أفلام

الخلاص من شاوشانك | صراع الخوف والأمل

نبذة عن فيلم Shawshank Redemption 
سيناريو وإخراج: فرانك ديرابونت.
إنتاج: نيكي مارفين.
بطولة: تيم روبينز، مورجان فريمان، بوب جنتون، ويليام سادلر، جلانسي براون.
مدة العرض: 142 دقيقة.

ملحوظة: قد يحرق المقال أحداث الفيلم، فإن لم تشاهد الفيلم من قبل فيفضل مشاهدته أولاً ثم العودة لقراءة المقال.

“الخوف يبقيك أسيراً، أما الأمل فيحرّرك”

لا يقترب الناس مع الأفلام التي تدور أحداثها حول «الخلاص» إلّا بحذرٍ شديد، إلا أن هناك توق مستمر لرسائل الأمل، وحين يمنح الفيلم واحدة من هذه الرسائل، تظّل قوتّها تجبر المشاهدين على الجلوس.

عُرض “الخلاص من شاوشانك” لأول مرة في خريف 1994، وتدور أحداثه حول آندى دوفرين (تيم روبنز)، موظف البنك الذي زُج في السجن بتهمة قتل زوجته وعشيقها، وتم الحكم عليه بعقوبة السجن مدى الحياة في سجن شاوشانك، ليقابل هناك مجموعة من الأصدقاء أهمهم مهرب ممنوعات يُدعى ريد (مورغان فريمان)، الذي يقضي عقوبة سجن مدى الحياة هو الآخر. فتتحول علاقتهما إلى الخيط الدرامي الأساسي والمحرك الأهم لباقي أحداث الفيلم، بل يمكننا القول أنّ الفيلم يحكي قصة ريد أيضاً بقدر ما يحكي قصة صديقه. ثم تدور معظم أحداث الفيلم هناك، في ذلك السجن العتيد.. سجن شاوشانك.

خلال خمس سنوات فقط أصبح الفيلم «ظاهرة» وتهافتَ الناس على اقتنائه أو تأجيره من متاجر البيع إلى أن وصل الفيلم لأعلى رتبة عند الجماهير، وتصدّر المرتبة الأولى لأعظم فيلم في تاريخ السينما ولا يزال في الصدارة إلى اليوم، وذلك حسب الموقع الإلكتروني الشهير imdb.

الفيلم موزون ومتهمّل وعميق التفكير بقدر سرد الراوي ريد، وقد أدّى دوره الفنان «مورغان فريمان» الذي أصبح اليوم من عمالقة النجوم. تقمّصه الرائع للشخصية وصوته الهادئ أمران ليس لهما مثيل. الفنّان «تيم روبينز» يجعل من آندي رجلاً هادئاً لا يتحدث كثيراً، ويبدع في ذلك.

يتميّز الفيلم خصّيصا باحتوائه على العديد من الحوارات الفلسفية العميقة، وتناوله لمواضيع مختلفة تمسّ كل فرد منّا، ومقولاته المؤثرة التي ما زالت تقتبس إلى اليوم. فيبدو العرض كتجربة روحية أكثر من كونه فيلماً سينمائياً. نرى العديد من اللحظات المرحة، ولكن معظم الأحداث تنطوي على الهدوء والوحدة والنقاشات الفلسفية حول الحياة.

هذا الفيلم تقليدي جداً وأقل تشويقاً. لكنه يثير تساؤلات حول هذا الرجل، هل قام حقّاً بإقتراف جريمة قتل شخصين؟؟ لماذا نشعر بأنّه يخفي الكثير من الأسرار؟؟ كيف يستطيع التجول في باحة السجن مثل رجلٍ حر في نزهة، في حين نجد الآخرين لا تخترق عقولُهم قضبانَ السجون؟؟

غالبا ما تعطي المقدمة انطباعاً عن الفيلم بأكمله، افتتاحية “الخلاص من شاوشانك” تعتبر من أفضل البدايات السينمائية، مختصرة ومؤطرة للحدث العام كما أن المشهد الإفتتاحي في الفيلم يرصد لنا لحظة الحكم على أندي بالسجن المؤبّد، ثم ننتقل وبشكل دائم إلى وجهة نظر تمثّل جميع نزلاء السجن، وخصوصاً السجين ريد. إنّه صوته وهو يتذكّر أول مرّة رأى فيها أندي، حيث يقول:

«يبدو أنّ أيّة نسمة هواء في هذا المكان كفيلة بتدميره»

ويتوقّع بشكل خاطئ أنّه لن يستطيع الصمود في السجن.

