مقاطع من” خوف الكائنات” لياسر الزيات.

Chris Gwaltney

1-
“ما أجمل الخروج من الغابة”- أقول، أنا الشجرة الضالة. أحمل عصافيري، وأمحو الطريق.
لو كانت السماء بناية لأكلتها الريح. ولو كانت امرأة لانتحرت في بار شعبي، لكن السماء جدار نائم تسكنه العقارب.
كل مرة أولد خائفا، وأعيش منتظرا، وأموت غريبا.
وجدت اسمي مبللا، فآويته، لكنه اسم شارد يحن دائما للغياب.
أتنفس سحبا وطائرات ولآلئ. أتنفس جثثا ودماء وترابا. أتنفس أسلافا يتامى ووحوشا مريضة.
ما أجمل الخروج من الغابة.
لو كنت نهرا لبكيت، ولكنني قطار تائه، فاتبعوني.
لدي سيارة حمراء قدماها غائرتان، ولدي قطة مربوطة في آلامها.
وفي قلبي شجرة تنوح كل صباح لتقطع أقدامها.
أقول إنني الشجرة الضالة، وأعني أنني سماؤها. أقول إنني الجثة، وأعني أنني قبرها، أقول إنني النهر، وأعني أنني بكاؤه.
ولو كتبت لكم شعرا لبكيتم، ولكنني أختبئ في اللغة، وأبكي وحدي لكي تموتوا وحدكم، فأدفنكم في الجدار.

2-
قال لي: “أنت الماء، والنار سريرك”. وفتحت في قلبي نافذة، ثم وضعت عليها وردا ذابلا، وناديت الطيور كلها، لكي تأكل وتشرب أو تعلق نفسها على الجدران. وصنعت لقلبي سلما، فصعدت عليه الكائنات كلها، وتبعتها الحواس والأحاسيس. وجاءت الأفكار بلا عدد، فانهار السلم، واشتعل البيت بالنهايات. لم أحزن، لأن ما ينهدم يقام، فليس هناك زمن بين النقيض ونقيضه، وليست هناك خسارات أو حسرات، ولا يوجد مكان لألم ممتد بين لحظتين. ووضعت يدي على الأفق، فجاء السلام من حيث جاءت الحرب، وجاءت المحبة من حيث جاءت الكراهية. وفي القلب نفسه، احتضنت الكائنات وجودها.
3-

لأنني أحببت الحياة، رأيتها عارية كالملك. وأوجدت المحبة على شكل ثلاجة، وأوجدت القتل لكي لا تزيد كثافة المواد. بين ظلين أتممت بكائي، ورسمت على الغمر نجوما على هيئة الطير، وبابًا لكل كوكب يشبه القفص، ونافذة لكل حياة، حتى تقفز عندما تحب. وسحبت النور من جيبي، وأطلقته من يدي حتى صار ظلاما كاملا، وكتبت عليه الموت والحياة، ثم أنشأت التكرار وصفّيته، وسميته الزمن. وبدا لي كل شيء مكتملا، حتى قفزت الكراهية من الماء، وتعلقت بالأشياء كالدودة، واختفت في الكائنات لتحرس فناءها، وجاء الغضب سريعا، حافيا، وأعرج، وسمّى نفسه العدل. وكذلك كان خوف يختبئ وراء كل صخرة، وكان جبل من الآلام.
4-
ختر غناءك على الباب. هنا مرت التماسيح الصغيرة، والأشجار التي اقتلعتها المحبة. وهنا بكى الذئب لينجو من النهاية. وكذلك ثمار الكمثرى، والحلزونات التائهة، وبيت العنكبوت، مروا من هنا. ما طعم المغفرة يا أبي؟ حزينة كالأمل يا بني؟ كان هناك نداء خلف الباب، وكانت هناك نجوم تدخل وتخرج عندما استيقظت الغواية في قلبي. ورأيت ثعابين ترقص، وأراجيح على مرمى البصر، ونورا يشبه الظلام. وهناك جلس الكون متكورا على ذاته، وانتبهت الكائنات لخطوة الغريب. “تقدم”، يقول أبي، ويقول النهر الذي يبكي منذ الخليقة على الطاولة: “تقدم”. ليس أمامي أمام، ولا خلفي خلف، وليست تلك إلا لحظة الذوبان.
5-
بتلك الفرشاة بنيتك، ووضعت فوقك تلالا من اللهب، لأخفيك عن أعين الحطابين. وزرعت فيك جنونا دائما ألهمتك أن تسميه الحنين، وسويّتك كاملة بنقصانك، وعلمتك الأنين. ولوّنتك باللمسة والشهقة والخيال، وأعطيتك أن تفتحي بابك لي كلما شردني الشوق إلى الخلق، وأتممت عليك جنونك حتى فاض على الكون، فكانت منك حياة لكل كائن، وكان موت عظيم.

6-
وضعت خيطا على الطاولة، وسميته “النهر”، وكسرت كأسا، وسميتها الطريق. بيديّ هاتين، وضعت المقعد فوق المقعد فوق المقعد، ليرى النملُ جبلا. نفخت في التراب فكان صباحٌ، وكانت حيواناتٌ ترعى في السهل بين الجبل وظله. العالم كبير كما تراه الكائنات، كبير وقاسٍ، مر ومزدحم بالأمل والنفايات. وهناك أشياء منسية في الخليقة، منسية وزائدة، محجوبة في الثقوب كأنها صخور مفتتة. فكرت في أن أضع صرصارا، ليعطي الطاولة طبيعة الدراما، أو كلبا ليمنح النهر شكلا تراجيديا غائما. قلت لنفسي إن هذا الجنون لا يجب أن ينتهي، فلا جدوى من تركيب عالم بلا جنون. وعلقت الخيط في رقبتي، بكل طيوره المشنوقة، وبكل مائه الذي لا يفكر في النجاة. لا أحد سيطرق الباب، لأنني لم أصنع صوتا، ولا أحد سيشعر بالحريق لأنني ارتديت النار وحدي، وحدي ارتديت النار لأكون علامة منسية على الطريق.
***
..ورأى البستاني العالم ضيقا، فبكى، ورأي النجّار يديه شجرتين أو كفنين، فحاول أن يصرخ. في كل وجود تضيع القافلة، لأن العشب ينمو بحسن نية، ولأن الريح تفكر دائما في النسيان. خوف الكائنات علامة، ولكن الخوف ابن العماء، ودليله، وهو رايته التي تمشي مع الريح، وترقص، فلا تدركها الأبصار. توقف هنا، لأن الزمن يلهث، توقف لكي لا تموت الطاولة فجأة كالقط الذي نسيتَه على النافذة. هل فكرت في الحب كوجبة فاسدة؟
***
يا أبي، يا أبي، كنتَ تظنني قمرا، وكنت أضحك، وأطير في السماء كما يليق بقمر صغير. انطفأتُ الليلة، فبكتِ الذئاب في الحقل، وتألمت الوديان من شخير الجبل. أنا جبلك يا أبي، جبلك لا قمرك، ولم أتحرك منذ أن تركتَني على الطاولة وحيدا، وذبتَ.

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق