صبحى شحاته – إنساننا الأبدي الممزق بالنسبي

 

Geoffrey Johnson

ل فيلم ( رحلة العمر تأليف وإخراج سعد عرفة ) عمق التناقض الذي حملته ثقافتنا العربية الحديثة التي حاولت التوفيق بين الجديد الوافد من الغرب والقديم، بين الاصالة والمعاصرة ذلك التناقض الذي ظهر مع اول رحلة لرفاعة الطهطاوي ابن الازهر إلي فرنسا زمن محمد علي باشا، واستمرت محاولات التوفيق بين المتناقضات تلك حتي العهد الناصري الاشتراكي، الذي انهته هزيمة السابع والستين، فسارعت مصر بالارتماء كلية في اتجاه الغرب المتفوق.
يعرض الفيلم مصر السبعينات الخارجة من الانغلاق الإشتراكي الروسي إلي الانفتاح الغربي الأمريكي، حيث تدفق السلع الاستهلاكية الغربية السريعة ومعها انماط سلوكية غريبة وثقافة نسبية تهتم باللحظة العابرة وليس الابد، قوامها الانسان النسبي وليس المطلق
يبدأ الفيلم وينتهي بساعة الحائط الكبيرة العتيقة ذات البندول الطويل الرتيب الوقور، وكهذه الساعة تمضي حياة مدير البنك الكبير مقامًا وسنًا فهو في الخمسين من عمره محمود ” أحمد مظهر، حياة هادئة ساكنة، فنحن الآن في يوم الخميس، ليلة الجمعة والزوج السعيد يتعشي مع زوجته الجميلة مديحة ” مريم فخر الدين ” أمام السفرة المكتظة بالطعام البيتي، عمايل يد الزوجة الموفرة نفسها لزوجها وبيتها فحسب، والتي تعرف طقوس الزمن الدائري الذي تعيشه وتألفه،الذي يبدأ وينتهي بليلة الجمعة حيث تدخل الحمام بعد العشاء الدسم، ومنه إلي التسريحة أو مائدة الزينة فتتزين وتتعطر ثم تنام في السرير باسمة واثقة، من قدوم زوجها المشتاق للعناق والتقبيل والمتعة البيتية الآمنة المستقرة، والمستمرة منذ خمسة عشر عاما من الزواج التقليدي الابدي.
ويقفز عقرب الساعة عشرة دقائق مرة واحدة في لقطة سريعة، فنجد الزوج قد انتهي من زوجته، كما لو إنه قضي وقته المحدد بالضبط ، وإن هذه كل طاقته المنذورة له والمسموح بها له، ثم ينام قرير العين. المنزل خاوٍ إلا منه وزوجه لا أطفال، هدوء وسكون وصمت.
يذهب الزوج في رحلة استجمام قصيرة إلي سيدي عبد الرحمن، كان ينبغي أن تكون معه زوجته، لكنها فضلت الذهاب إلي بيت عائلتها لقضاء واجبات هناك لا بد منها، فهي تنتمي إلي صورتين متناقضتين من صور العائلة، الكبيرة الممتدة الريفية، والعائلة النوويية الصغيرة المدينية، التي تعيشها مع زوجها، جامعة بين الاثنين في حالة توفيقية تعسفية، توفق بين المتناقضات ولا تحلها، وهي ملتزمة وصاحبة واجب وتحترم تقاليد الحياة الأسرية التقليدية، لذا ذهب الزوج وحده إلي الفندق السياحي الفاخر المطل علي البحر والفارغ تمامًا في مثل هذا الوقت من العام حيث لا يأتي أحد، وحيث ينعم الزوج بالهدوء المعتاد عليه.
يطلب الزوج من موظف الاستقبال بالفندق حجرته المعتادة، فيخبره أن نزيلة سكنتها مع الغرفة المجاورة لها، تأتي النزيلة سوزان اسمها الغربي وسلوي اسمها العربي ” شمس البارودي” شابة فائقة الجمال متحررة ذات أصول اجنبية فهي متعددة الهويات مصرية وغربية، ومستقلة وفردية وحرة ومتحررة، حجزت الغرفة لصديقها فهي لا تعرف الزواج التقليدي الذي يعرفه الزوج لكن صاحبها أو البوي فريند يتصل بها ويخبرها أنه مشغول بالمذاكرة وبمباراة مهمة للتنس، ولن يأتي إلا بعد يومين أو ثلاثة ، تغضب جدا فكيف ستقضي وقتها دونه، كيف يمر عليها الوقت دون أن تستمع! ثم توافق علي ترك الغرفة لمحمود العجوز.
وهناك بغرفتها تشعر سوزان/ سلوي بحرارة الفقد والوحدة وزهق الملل فتشغَّل الريكوردر وترقص علي موسيقاه الصاخبة، وهكذا لأول مرة تمتلأ حياة الموظف الكبير بالصخب والضجيج، وكان نائما بالغرفة اللصيقة بغرفتها بينهما باب داخلي يمكنه الدخول إليها منه، فاستيقظ وأسرع ليطلب من الفتاة شبه العارية اللاهية الملولة ايقاف الصوت والعودة إلي الهدوء، لكنها ترفض فيتصارعان علي الريكوردر هو يريد أخذه منها وهي ترفض حتي ينتزعه منها ويصفعها علي وجهها فتستسلم وتقعي كالقطة عند قدميه، ولما يهم بالانصراف محرجًا من فعلته تمسك بيده ثم تنهض واقفة وتحتويه بذراعيها وتقترب منه برغبة لم يعهدها وجرأة لم يجربها وحرية في التعبير عن الشعور خارقة له، وتقبله فيقبلها بعنف.
في الصباح ينهض محمود الموظف المحترم التقليدي من جوارسوزان الجميلة اللاهية خجلًا متخوفًا من فعلته الشنعاء، منتظرًا اللوم التقليدي، لكنه يفاجيء بها تنهض متمطية قائلة له ووجهها مشرق بابتسامة صافية لا شي فيها : صباح الخير! هكذا كأنهما زوجان وكأنهما لم يرتكبا كبيرة من الكبائر المحرمة لدي الزوج! الذي أدرك إنه أنتقل إلي عالم آخر، لم يعهده من قبل، عالم الساعة فيه غير موجودة، والانضباط والهدوء والالتزام بالتقاليد الخ غير موجود، عالم آخر من الحرية والمرح والرغبة والتعبير عن الرغبة بصراحة ووضوح وعدم خشية من شيء مطلقًا.
يسأل محمود المدهوش سوزان عن عمرها فتقول له أنه 2000 سنة وبالتحديد 1973 .. وهنا يقفز الحوار إلي المستوي الرمزي فنحن لسنا أمام فتاة عادية وإنما فتاة تمثل الحضارة الاوربية كلها، بقيمها المخالفة لقيم محمود ابن الشرق. حضارة انثوية تطلق لمشاعرها العنان وتحتفي بالجسد واللحظة التي تمر وبالحرية الشخصية والصراحة والوضوح.
يقضي محمود ممثل الثقافة العربية الذكورية، الذكر الوقور مع سوزان الانثي الغربية أياما من المتعة الخالصة في غرفة الفندق وعلي شاطيء البحر يجري ويلعب ويتمتع كالاطفال ويناقش ويتحدث مع الفتاة التي تحدثة بحرية وجرأة لم يجدهما مع زوجته المحافظة الخجول أبدًا.
يحضر صديق الفتاة شابًا في مثل سنها اسمه عصام من العصامية والاستقلال الفردي، فيعترض الموظف الكبير الذي يعتبر الفتاة بمثابة زوجة له، تستجيب الفتاة اللا هية ،وتمنع نفسها عن عصام عقابًا له علي تركها وحيدة وعدم تلبية الفوز بالمتعة علي واجب الدراسة، فينصرف عصام غير غاضب تاركًا سوزي بحريتها لمحمود، غير المستوعب هذه المنظومة لرؤية العالم القائمة علي الحرية الفردية.
وتنتهي أيام الاستراحة سريعا ويعود محمود العجوز الذي بدا صبيًا مع سوزان في سيارتها الصغيرة السريعة، ويطلب محمود من سوزان أن تكون العلاقة دائمة بالزواج أو بغيره. فتخبره بمنطقها الغريب عنه، إنها تحتفي باللحظة فحسب وإنها لما رأته أعجبها فقالت يااااي!! ورغبت فيه واستمتعت معه وانتهت اللحظة الان وعليه تقبل انتهاء العلاقة والفراق.
عاد محمود الموظف الكبير مدير البنك من الجنة أو الجحيم أو العالم الاخر الممتع والغريب والمشوش المتناقض وهو لا يستطيع نسيانه وحبه، فصوت موسيقي الريكوردر في إذنيه وأصوات موج البحر المتلاطمة وضحكات الفتاة الرائقة المرحة وجمالها وجنونها كل هذا في أذنيه.