 

في أول وجبة جماعية في السجن وجد آندي دودة في السلطة، فعرض عليه النزيل المسن بروكس بأن يأخذها، فأعطاها له بلطف، تبع ذلك سلسلة من التصرفات مع أصدقائه، جعلتهم متعاونين معه، ومؤمنين به للغاية، آندي كان محبوباً ومحاطاً بالأصدقاء الذين كان لهم دوراً كبيراً في دعمه.

يدخل ريد في بداية الفيلم للجلسة الأولى وهو يحاول أن يقنع مجلس إعادة التأهيل بأنّه أصلح من نفسه ليطلقوا صراحه، وفي الجلسة الثانية بعد عشر سنين يحاول ريد مرة أخرى، وفي الجلسة الثالثة بعد عشر سنين أخرى يستنكر المفهوم العام لإعادة التأهيل، وبشكلٍ ما تتحرر روحُه. بمجرد مشاهدة المشاهد الثلاثة الموزعة على طول الفيلم والمتشابهة تقريباً بنفس طريقة الدخول والخروج هناك مغزى مهم ومفارقة جميلة مستخلصة: تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن.

يقول ريد

«حين تسحقنا هذه القضبان، عندئذٍ نعرف أنّ كل هذا حقيقي. الحياة القديمة تسير في غمضة عين، ولا شيء يبقى سوى «وقت العالم كلّه» للتفكير بهذا الأمر».

 

يقضي آندي أيامه محاولاً استيعاب حقيقة أنه لم يعد رجلاً حُرّاً وأن حياته السابقة ذهبت في طرفة عين حسب تعبيره، حيث رسم المخرج دارابونت شخصية آندي وهي تحمل بداخلها بذور خلاصها، شخصية مستقيمة ومتزنة نفسياً ونستطيع أن نعرف ذلك منذ مشاهدتنا لردة فعله في بداية الفيلم نحو خيانة زوجته.

نتعلّم من أندي أن نكون صادقين مع انفسنا وألّا نفقد الأمل ونقدّر الوقت، وأن نبحث عن الفرصة المناسبة لتحقيق الهدف.

في احدى الأيام يجلب ريد لـ آندي مطرقة للتسلية فيتمكن من صنع قطع شطرنج صخرية، ثم جلب له ملصقًا كبيرًا يحوي صورة ريتا هيوارث ثم بعد سنوات صور لمارلين مونرو ثم راكيل ويلش، كان آندي يعمل في مغسلة السجن، حيث تم مهاجمته باستمرار من قِبل عصابة شواذ وقائدهم باجز.

في عام 1954م تم إطلاق سراح صديقهم العجوز بروكس الذي لم يستطع التأقلم مع العالم الخارجي بعد أن قضى خمسين عامًا في السجن، فما كان منه إلا أن قتل نفسه شنقًا، وأخيرًا تلقى آندي إمدادات للمكتبة تضمنت مقطوعة موسيقية، وقام آندي بتشغيلها على المذياع العام مما أودى به إلى السجن الانفرادي، وبعد خروجه منه برر فعلته بأن سيظل متشبثًا بالأمل وهو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع السجن أن يسلبه إياه .
في 1965م تم سجن تومي ويليامز بتهمة السرقة، وانضم إلى دائرة أصدقاء آندي وريد وساعده آندي في اجتياز اختبارات محو الأمية، وذات يوم بعد أن سمع تومي تفاصيل قضية آندي صرح تومي أن شريكه في الغرفة في سجن سابق أخبره بشأن هذه القضية، واعترف أنه قاتل الزوجة وعشيقها، مما يثبت براءة آندي .
نقل آندي هذه المعلومات لحاكم السجن نورتون، الذي رفض الاستماع وأودع آندي في السجن الإنفرادي، ثم أمر بقتل تومي، فرفض آندي الاستمرار في عملية غسيل الأموال لكن نورتون هدده بتدمير المكتبة وحرمان آندي من الحماية ضد عصابة الشواذ.

وفي اليوم التالي وجدوا زنزانة آندي فارغة، فاشتاط نورتون غضبًا ملقيًا إحدى صخور آندي على ملصق راكيل ويلش المعلق على الحائط، فاخترقت الصخرة الملصق كاشفة عن النفق الذي حفره آندي بمطرقته خلال العشرين عامًا المنقضية، حيث هرب آندي في الليلة السابقة، خلال النفق ثم ماسورة الصرف الصحي الخاصة بالسجن حاملًا دفتر حسابات نورتون، الذي يحوي تفاصيل الأموال المغسولة، وفي الصباح التالي قام آندي باستخدام الاسم المستعار راندال ستيفنز وسحب كل الأموال المغسولة من البنوك .

بالطبع لا يمكن تجاهل الأمل، هناك مشاهد كاملة تتحدث فيها الشخصيات الرئيسية عن هذا الشعور السحري والطاغي في وجدان آندي، إن الأمل هو الذي كان يصبّره لاجتياز يوم بائس آخر، الأمل هو ما كان يجعله يحتمل نحت أحجار الشطرنج، وغلاظة المأمور، والأشغال الشاقة، والمعاملة الرديئة، والوجوه الجافة، والإحساس المهوّل بالقهر.

في مفارقة مذهلة يقول «ريد» لـ «أندي»:

«الأمل شيءٌ خطير.. الأمل يقود الرجل إلى الجنون»

ولاحقاً «أندي» يقول لـ «ريد»:

«تذكّر يا ريد أنّ الأمل هو شيءٌ عظيم، وقد يكون أعظم الأشياء، والأشياء العظيمة لا تموت أبداً».

آندي وبعد 19 عاماً، من الأمل والبراعة والموهبة والشيطنة، يخرج حراً طليقاً ويغرق نفسه تحت وابل المطر، في مشهد آسر استحق دموع المشاهدين وتصفيقهم أيضاً، إنه فيلم The Shawshank Redemption الذي اتفقت عليه الأذواق التي تختلف في العادة، والفيلم الذي يمثل بجدارة أحد أشكال السينما حيث السحر الذي لا يخفت.

ومن خلفيات الفيلم المهمّة التي تميّز بها، حديثه عن قضية “المأسسة”، وهي أن تصبح بعد فترة من الزمان، منتمياً لمكان معين بصورة لا تستطيع فراقه أو حتى تخيل فراقه (بعد أن كنت ربما تكرهه!)، أي ببساطة أن تصبح جزءاً من المؤسسة التي أنت فيها. وهو أمر نستطيع إسقاطه حقيقة على حياتنا بشكل واضح وقصورنا الذاتي واعتيادنا على المحدّدات والمقيّدات المحيطة بنا والتي تمنعنا إلى أن تشلّنا بعد فترة من الزمن عن اكتشاف أنفسنا الحقيقية وقدراتنا وإيماننا بأنفسنا واختياراتنا وحرّيتنا الواسعة. وقد بقي أندي عصيّا على هذه المأسسة وحالما آملاً بالحرية مقاوماً طوال الوقت، حتى في أشدّ الظروف حلكة.

إذاً لا بأس من المسايرة والادعاء أحياناً، وعموماً هذه نقطة تُحسب لهوليوود وللسينما الأجنبية عموماً، وهو أن البطل خليط من الشر والخير، حسب سياق الفيلم يغلب أحد الجانبين على الآخر بطريقة طبيعية ومتسقة مع الواقع، لا تجافيه ولا تتعالى عليه.

 

آندي لم يكن ملاكاً خالصاً، كان يعرف متى يكون متلاعباً إذا كان ذلك يخدم منفعته، فقد كان يعرف أن المدير يختلس أموالاً ولكنه ساعده في ذلك، وقد قال ذلك بصراحة في أحد المشاهد وكيف أنه كان خارج السجن مستقيماً كالسهم ولكنه تغيّر عندما دخل “شاوشنك”، وبسبب هذه الشيطنة استطاع آندي تعويض نفسه بنفسه عندما أخذ الملايين وهرب بها ليجاور البحر والسماء.

لم يتحدث الفيلم فقط عن الأمل وإن كان هذا موضوعه الرئيسي ربّما. الفيلم تحدّث عن كثير من المواضيع، ووضعنا في ميادين وأفكار ومشاعر وصراعات كثيرة، منها الحرّية والصّداقة والظلم والعدل والتّصميم والإرادة واليأس والحبّ والخيانة والفرح والنّدم والشّوق والإحباط والإنسانيّة والحزن والسعادة والخير والشرّ والجمال .. والأمل.. وغيرها أيضا. هذا هو أجمل شيء في شاوشانك، بساطته مع تناوله لكلّ هذه القيم والأفكار والمشاعر دفعةً واحدة.. هو سهل ممتنع!

ينفي المخرج فرانك أن يكون الفيلم مجرد فيلم سجون بل يقول :

“ما السجن سوى استعارة للحياة بأكملها فالناس يعيشون سجناء لذواتهم، لأحلامهم في حياة يسودها اليأس والروتين. يبتعدون عن أحلامهم، وأهدافهم. موضوع الفيلم هو عن الصداقة وعن نقطة انعطاف سجينين الى رمزين للثقة، الصداقة، والأمل”

وكتب روجر إيبرت

“عندما شاهدت الفيلم للمرة الثانية، زاد أعجابي به أكثر، فأحياناً حبنا لفيلم ينمو ويزداد من خلال الألفة، كما هي الحال مع الموسيقى. والبعض يقولون أن الحياة عبارة عن سجن، فأن كان كذلك فنحن (ريد)، و(آندي) هو مخلصنا”

 

الوسوم

أعطني رأيك

إغلاق