تسجيل صوتي

اعتراف – ليلى سليماني – ترجمة: رولا عادل رشوان

بصوت: محمد الشموتي

 

لا أستطيع أن أخبركم باسمي، ولا باسم القرية الريفية التي جرت فيها أحداث هذه القصة. والدي رجل محترم يخشاه الجميع هناك، ولا أريد أن ألحق به أي من ألوان العار. وُلد أبي في هذه القرية ونشأ بين سهولها، ثم حقق ذات يوم نجاحًا مهنيًا أوصله للمدينة، حيث يعمل الآن ببذلاته الفاخرة وسيارته الشخصية الفارهة. عندما بلغت عامي السادس عشر، أرسلني إلى هذا “المنفى” لأتعلم عن الحياة الشاقة لأهل الريف، ولتقوية روحي وعضلاتي. “لا أريدك أن تصبح كهؤلاء الفتية الخاملين الذين يجوبون شارعنا طوال الوقت دون هدف.” قال لي. “هناك ستتعلم كيف تعيش”.
ذكرياتي عن هذا الصيف ضبابية، تختلط كل الأيام لتظهر في صورة يوم واحد مكرر، لم أستطع أن أجد شيئا يمنع عني كل هذا الملل. ولقد عرضت أن أساعد في أعمال الحقل، ولكن رفض أي شخص تطويعي بمثل هذا العمل الحقير لكوني ابن القاضي ولقلة لياقتي بما يكفي لأداء المهمة.

احتفظ المراهقون الآخرون بالقرية بمسافة بيني وبينهم. عندما اعتادوا الاجتماع ليلا لشرب زجاجات البيرة المسروقة، لم أتلق يومًا منهم أي دعوة لمشاركتهم الحدث. اعتدت سماع صوت ضحكاتهم وتجشؤهم من أثر الشراب المخمّر، بينما كنت راقدًا على سريري أراقب سقف الغرفة الترابي بلا نهاية.

كان معظم أهل القرية من الأميين، لم تكن الكهرباء قد دخلت إلى القرية بعد، ولم يكن هناك من يملك حتى تلفاز أو حاسوب. اعتاد أهل القرية تسلية نفسهم بنشر شائعات أو حكي قصص صَعُب على فتى من المدينة مثلي الاقتناع بها. ذلك الصيف، كانت الحكاية الرائجة عن فتاة من المنطقة طردتها عشيرتها. قال الصِبية أنها قد لوثت شرف العشيرة بأفعالها الجريئة وأنها تحوم حاليا في الشوارع ككلب شريد. استمعت النسوة العجائز صامتات، وخفضن أعينهن، وتصورتهن يمنحن في الخفاء دعوات صامتة لروح الفتاة القروية الشابة. استمعت باهتمام للحكايات المروية عن المشردة الغامضة، منتبهًا دائمًا لأي تفصيلة أو معلومة قد تجد. كانت تلك الحكاية الدنيئة والمغامرات التي تُقصّ عن بطلتها كل يوم، هي مصدر تسليتي الوحيد. خلال تلك الأيام، وبينما كنت أساعد بهمّة فاترة في العناية بالحيوانات، اعتدت سماع الإشاعة تتناقلها الأفواه، مُضيفة لأحداثها مبالغة بعد مبالغة وتشويه إثر تشويه.

في ظهيرة أحد الأيام، اقترح أحد الرجال؛ كان اسمه “عاشور”، أن أصحبه نحو السهول الخضراء لنحضر بعض العشب والحشيش لإطعام الحيوانات. كان “عاشور” رجلا ضخمًا قويًا، يقترب عمره من الأربعين، وله وجه مُدوّر لفحته الشمس. كان يرتدي طاقية صغيرة من الصوف، اعتاد خلعها من وقت لآخر ليحك فروة رأسه. عندما يبتسم، كان يمكنك رؤية لثته البنفسجية الخالية من الأسنان بوضوح. كان رجلا ربعة، ولقد شهدت بنفسي في مناسبات عدة حجم قوته المهولة. كان يتبعه ابنه ذو العشرة أعوام، وكان يبدو عليه كونه معتادا على عمل الحقل الشاق. سألت الولد ذات مرة إن كان يذهب إلى المدرسة، وهل يحب مُدرّسته. ولكنه اكتفى بالتحديق إلىّ بشك ماسحًا مخاطه بظهر يديه. بينما كنا نسير، حدثني “عاشور” عن والدي، وكيف أنه يدين له بالكثير. عاملني بتقدير زائد أشعرني بعدم الراحة، لذلك لم أتجاوب أو أجيبه بأي شيء. كنت مأخوذًا بفعل المناظر الطبيعية من حولي، بمرأي حقول القمح التي لمع لونها الذهبي في ضوء الشمس. استطعت أن أرى على البُعد حدود جبال أطلس، وكدت أقول شيئا عن هذا، ولكني لم أفعل، حيث علمت أن عاشور كان سيهز كتفيه حينها في استهانة، فتلك الحقول هي في الغالب آخر ما يعرفه عن حدود العالم. عبرنا بقطيع من الأبقار في طريقنا، كانت نحافتهم ظاهرة للغاية حتى لاستطعت عدّ أضلاعهم. كانت سيقانهم مربوطة لمنعهم من الهروب، وكانوا يمضغون الحشائش ساهيين في حركة رتيبة.

وصلنا إلى وجهتنا. علمني “عاشور” الطريقة التي أستطيع أن أملئ بها الحقائب الكبيرة التي أحضرناها معنا بأقل مجهود. كنت أستمتع بالصمت، غارقا في أحلام اليقظة، عندما لمحنا امرأة علي بعد ياردات قليلة، تخطو تجاهنا في مقابل الشمس. في البداية، ظننتها هلوسة، وتساءلت إن كانت حكايات القرية قد أثرت علي عقلي، أو أنني ربما كنت أنظر إلى سراب. ولكن الظل كان يقترب، كانت امرأة شابة، تخطو نحونا. نظر “عاشور” نحوي، ومن النظرة التي رأيت في عينيه، كان يمكنني توقع أنه هو أيضًا يظنها ذات الفتاة الغامضة التي تحدث عنها أهل القرية مرارًا.

“هذه لك”. صرخ “عاشور” بحماس مفاجئ. “إنك لا تصادف فرصة عظيمة كتلك كل يوم”. وكما من أبصر على البعد ماءا رقراقًا بعد أن كاد يذوي عطشًا، هرع عاشور نحو الفتاة. كانت الفتاة تنظر إليه قادما نحوها دون أي رد فعل من تجاهها، مثقلة بالتعب، مستسلمة لقدرها. إنها حتى لم تحاول الفرار. اليوم وبينما تراودني الذكرى، أفكّر؛ إلى أين بالأصل كان يمكنها الفرار من “عاشور”، في هذه الحقول المهجورة، البعيدة عن أقرب منزل بمسافة نصف ساعة علي الأقل. لم أقل شيئا. لم أحاول منعه؛ أولًا لأنه لم يمنحني الوقت حتى للاعتراض، وثانيا لأنني، في أعماقي، رغبت أن يحدث أي شيء لينقذني من الملل المقيت الذي كاد يقتلني طيلة ذلك الصيف. وصل عاشور إلى الفتاة وشجعني للاقتراب. عندما اقتربت منهما، سمعته يهددها بضربها إن هي صرخت أو أبدت ممانعة تجاه أي مما سأطلبه منها. أرقدها على الأرض بين سنبلات القمح الطويلة التي أخفت وجهها، ومزّق بنطالها الفضفاض من تحت جلبابها بوحشية. ثم دعاني بلفتة مرحّبة، كتلك اللفتة التي يدعو بها المرء ضيوفه ليتذوقوا أطباقًا شهية أعدها لهم. دعاني في ترحيب مشيرًا بيده الكبيرة الحمراء الصلبة. قبلت دعوته. دون كلمة واحدة.

اليوم، لا يمكنني تفسير ما قد دار بعقلي آنذاك في تلك اللحظة. كل ما أستطيع فعله هو أن أسرد كافة الحقائق وأحكي أنني قد ركعت أمام الفتاة، وبينما كنت أحل ربطات حزامي، سمعت “عاشور” قبل أن يبتعد وهو يوصي ولده بأن يحرس المكان. لا يمكنني التأكيد إن كانت ذكرياتي عن الفتاة تتفق مع الحقيقة بحذافيرها، ولكنها عندما تمرّ ببالي، يهيأ لي أنها كانت في حوالي السادسة عشر من عمرها. لها وجنتين مستديرتين كالأطفال، وهالات سوداء تحت عيون تظللها رموش طويلة، وعلى العكس من أغلب القرويات في عمرها، لم تبدو مجهدة من أثر أعمال الحقل الشاقة. كانت بشرتها ناعمة ولطيفة.

لم تتفوه بكلمة. لم تقاومني. بينما اقتربت منها ورقدت فوق جسمها النحيل، أدارت وجهها قليلًا إلى جانبها، كما لو كان كل ما تملكه من حرية، هو استطاعتها على الأقل أن تحجبني عن نظرها. كان يبدو عليها أنها تقبلت فكرة أنه لم يكن لديها حقًا أي اختيار. اقتربت منها وحاولت تقبيلها، ولكنها لم تستجب. انعزلَت تماما، في استسلام تراخى جسدها، لا كمن تقدم جسدها بداعي الحب، ولكن كمن تحاول الهروب بلا وعيها من موقف مروع. لست أدري ما الذي حفّز لدي هذا الشعور المؤلم في ذلك اليوم الجميل المشمس، بأنني لم أكن أول من ثبتها إلى الأرض وفرض عليها سطوته. بينما أرتدي ملابسي، لاحظت بقعًا من الدماء تنتشر علي يدي. أيقظتني بقع الدماء على يدي، وعلي فخذها من سبات كان يلفني حتى تلك اللحظة.

ساعدتها سريعا علي ارتداء ملابسها، والتقطت بنطالها الفضفاض الذي كان “عاشور” قد ألقاه جانبًا وأعطيته لها. نظرتُ بعيدًا بينما كانت ترتديه وحاولت التغلب على شعوري بالحرج بأن أبدأ في التحدث معها. سألتها عن اسمها، حاولت أن أعرف من أين أتت، وإلي أين ستذهب، أو أي شيء عن عمرها الحقيقي. كان كل ما قالته هو “أنا جائعة”، انتفضت واقفًا وكأنها أوكلت إلى مهمة مقدسة. كان “عاشور”، الذي قد رآني بينما شرعت في ارتداء ملابسي، آتيا نحوي، أشرت إليه بأن يقترب، متلهفًا لسؤاله عمّا يمكننا به سد رمق الشريدة الجائعة. إلا أنه، بفرحة غامرة، قد أساء فهم إشارتي، ورمي بكامل ثقله كالوحش علي جسد المرأة الصغيرة، والتي قاومت هذه المرة. صرخت الفتاة وأخذت تخمش وجهه بأظافرها. كانت مستعدّة لاقتلاع عينيه حتى. تدخلت وحاولت تهدئتهما.
“إنها جائعة”، شرحت له. هزّ كتفيه في لا مبالاة وقال: “لنفرض”. في قريتهم كان الجوع أمرًا حاضرًا في كل وقت، عادة تشكّلت لديهم في الطفولة، يحاولون التغلب عليها في العادة بتدخين الحشيش وشرب البيرة المخمرة المصنوعة منزليًا. ولكني أصررت، وفي النهاية رضخ “عاشور” وأرسل ابنه إلى القرية ليأتي ببعض الطعام والشراب. “قل إنه من أجل الضيف الشاب. هل تفهم؟”، حفّزه “عاشور” بضربة علي مؤخرة رأسه وأنطلق الفتي ممتطيًا حمارًا وصائحا: “شي”!

جلس ثلاثتنا في حقل القمح لما يقارب الساعة، كانت الفتاة تجلس علي بعد ثلاثة أقدام مني ومن “عاشور” أيضا، مادة ساقيها ومحملقة في الفراغ بصمت. كان عاشور يتسلى بمضغ قشّة، ثم ينهض ليستطلع الأفق، ثم يعاود الجلوس من جديد، ذاكرًا ولده بسبة تلو الأخرى، ولاعنًا بطئ الحمار، وغباء النساء. أخيرا، وصل الفتى حاملًا سلة من القش تحوي رغيفًا مدوّر وبعض الزبد وبرادًا من الشاي الساخن. ربما كنا لنمنح الفتاة طعامها ونذهب في حال سبيلنا، خاصة وقد قاربت الشمس علي المغيب، ولكن الفتى الصغير ظلّ يكرر “قالت أمي أننا يجب أن نُعيد إليها براد الشاي حين نفرغ من شربه. قالت أنها سوف تضربني إن نسيت.” جلسنا إذًا مجددا وبدأنا نشرب الشاي الساخن سويًا كأننا عائلة صغيرة سعيدة. هي كالأم الحنون المحبّة، و”عاشور” كالأب المخلص، وأنا كابنهم البكري الذي وجب عليه العناية بأخيه الصغير. بينما كنا نشرب الشاي، ظلت الفتاة تنظر إلينا في خوف، كانت تخشى أن نرحل ونتركها وحيدة في هذا الحقل المهجور. تلاقت عينانا أكثر من مرة، وشعرت كأنها تود اخباري بشيء ما ولكنها لم تكن تجرؤ على التفوه به في حضرة شاهدينا قليلي الإدراك. لو كنت شجاعًا، لو كنت علي الإطلاق شخص طيب، لكان لزامًا علي أن أنفرد بها لأسمع منها بينما تحكي في طمأنينة.

كانت الشمس تزحف نحو مغربها، وتلوّنت السماء عقيقًا بلون الشفق، كان المكان يغرق أمام أعيننا في الظلام، أمسك الفتي البرّاد ورماه بداخل السلة. أصر الفتى أن أمتطي الحمار بينما يمسك بلجامه. تصنّعت لا مبالاتي بأمر الفتاة تحت عيون “عاشور” المتفحّصة، ولكنني التفت غيرّ مرة إليها، ورأيتها قد لفّت وشاحًا أسود حول شعرها، عاقدة ذراعيها تلتمس دفئًا. بقيت أفكر فيها طوال الطريق، وفي برودة الليل التي لابد حلّت عليها. بقيت أفكر في هجمات قد تغشاها سواءً من رجال، حيوانات أو حتى من أفراد قبيلتها راغبين في الانتقام لشرفهم. بقيت أفكر في الغطاء الذي ربما كان عليّ إحضاره إليها، في نقود كان عليّ منحها إياها لتشتري تذكرة على حافلة تهرب بها بعيدًا عن هذا المكان الذي لابد سيفني روحها.

عندما وصلنا إلى القرية، كان “عاشور” يتحرق شوقًا لإخبار الرجال هناك عن مغامرتي. كانوا يستمعون إليه فاغري الأفواه، يسيل لعابهم من فرط المتعة. كانوا يضحكون، وكنت فخورًا بالطريقة التي كانوا ينظرون بها إليّ الآن. في تلك اللحظة، نسيت كل ما كان عن شعوري بالندم وحتى عن الليلة الباردة. قاطعت “عاشور” وبدأت في رواية الحكاية بنفسي، مضيفًا إليها بعض الحواشي والتفاصيل الماجنة، التي انفجرت في أعقابها ضحكات الصعاليك المستمعين. في نسختي من القصة، كانت الفتاة غامرة السعادة، عابثة، ممتلئة الصدر، عريضة الأرداف. تدحرجنا على الحشائش من تحتنا، ثم رقدنا عليها ضاحكين. سلبتُ لب المستمعين من الرجال وحزت رضاهم؛ ذلك أنهم قاموا إلي مهنئين، مربتين على كتفي في إيماءات مستحسنة.

انتقل أبي للعمل ذلك العام في كازابلانكا، وبدأت أنا سنتي النهائية في المدرسة الثانوية. لم تأتي بعدها سيرة إجازتي الصيفية الطويلة وأيامها المهدرة، ولم يسألني أحد عنها. أصبحت دراستي هي شغلي الشاغل والوحيد. كنت، على حد قول أبي عنّي، “فخر العائلة”، ولقد أقام الدنيا وأقعدها في سبيل إلحاقي بإحدى الجامعات العريقة في فرنسا. بعد عام واحد من مغامرتي مع المشرّدة، انتقلت للعيش في بلدة فرنسية صغيرة. طوال الأسبوع، كنت أحرص على الدراسة حتى وقت متأخر من الليل، كنت آخر من يهجر مكتبه ليلًا في الحرم الجامعي. بينما في عطلات نهاية الأسبوع، كنت، كما كل أصدقائي، أطارد الفتيات، وأبالغ في شرب الخمر حتى أتقيؤه. كنت سعيدًا.

وذات ليلة، راودني حلم. كنت أجلس في عربة يجرّها حصان. كان المقعد الجلدي ممزق وتطفح منه حشوات رمادية ذات رائحة عفنة، انتشرت تحتي بطول الألواح الأرضية الخشبية للعربة. كانت العربة تمضي بسرعة جنونية عبر أروقة مدينة جنوبية؛ بدت كما إشبيلية أو أصفهان. كانت العجلات تتقافز مرتطمة بحصى الطريق. قبضت بيدي على مساند الذراعين بإحكام حتى تخدّرت أطراف أصابعي واستحالت زرقاء. شعرت، في إثر كل هزّة أو حركة، بأنني سأتدحرج إلى الأرض وسترتطم بها جمجمتي وتنتهي محطّمة كتلك البرتقالات التي تسقط عن الأشجار مجاورة جذعها، وتفوح منها رائحة العفن.

ظل السائق يضرب الحصان بسوطه، بشدة وقسوة، وبغضب صَعُب علي إدراك كنهه، وأحسست منه، لدهشتي، خجلًا عارمًا. أردت أن أطلب إليه أن يتوقف، أردت أن أدافع عن الحيوان المسكين، أردت أن أطلب إلى السائق أن يرحمه، ولكني لم أستطع أن أتخلى عن الدعامة الحديدية التي كانت تمنعني من السقوط. عندما وصلنا إلى أحد الميادين، استطعت أن ألمس بطرف يدي كتف السائق، حينها انهار الحصان المسكين. انقلبت العربة، ورقد الحصان العجوز المسكين على الأرض مفارقًا الحياة. بدأ جسده يتفسخ وعضلاته تذوب. بدا كمن استسلم للموت ممتنًا له. قفز السائق من العربة ورمي بكامل ثقله على الحصان. بجنون، ورعونة غير مبررة، حاول جرّه من قدميه، أمسك بأسنانه، غرقت يده في خبايا أنفه المتوهجة، ولكن عيون الحصان كانت محدّقة في الفراغ بغير استجابة. انحنيت نحو الجثة، نحو أضلاعها النافرة. لم ألاحظ من قبل كم كانت هزيلة. وضعت يدي لامسًا فخذها الغارق في العرق وتعرفت إلى رائحة مألوفة؛ رائحة طفولتي. الرائحة المريحة لعرق حيوان، رائحة الأرض، والثوم، والمياه المالحة.
عندما استيقظت، كانت الشراشف غارقة في عرقي، وكانت يدي تتخبط في الهواء. احتاج الأمر مني بضع دقائق لأدرك الموقف. خشيت أن أفتح النور فأجد نفسي جالسًا في أحضان الجثة المريعة. راودتني رائحة حلمي هذا طوال اليوم. كانت رائحة الفتاة القروية، رائحة الحقل مختلطة بعرقها. خلال كل الاسابيع التي تلت تلك الليلة، لم أستطع التخلص من هذا الشعور، كنت أسيرًا لذكرى الرحلة المتخيلة في العربة. كنت أسمع وقع سقوط السياط علي لحم الحصان، وكانت تعاودني ذكرى انهياره، وانقبض قلبي للفكرة؛ سأموت على رصيف بلدة مجهولة. كنت أتجول في النهار وفي الليل، يصاحبني إحساس عميق بالحزن، ووعي بجريمة خفت حتى التلفظ بحروف حكايتها.

ليلى سليماني
ترجمها عن الفرنسية: سام تايلور
ترجمتها عن الانجليزية: رولا عادل رشوان
بصوت: محمد الشموتي

تبرعاتكم تساعدنا على إثراء الموقع، وإكمال تسجيل الأنطولوجيا الصوتية لشعر العالم، شكرًا لكل الأصدقاء والأحباب الداعمين

الوسوم

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق