، وإذا ما رآنا شخص ما من الخارج، فلابد سيظن بأن الجميع قد فقدوا أصواتهم.. لم يكن لصمت والدي أية دلالة أعرفها، فلم يكن حزينًا، وهو ليس من النوع الهادئ، إذ إن بإمكانك حال النظر إلى عينيه أن ترى فيهما غضبًا مريعًا، على رغم من هدوءه الذي ربما، كان مضطرًا إلى اقتنائه.. لكن لطالما شعرت بأن والدي مثل تمثال مكسور جمعت أجزاؤه بعناية، لكنك لا تريد لمسه كي لا يتناثر فوق الأرض مجددًا..

أما عن والدتي، فقط كانت شخصًا يتجنب الحياة، كانت تحاول أن تعيش بقدر أقل من الألم، ومن الحب، ومن الصراع..
إذا كان على ولد ما في السابعة عشرة أن يغادر المنزل، وإذا كان هذا أمر لابد أن يحدث، فلم لا ندعه يحدث هكذا؟ أظنها قالت هذا لنفسها، وربما للجميع.. أحيانًا أشك بأنها ولدت وهي ترفع راية بيضاء، هناك، في المنطقة الآمنة، حيث يبتلع المرء الخسائر بسهولة، ولا يجد غضاضة في أن يكون شخصًا مستسلمًا..

نسيت أمر عائلتي بعد أسبوع واحد، وتقدمت في حياتي مثلما تتقدم شاحنة على طريق سريع، لم أكن أملك مالًا، ولم أبالي بشأن كسب المزيد منه، كنت ذاك الولد الذي لم يكن يملك شيئًا، ومن حين لآخر، تجد الناس يربتون على رأسه ويبتسمون له، ولم أجد هذا أمرًا مريعًا..
لعدة سنوات نمت في الحدائق العامة وحصلت في معظم أيامي على أحلام سعيدة، ومن حين لآخر، سرقت بعض التبغ والأحذية وحقائب سيدات عجائز، ومحافظ رجال ابتسموا بضع ثوان في وجهي.. سرقت بعض المذكرات أحيانًا بداعي الفضول، واستمتعت بالتلصص على يوميات الآخرين، ومع الوقت، اكتشفت أن الجميع يعاني من الأمر ذاته، فكلهم مشغولون بإخفاء أحزانهم..
حدث في ليلة ما أن الحياة صارت شديدة الزرقة، منذ ذاك الوقت، أصبحت تعيسًا.. وبدأت أتفوه ببعض الكلمات، عن الشوارع التي تمزق حذائي، وعن النجوم التي ماتت منذ زمن، وحين فكرت بالأمر، أدركت أنها فكرة سيئة، كوني لا أملك مكانًا أعيش فيه.. كنت في التاسعة عشرة حينما أخذت أقول لنفسي: مثل الكلاب السائبة، تمامًا.. وشعرت بالحزن. ومن وقت لآخر، كنت أتبع أي شخص أراه، حتى أقوم بتشتيت تفكيري.. هل ثمة أحد ينتظر عودتهم؟ أبدأ بسؤال نفسي، وكنت أشعر بالأسف على العديد منهم.
ما الذي فعلته بالجوع؟ لقد سرقت، من حين لآخر.. ولم يرافق هذا أي شعور بالذنب، كنت أجوع، فأذهب للبحث عن الطعام.. ودائمًا ما كان يوجد الكثير منه، ولم يكن الحصول عليه أمرًا صعبًا.
لم يكن لديّ أصدقاء، لأن هذا شيء لم أفكر فيه كثيرًا، لكن أحيانًا كان يجلس بجانبي شخص ما، ويبدأ بمبادلتي الحديث، وفي بعض الأوقات كنت أجد ذلك لطيفًا..
قضيت غالبية حياتي بمفردي، وهذا يعني أني عشت برفقة الكثير من الملل، واكتشفت فيما بعد أنه ليس أمرًا جيدًا أن يكون المرء وحيدًا.. لكني كنت أنام طويلًا، ربما ستة عشرة ساعة يوميًا، وكان هذا كفيل بجعل سنواتي تمضي بسرعة..
في التاسعة عشرة أصبت الضجر، وأخذت أدرك أن ما أعيشه لا يحتمل.. كنت أمشي كثيرًا باحثًا عن شيء ما، استمعت لنغم جميل عن طريق الصدفة، وصادقت عددًا من المثليين بعد ذلك، حظيت ببعض القبلات لكن الأمر لم يستمر كثيرًا، إذ إنني شخص لا يبالي كثيرًا بالجنس، وقد يعود ذلك إلى سبب أنني أنسى جسدي أحيانًا، أو لا أبالي بتواجده..
في أحد الأيام قابلت والدي صدفة عند تقاطع ما، وبعد ثوان من الصمت وتبادل النظرات، ذهب كل منا إلى طريق مختلف.. لم أكن شخصًا يحب التشاجر كثيرًا، ولا والدي.