وهاهي مديحة زوجته معه علي المائدة الكبيرة العامرة بالطعام الدسم فوقها الساعة الكبيرة حارسة الزمن الرتيب، تكلمة عن ما قامت به من واجب عائلي وتخبره عن الاشخاص الذين حمَّلوها أمانه السلام عليه والتحية له، وهو صامت ذهنه هناك مع الفتاة الاخري. وهاهي الزوجة العارفة واجبها تمامًا، تدخل الحمام وتخرج إلي مائدة زينتها، ثم إلي سريرها، بنفس الابتسامة، تنتظر شغف الزوج المعهود والابدي النمطي الذي لا يمكن أن تغيره الايام ، هو الزوج الابدي والانسان الابدي، لكن الزوج يتقدم فاترًا، فالسكون ليس صافيًا كالمعتاد لا يمتليء بانفاس الزوجة، وإنما بصخب موسيقي الريكوردر المرحة وصيحات سوزان وأمواج البحر. يعانق محمود زوجته، محاولًا الفعل المعتاد البيتي، لكنه ينهض غاضبًا متضايقًا بافتعال دون أن يفعل شيئًا وينصرف فتسامحه الزوجة وتعتذر بالنيابة عنه وتكبت دموعها وحزنها وتقول له:
إنها لا تهتم بهذه المتعة العابرة إلا من أجله فحسب، فإن كان لا يريد فهي لا تهتم، فلا يحزن، فهي تريد أن تكون معه فحسب، فهو الرجل الذي انتظرته صغيرة في بيتها وحلمت به، حتي جاء إليها، فانتقلت من بيت عائلتها إلي بيته، لا تعرف سواه، حياتها كلها من أجله هو فحسب، وجودها كله مجعول له فقط فهو المركز وهي الهامش التابع .
لكن الزوج لم يعد يرض، لقد زاد وعيه وعرف العالم الأخر المختلف، رأي ولمس بهجة أخري وعنفوان حياة أخري أكثر قوة وجمالًا من هذه، وهو لا يستطيع العودة كما كان هادئًا وادعًا راضيًا كالساعة العتيقة المعلقة فوق الحائط هناك.
بحث محمود المغرم بالغريب والشاذ والجميل عن بديل لسوزان فتاة الغرب، فذهب إلي بيت من بيوت الدعارة وقابل فتاة تشبه سوزان الغربية إن كان يمكن أن يكون للغربية الفاتنة شبيها، لكنه لم يستطع الاقتراب من فتاة الهوي التي بدت نسخة مشوهة من سوزي فتاة الغرب الاصلية الجمال والفتنة، والتي هي الطبيعة بكل بكارتها وطزاجتها.
فذهب إلي بيت سوزان في الليل وطلب وصالها الدائم لأنه لا يعرف إلا العلاقة الابدية وليست النسبية الجزئية، يعرف الخلود وليس الفناء، الدائم وليس العابر، لكنه وياللمفارقة يريد الدائم بنفس شروط العابر، والتوفيق بين المتناقضات، فيمزقة النتاقض، فصار لا هو هذا ولا ذاك، رفضت سوزان فتاة الغرب الانصياع له، فهي لن تفعل ما لا تريد، ولن تعطيه جسدها غصبًا عنها، وبدت قطة قاسية علي الذكر الشرقي، قاومها ليأخذها وقاومته لتبعده تعاركا اصطدما وقعا، فيما الموسيقي الصاخبة تدوي، لكنه لم يفز بها ابتعدت باكية تلوذ بركن الحائط في شقتها الفاخرة التي تعيش فيها وحيدة مع موسيقاها وكتبها وجمالها بحرية تامة .
قفل محمود العجوز الشرقي راجعًا حزينًا كسيفًا إلي بيته، راغبًا في العودة إلي عالمه الذي يعرفه، المعتاد الساكن، لكنه وياللأسف وجده خربًا خاويًا صامتا كالمقبرة، فلقد رحلت مديحة الزوجة المخلصة الصابرة إلي أهلها، بعدما تبينت إنها غير مرغوبة وإن زوجها لم يعد لها وإنه تغير إلي شخص آخر منفر قاس، ينفر منها ويهينها.
إنهار الذكر الشرقي علي مقعده الوثير أسفل ساعة الحائط العتيقة التي تدق فوق رأسه وبندولها يذهب ويجيء حائرًا، في رأسه فراغ ووحدة وصمت وحيرة، لقد انتهت الرحلة، رحلة العمر بالخسارة، فالذكر الشرقي لم يفز بالمرأة الغربية المتحررة ولا بالشرقية الملتزمة الراضية بالقسمة والنصيب، وقبع تحت وطأة دقات الساعة واجمًا كما التمثال.
فيما ينتهي الفيلم الجميل الفريد في فننا السينمائي بسوزان / سلوي فتاة الغرب ذات الاصول العربية المتجولة في العالم بكل حرية، تنطلق بعربتها تحت أضواء الليل تصحبها موسيقاها الصاخبة وعالمها المرح الحر اللاهي شمس لا تضيء سوي ذاتها فحسب وسط الليل الغامض.

 

تبرعاتكم تساعدنا على إثراء الموقع، وإكمال تسجيل الأنطولوجيا الصوتية لشعر العالم، شكرًا لكل الأصدقاء والأحباب الداعمين

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق