كلّما أهديتك كوكبًا – سوزان عليوان

الرابعة والربع فجرًا

بيروت بعد المطر:

شوارع بعيونِ غرقى

ليل مورق بـإشارات مرور

كلب يتعكّز على كتف ظلّه

بائعة مناديل

بسبات مصطبة على رصيف.

“رقّ الحبيب”

وأشواق بـإلحاح أطفال

متشعلقين بأكمامي

أتّصل لسماع صوتك

رنّة، ومضتان..

الوسن ملاك يكلّمني.

*

لطالما طاردتْني

في البلاد التي لم تبادلني وردةً أو كلامًا

هذه الشوارع الممطرة.

بقطعة قمر من طبشور،

بزهر بنفسجيّ

يبتسم لكعوب عابرين

سنوات من الأوتاد والأوتار

مقاعد بين المنافي متفرّقة

مُتحف بمنمنماته ملء روحي

ظِلّ ظَلّ على الأسفلت طفلًا،

مدن وناس من أسمال الدمى

غرفة سوداء تسعها حقيبة سفر.

ثمّ جاء وجهك من أرض غريبة.

حدّثني عن الحبّ والأشجار.

بكتاب بيننا، كشف أوراقه كلّها.

ضحك لي

كما لم تفعل نجمة.

*

الذين أصغَوا، سمعوا دمعةً

وأسرعوا نحو الينابيع بمناديلهم.

وجدوا صفصافة تضحك،

وجدوا أنفسهم

وسط ورق أصفر

نصفه في الماء نجوم.

لو صدّقوني…

يا أصدقائيَ الطيّبين

كأهداب أطفال على عصفور يتألّم

حيث المعانيَ نحنُ

كلُّ نَدْبَةٍ نافذةٌ لنور

والعاشق بحر

بوسعه أن يكون ما يشاء.

*

كلّما هممت بهجرانك

إستوقفتني زهرة تسأل:

أحقًّا تصل الأنهار؟

لسنا أسماءنا.

جِلْدي صلاتي

وجهك الكتاب.

وردة النهايات التي تربكها تقطيبة يديك،

هذه التي كانت في أرضها الأولى بئرًا

يعرّيها عطر

كما يخلع إنسان كلامه،

لأيّ لهب تَهَبُ ذهبها؟

إثنان، كلّ آخر ثالثهما:

البحر الذي لا يكرّر نفسه،

وزهر لوز برفّة معطف

من كتفيك حتّى الركبتين.

*

لا اللغة ولا الطيور،

وحدها الغيوم حاورتني.

في الغربة

وشّحتني الأغاني،

وكنتُ كلّما أعبر جسرًا

أفكّر مليًّا في أنين الأشجار.

كيف أكون جلدك

والجرح بيننا أرجوحة؟

أعرني دمعتك لأراني،

خذ خطوتي.

لنختبر لمرّة

ما تكابده مرآة.

*

من كُتْر شوقي”

“سبقت عمري

لكنّ الدرب على قدميك

رحلة مركب يتلكّأ

أنت الذي تقتسمك المفارق

وكلّ كأس في يدك

نداء غريق

أيّها الغريب في متاهة من الورد،

يا من تشيخ لأجل الحبّ

بعيدًا عن أهلك،

أنت النهر نفسه الذي يهدر

.كلّ مرّة في رمالي

*

كلّما أهديتك كوكبًا، كسرتَه

القمر الخامس ونُدْفة الأرض،

وتلك الأسطوانة المغلولة

بأحرف ذهبيّة ذائبة

كما يعبث طفل بلعبة.

مثلما يلعب طاغية

بوطن وأطفال

النجوم حصًى صغيرة في جيبي

رامي السهام نحوي

ملاك بأكمام واسعة.

بجِلْدي، بتقطيبة جرح

على دروب لا يقوى على قطعها

حزن على ساقين من خيزُران.

ألا تضجر من ضربة الفأس

والدمعة عينها؟

ألا يكفي ما فعلته بضحكتنا هذه البلاد؟

*

حيث لا ارتواء

.واليأس فأس لا تَكْسِرُنا

مثلما بأهدابنا نسافر

بمجاز نهر أو سحابة

كما نتلمّس الماء بلا دمعة

بسياج مائج من ملامحنا

لكنّ الضفاف لصفصاف وبيوت

والعاشق جسر

*

بتأويلات لوحة

يتّسع الليل

توقيع غامض لا أتبيّن رموزه

تاريخ يتغيّر

متتاليًا مثل صفحات روزنامة

النجوم حمّالة أوجه

.للنوافذ حصّة الرذاذ من أرقي

.شجرة تحت المطر تتعرّى

لو أنّ يدي فرشاة

والملامح فراشات

لو أنّ أطفاليَ الورقيّين

ألوان تطير.

لولا الجوهرة في الدمعة

لما كان الانكسار مزدوجًا.

*

هذا وجهنا بعد العاصفة،

الورق أقوى من الجذوع.

كنهار لا يكفّ عن النسيان نفسه

سها عن صورتنا النهر

مهرولًا بركام مدينة.

ترك بَوْصَلةً على ضفّة

بطاقتين لحفل مضى

وصلةً من أصداء أليفة

وشاحًا من أصل منديل.

لسنا وحلنا.

ثمّة نجم

كملاك واجم فوق الغيوم،

بين جناحيه يكتم ضحكة

لطفلة في حضنك ترسم نفسها

معقودة الحاجبين.

*

أيُّ حوار بين غيمة ونجمة؟

وما الذي بتَكرار الكلام

بأكثر من نغمةٍ

تحاول أن تؤكّده

لليل يجفّف جناحيه كخفّاش على حافّة شرفتي

جوهرة لا تنكسر في حَنْجَرَة أمّ كلثوم؟

منذ مطلع الأغنية

وأنا في رجاء رسالة،

والنجوم أكفّ على أحبار تلوّح

تمامًا كما يرسُمها الصغار.

من أدعو إلى طاولتي

والأرق قطار فارغ؟

لشبح القصبجيّ مَقعد شاغر.

عروش في روحي

لرامي الذي عاش عاشقًا ذليلاً

نصف الحكاية دمعة.

كلّ الحكاية

وجهك الذي لا يرويه نهر

وضحكته مدينة

لا تتذكّر أحدًا.

إغلاق
إغلاق