كتبت بعض الجمل التي طرأت على رأسي أحيانًا، وكنت أحمل مفكرة صغيرة معي أينما ذهبت.. عبارات مثل، البحر ذهب بعيدًا، أو، لا تدع الحياة تنتظر كثيرًا أمام الباب، وهناك ظل تشابكت أقدامه على حبل غسيل.. وكنت أستمتع بذلك بالفعل، إذ إنني كنت أستطيع أن أكتب الكثير من هذه الجمل دون أن تنفذ..
أنا الآن في الثالثة والعشرين، ولم أهتم كثيرًا بمسألة تدبر أمري في الحياة، لم تكن لي أحلام كبيرة، ولم أرغب بشيء ما بشكل حقيقي، لم أشعر بالحب سوى مرة واحدة في حياتي، عندما كنت طفلًا وأخذت والدتي تتحدث عن موتها، كما لو أنه حدث فعلًا، وبعد تلك الليلة، لم نعد نتحدث كثيرًا..
لم أكن مرغوبًا، ولا منفرًا، عشت كمن لا وجود له، حيث إنني شخص يمكن أن يختفي في أي صباح، ولن يغير هذا شيئًا.. حاولت مرات كثيرة تخيل هذه البلدة بدوني، وبدا كل شيء على حاله.. وفي أوقات كهذه، أعود إلى منزلنا سرًا، وأبدأ بالتلصص عليه من الخارج، لأجد أن كل شيء في الداخل على حاله أيضًا.. لم أفهم لماذا كنت أحوم من حين لآخر حول المنزل، أستطيع العودة متى أردت، لكن شيئًا كهذا لم يكن واردًا..
لقد عشت سنوات كثيرة ومملة، بمثابة قضاء يوم طويل أمام البحر، حيث يصبح كل شيء ساحرًا في البداية، وبعد لحظات، تبدأ بالشعور بالملل أكثر فأكثر..
لم أذهب بعيدًا، ولم أتجول كثيرًا في العالم.. وأحيانا ما كنت أنام في مصنع مهجور يقع خلف منزلي بشارعين، رغم أني لو كنت مشيت قليلًا بعد، لكنت قضيت لياليّ في فراشي الدافئ، لكن الرتابة كانت تمنعني من المشي أكثر.. لا أملك أي ضغينة تجاه عائلتي، ولم أغادر المنزل لأنني كنت غاضبًا وما إلى ذلك، لكن، لربما أردت أصير حرًا.
رغبت أحيانًا بأشياء بسيطة وقليلة، مثلا أكون جالسًا على البحر وأرغب بشدة أن أعبر للجهة الأخرى، مرة حاولت السباحة إلى هناك، لكن، بعد عدة ساعات بدأت أدرك أن الضفة الأخرى غير موجودة..
مرة أخرى رغبت بأن أعرف كيف أبدو، أقصد بشعر مرتب وهندام جيد، وتخيلت مرات كثيرة كيف كنت سأبدو لو أني لا أعيش حياة رثة.. لكن لم تكن رغبات كهذه تغزوني كثيرًا.. إذا ما صح الأمر، فقد كنت أعيش كبدائي، ولم يكن للمظهر أهمية كبيرة..
عشت منبوذًا من كل مجتمع في العالم، ولم أبالي بالأمر، حين تتحدث عما يمكن أن يفعله الناس، فإنك لا تستطيع أن تنتهي..
لم أتألم كثيرًا، عشت ناعسًا طوال الوقت.. عانيت من بعض الليالي القاسية، والآخرون الذين لا يمكنهم ترك أحد على حاله.. قضيت بعض الأيام في السجن، وألقيت من حافلة على جانب الطريق، وسبق وتقاسم معي أناس شديدي الفقر طعامهم، وكنت غالبًا ما أنسى أنني أشد فقرًا منهم..
لم أكن أعتبر نفسي فقيرًا، إذ إن ما أعرفه عن الفقراء هو أنهم يملكون القليل، أما أنا فلم أكن أملك شيئًا.
بالنسبة لي، لم يسبق وأن أذيت أحدًا في حياتي، ربما، عدا أولئك الذين كنت أسرق منهم..
قابلت أناسًا مختلفين، لكن أحدًا لم يؤثر فيّ كثيرًا.. نسوة تورطن بإنجاب الأبناء، ورجال يعملون كثيرًا، وفنانين جائعين للعثور على الجوهر، وأشخاص في غاية التعاسة، وشعراء لا تلمس أقدامهم الأرض، لكنهم دائمًا في غاية الحزن وغاية السذاجة، مما يسهل استغلالهم..
مرة تحدثت مع شخص ما وأخبرني أنه مشغول بطرح الأسئلة، عن الإنسان والبحر والحياة القديمة، وسألني إذا ما كنت عثرت على جوهر العالم.. فأخبرته بأن جوهر الإنسان هو يده، حيث يكون بإمكانه أن يصنع الخبز أو حتى يقوم بسرقته، وحثثته على أن يجد عملًا، لكنه بدأ بالصراخ، وقال بأن الحياة تعذبه، فأخبرته أن يجد امرأة إذا كان مهتمًا.. لكنه قال بأن أمه تشبه كل النساء، ولذا لا يستطيع الاقتراب من أي منهن، وتعجبت كيف يمكن أن يتعذب المرء بهذا القدر لأجل أسباب تافهة، فأخبرته أن الحل بسيط، عليه أن يجد امرأة ويطلب منها أن تغير تسريحة شعرها.. لكنه بدا غاضبًا، وقال بأنني أعيش على السطح، فقلت بأن هذا أفضل.

عشت أحيانًا قدرًا كبيرًا من الكراهية، الكراهية غير المبررة، وكنت أشعر بها في معدتي، وأبدأ بالتلوي من الألم.. وأحيانًا، حين لا أنجح في التقيؤ، أجد رغبة في أن أطعن بطني بأقلام كثيرة، حتى يسيل الدم وتخرج معه الكراهية، لكن بعد ساعات أصبح خامدًا، وأفقد القدرة على الحركة، وحين يجتمع الناس حولي، أبدأ بتحريك أجفاني، كي لا يبدأوا بدفني.

ذات ليلة باردة اقتحمت منزلًا وذهبت للنوم على الأريكة، وحين استيقظ صاحب المنزل في الصباح سألني مرتاعًا ما الذي أفعله في منزله، فأخبرته أن الجو في الخارج كان شديد البرودة، لكنه بدا غاضبًا وأخذ يصرخ قائلًا: تتصرف كما لو أنك في منزلك! ولم أجد شيئًا أقوله، فبدا أنه على وشك الجنون وبدأ بتكرار سؤاله: ما الذي تفعله هنا؟ وأخبرني بأن اللصوص يحرصون على إخفاء أنفسهم، وأنني أستحق الموت لأنني نمت بهذا الشكل الواضح في الصالة، وبدأ يقول: منزل من هذا؟! ثم بدأ بلكم وجهي، ليس لأنني تسللت إلى منزله، بل لأنني دخلته عنوة، وقد خابه كثيرًا أنني لم أتصرف كلص، أراد أن أعتذر وأن أشعر بالذنب وأن أتصرف مثل اللصوص، بينما كل ما أردته لم يكن سوى بعض التدفئة..
عندما ألقى بي خارجًا، صرت شاحبًا وتمنيت أن أموت دون أن يعثر عليّ أحد، وكان ذلك بسبب أنني أخذت أفكر: ما الذي أفعله هنا؟ حاولت ألا أفكر بالأمر وتبعت أشخاصًا كثر كي أنسى ما أفكر فيه، لكن عوضًا عن ذلك، أخذت أسأل ما الذي يفعلونه هنا؟ ما الذي نفعله كلنا؟ وشعرت بأنه تم خداعي، وتمنيت لو أعود للمنزل وأقوم بقتل والداي، لقد أحضراني إلى هنا، لقد جلباني إلى كل هذا.
وبدأت أفكر بأشياء تجلب التعاسة، من أحضر هذا ومن أحضر ذاك، من بدأ كل ما يحدث، وبدأت أصير حزينًا بشكل غامض، واستلقيت عند نهاية شارع، وأذكر أنني لم أنهض لعدة أسابيع، لقد كنت كومة مخلفات، وربما كان مشهدًا طبيعيًا أن تجد كلبًا يبول فوق رأسي..
ذات نهار بدأت قطع معصمي بحطام زجاج مكسور، لكن بعض العابرين بدأوا بالفزع ورأيت البقعة التي أجلس فيها وقد تحولت إلى بركة من الدم.. لم أشعر بأي ألم عدا أن مشهد الدم أصابني بالفزع، وأخذت أتساءل: دم من هذا؟ وحين أدركت أنه ينفجر مني بدأ كل شيء يصبح بعيدًا، وبدأت بالبكاء وأنا أتذكر أمي وهي تجلس على مقعد خشبي وتبدو في غاية الوحدة.. ولم أعرف ما حدث بعد ذلك، صرت حزينًا جدًا ثم انطفأ كل شيء..
بعد أيام وجدت نفسي في مشفى قذر، وحين فهمت كل ما حدث، حملت أقدامي وتسللت إلى الخارج. ومنذ ذاك الحين وأنا أشعر بأن قلبي كيس ممتلئ بالحجارة، ولم أعد أتمكن من الإنصات للبحر أو ملاحظة ما يحدث حولي، وفقدت شعوري بأن أعيش حياتي.. كنت كمن عاد من الموت وفجأة أصبحت الحياة بالنسبة إليه شيئًا قديمًا، كأن تعود بعد خمسين عامًا إلى صفوف مدرستك، وتبدأ بالقول: هذا بعيد جدًا..
فيما بعد أدركت أنني غير موجود، وأن ما فقدته هو إدارك الحاضر، الآن؟ لا أعرف إن كنت أتواجد فيه.. لقد فقدت القدرة على أن أنظر للحياة وأشعر أني فيها.. لقد فقدت أيضًا الإحساس بالألفة تجاه ما هو بديهي، الأصابع والأشجار والرطوبة في الجو والمطر الذي يتساقط من الأعلى، وبدأت أتساءل عن عمل الكراسي، ولماذا يسير الناس مشبكي الأيدي، ولماذا نملك أسماءً، وفكرت إذا ما كنت أملك واحدًا، وتمنيت في حال فعلت، أن يكون لامعًا.. وبدأت أضحك وأنا أفكر بالاسم الجديد الذي سأحضره، وأخذت أكرر المشهد في رأسي مرات ومرات، وتمنيت لو كنت في المنزل حتى أدخل على والدي وأقول له: أريد اسمًا جديدًا، لقد تمزق إسمي من كثرة الإستعمال، الجميع يلوكونه في أفواههم طوال الوقت، وبالطبع سيقول بأنه سيرافقني غدًا إلى المتجر للحصول على واحد، ولمعت عيناي حين فكرت بأنني سأصبح لئيمًا وأخبره أني أريد هالة جديدة أيضًا، ذلك الضوء الذي يشع من خلال البعض في حال كانوا سعداء جدًا..
لكن توقف كل ذلك حين فاجأني غصن بانكساره، وأخذت أدور حول نفسي وأتساءل ماذا أفعل به، واستعنت بالمارة، وسألتهم ماذا يفترض أن يفعلوا حين ينكسر غصن ما، لكنهم قالوا لي بسخرية أن أدعه وشأنه، وشعرت بالرعب مجددًا، شيء ما يحتضر هناك ولا أحد يرغب أن يفعل شيئًا.. ومكثت بجانب الغصن الميت وأنا أنشد له، كي يصبح كل شيء أخف ألمًا، وعندما حل الليل سألت شخص ما لم يبدو كل شيء معتمًا، فقال بأن الحكومة تتكاسل عن إصلاح أعمدة الإنارة في الحي، فقلت لا لا، لقد حدث الأمر أيضًا في حي آخر، وكان يحدث أيضًا عندما كنت صغيرًا، لكن لم أفكر بشأن ذلك من قبل، وأخذت أفكر بخفوت إن كان سيحصل هذا غدًا أيضًا، وأين يجب أن يختبئ الناس حينما تصبح السماء حزينة جدًا وتطفئ نورها.. وشعرت بالخوف.. من الأكياس البلاستيكية المتطايرة، ومن الناس حين يجلسون بجوار بعضهم، ومن الحديث، ومن إحضار القهوة، ومن السير هكذا، بحيث تلمس قدمي الأرض.. وفكرت بالشعراء الذين يحلقون، وشعرت بالخوف إذا ما حركت ذراعيّ أن أبدأ بالطيران، وحينها، سيكون أمرًا مرعبًا أن أصبح عالقًا في الأعلى
أنا الآن في الثالثة والعشرين، ولم يحدث أن امتلكت شيئًا في حياتي، حتى عندما خسرت مقعدي في الحياة، لم أجرؤ أن أطلب من الآخرين أن أجلس بينهم، يناديني الناس بأي اسم يحلو لهم، وفي أحيان كثيرة يكتفون بأن يصرخوا في وجهي.. يشبه الأمر أن تركل خنزيرًا ميتًا وأنت تقول: هذا غير مهم، إنه مجرد خنزير ميت، لن يشعر بالألم حتى! هذا ما حدث.. لقد عاملني الناس دائمًا كأنني خنزير ميت.

أشعر بالتعاسة بشكل دائم، حتى أنني أظن بأن الألم قد خلق من أجلي.. أخبرت الطبيب أن يبدأ بحقني بأي شيء في خزانته، قلت له: إسمع، إنني غير صالح للحياة، وقد عدت لتوي من مكان معتم، لذلك، لا أرغب أن أذهب إليه مرة أخرى.. هناك، حيث تكون جنازة وعائلة ما تبكي على قبرك.. صحيح أني لا أملك عائلة، ولو مت الآن فلن يبالي أحد سوى بأن يزيحوا هذه الخردة عن الطريق.. لكني لا أريد أن أموت مجددًا، لا أعرف بعد ماذا سأفعل هناك وحدي..
إنني خائف، في دمي كرات صغيرة من الخوف، حين أصحو في الصباح ويبدأ الضوء بالسطوع على وجهي، أبدأ بالصراخ وأنا أقول، ها هي الحياة مرة أخرى، ويظن الناس أن شيئًا خطيرًا قد حدث، وحين ينتبهون إلى أنهم مايزالون يحتفظون بأعمالهم، وأن أبناءهم ينعمون بيوم جيد في المدرسة، وأنهم سيحظون بوجبة رائعة على الغداء، يمضون في طريقهم..
العالم سيموت، كلنا سنموت، أبدأ بالقول لهم، لكنهم يقولون: هيه، يا ولد، لا تأخذ الأمر بشكل شخصي.. فأصاب بالرعب أكثر، وأبدأ بالصراخ وأنا أقول بأنني لم أعد أحتمل، هذا مؤلم، هذا يؤلم، كلنا سنموت، لقد مت وانتهى الأمر، ولم يكن أمرًا محببًا، لكنكم ستموتون أيضًا، هل تستطيعون تخيل ذلك؟ لكنهم يبدأون بلعني لأني أفسدت عليهم نهارهم، ويذهبون بعيدًا وموسيقاهم الصاخبة تصم أذني..

أكره الجميع، أكره كل شيء يتحرك، وربما لو كان العالم ساكنًا لكنت شعرت تجاهه بسلام مضاعف.. لكن كل شيء يمر فوقي، الأيام، والناس، وصوت الأوراق التي تسقط، والطيور التي تحرك أعناقها، كل شيء يحدث من خلالي أولًا، كل البشر يموتون أولا في داخلي..
أكره الرجال العجائز والنساء اللواتي يحببن أطفالهن، وأكره أطراف أصابعي.. وكل يوم حين تبدأ الشمس بالغروب أنهض وأغلق أول باب أراه على يدي، ولا أحد يتخيل الألم الذي أشعر به، حتى أنني أقول: أريد أن أموت الآن، وبعد لحظات أذهب وأفعل ذلك مجددًا، ولا أستطيع أن أفهم لماذا أقوم بذلك.
لقد بدأ بعض الأولاد بإلقاء النكات كلما مررت من أمامهم، وفيما بعد بدأوا بإلقاء الحجارة، وبعد مدة بدأوا بركلي بالعصي كلما كنت جالسًا هكذا دون أن أفعل شيئًا، مثلما كنت أقول، الجميع يعتبرني مجرد خنزير ميت.. وربما كنت كذلك، بل دائمًا ما اشعر بأني أسوأ، إنني غير موجود، لا أعرف متى اعترفت لنفسي بذلك، لكنني لم أعد هنا منذ زمن بعيد، لقد فقدت ذاك الشيء الذي يبقي الناس على قيد الحياة، ربما هو الحدس الذي يولد معهم، أن تأكل حين تكون جائعًا وأن تحرك قدميك لأجل المشي وأن تستمر في الحياة حتى لو كنت لا ترغب بذلك، والأسوأ من كل هذا، أن تحافظ على الإبتسام لوالديك حتى لو كنت تمقتهم..
ما الذي يحدث؟ أسأل نفسي كل حين، ما الذي يحدث هنا؟ هل يمكن لأحد معرفة ذلك؟ وحين تتكاثر الأسئلة أشعر بأن في رأسي فتيل على وشك أن ينفجر، ويبدأ كل شيء بإيلامي، ووقتها أتمنى بشدة أن أطعن نفسي بغضب حتى تتوقف عن الحركة، عن التواجد في الحياة وعن الشعور بالألم.

إذا لم ترد لي أن أموت، لماذا تجعلني أستمر بكل هذا؟ أرجوك، لا اريد أن أكون موجودًا، أرجوك، أرجوك.. أردد ذلك حتى الصباح، وفي اليوم التالي أجدني ما أزال هناك.. وفي يوم ما سئمت من كل هذا، لكنني كنت يائسًا جدًا، وصادف أن صارت الحياة ممطرة حينها، وفقدت القدرة على المشي، وبدأت أجر نفسي كأني شخص يجر جثته الغارقة خارج الماء.. وقررت أنني لم أعد أريد أن أكون هنا، وبدأت أقطع معصمي وأتوقف أحيانًا من شدة النحيب.. لكنني بدأت أقول لنفسي، وأنا أرى الحياة تبتعد هكذا أكثر فأكثر: كفى الآن، إن كل شيء سيصبح بخير منذ هذه اللحظة..

تعليق واحد

أعطني رأيك

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: