فاسيلي كاندينسكيفنفن تشكيليمقالات

كانديسكي يؤكد أن الموسيقى لون الحياة

كتبه: قمر عبدالحكيم

يؤكد كاندينسكي في كتابه (من الروحانية في الفن) أن البعد الموسيقي في اللوحة يكشف البعد الروحي، وأنّ لوحاته ستُنَوّط في يوم من الأيام مثل الموسيقى.

من هو فاسيلي كاندينسكي وما علاقته بالفن؟!

كان الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي رساماً ومُنَظّراً فنياً مؤثراً، ويعتبر أحد أهم المبتكرين والمجددين في الفن التجريدي الحديث خلال القرن العشرين، درس كاندينسكي القانون والاقتصاد في جامعة موسكو، وتم تعيينه كأستاذ للقانون في جامعة تارتو في إستونيا. ثم انتقل إلى ميونخ لدراسة الفنون في أكاديمية الفنون الجميلة وهو في سن الثلاثين. لم يتم قبوله على الفور في المدرسة كطالب فني، وفي هذه الأثناء بدأ في تعلّم الفن بنفسه، وأثّرت “لوحة كلود مونيه – كومة القش” فيه تأثيراً عميقاً أدّى إلى رفضه وظيفة أستاذ جامعي في كلية الحقوق في إستونيا، وقرّر التفرّغ للفن نهائياً.

اكتسب كاندينسكي رؤية فنية من لوحة كومة القش لـ كلود مونيه و Lohengrin لـ ريتشارد فاغنر. كما تأثر بتعاليم الأنثروبوجرافيا، وعلى هذا النحو، كانت أعماله التجريدية تمثيلاً لمعتقداته الفلسفية المكثفة بجانب تجاربه الشخصية مع الفن. وظل التفاني في الجمال الداخلي موضوعاً مركزياً في فنه.

حدد كاندنسكي رؤيته الفنية في كتابه «نظرات عن الماضي»، بقوله:

“يزداد يقيني يوماً بعد يوم بأن الرغبة الداخلية للفنان، هي التي تحدد الشكل، وأن الانفصال بين مجال الفن ومجال الطبيعة يقوى يوماً بعد يوم، حتى أنني أرى أن كلاً منهما منفصل تمام الانفصال عن الآخر.. لقد علمت أن موضوعات الطبيعة كانت تفسد رسومي”.

في عام 1914 وبعد بداية الحرب العالمية الأولى، عاد كاندينسكي إلى موسكو، لم يجد في موسكو الكثير من الإلهام في عالم الفن، وعاد إلى ميونخ عام 1921، حيث درس في مدرسة باوهاوس للهندسة المعمارية إلى أن أغلقها النازيون عام 1933.

بعد إغلاق مدرسة باوهاوس، انتقل كاندينسكي إلى باريس، حيث كان معزولاً في الغالب عن الرسامين الانطباعيين أو التكعيبين الآخرين، وأصبح فيما بعد مواطنا فرنسياً، وعاش بقية حياته هناك. وأثناء محاولة تطوير نمطه التجريدي وإلغاء وجود أثر مشخص في اللوحة، حول كاندنكسي الأشياء إلى رموز تصويرية، مخفضاً من جملة الإشارات والرموز المحيلة إلى العالم الخارجي، مستهدفاً أبعاداً أكثر روحية في الفن، وهو ما يوضحه في كتابه “حول ما هو روحي في الفن” إذا يقول:

“الفن هو موسيقى النفس البشرية، سواء كانت ألحاناً أم بناء أم تصويراً.. وفن التصوير هو إبداع يخلق به الخيال من اللون رؤيا العالم بأسره.. كان الفنانون يرسمون قديماً بضرورة خارجية. كانت الأشياء تفرض عليهم أن يرسموها. أما فن التصوير الحق فإنه يلجأ إلى الإبداع بصورة داخلية”.

كان مُنَظّراً فنياً نشيطاً، نشر عدداً من الكتب حول نظرية الفن، ووضع نظرية معقدة وعميقة حول قدرة الألوان والأشكال على تمثيل الصوت وإظهار العاطفة البشرية، وسافر إلى الولايات المتحدة لإلقاء محاضرة حول هذا الموضوع تحديداً، ودأب في أعماله على بناء أسس جديدة شكلاً ومضموناً في التعاطي مع الفن، منعتقاً من سطوة التصوير الطبيعي الذي ساد قروناً طويلة في أوروبا، باحثاً عن تكوين بناء جمالي حر يخاطب العواطف والمشاعر والأحاسيس، بناء يستمد قوته من الدهشة الطفولية البدائية عند الإنسان. حيث كان الرسام قديماً يقف أمام الموضوع وهو مرغم على أن يتقيّد به، والحقيقة أن غاية الفن ليست في تصوير الأشياء، بل في تصوير إدراكنا النفسي لها، ولا سبيل إلى ذلك إلا إذا توجهنا إلى الداخل، فحاول كاندنسكي خلق لغة خطاب جمالية جديدة لدى المتلقي تختلف عن لغة القراءة والتفاعل السائدة في الفن التشكيلي، ساعياً إلى تحرير نفسه كفنان وتحرير المتلقي في الوقت ذاته، بحيث يكون لكل منهما قدرته وخياله الخاص في تلقي العمل الفني.

“إن أعظم تزوير للحقيقة، هو الاعتقاد أن الفنون التشكيلية تقليد دقيق لما تحتويه الطبيعة” -كاندينسكي

إليكم بعض من أشهر أعمال كاندينسكي..

 

  • لوحة تكوين 4 (1911)

لوحة تكوين 4 (1911)

لهذه اللوحة قصة مثيرة في حياة كاندينسكي، فقد أصبح كاندينسكي منهكاً بسبب أشهر الدراسة التي مر بها استعداداً لهذه اللوحة، فقرر أن يذهب في نزهة مشياً على الأقدام. وبينما كانت مُساعدته ترتب الأستديو أثناء غيابه، قامت بدون قصد بتغيير وضع اللوحة، ثم عاد كاندينسكي ورأى اللوحة، فجثا على ركبته وبكى من فرط جمالها. وغيرت نظرته الجديدة للوحة رؤيته واتجاهه الفني لبقية حياته.

 

  • لوحة على مساحة بيضاء (1923)

لوحة على مساحة بيضاء (1923)

نجد في لوحة (على مساحة بيضاء) أن كاندينسكي مزج ببراعة بين اللونين الأبيض والأسود، وهم اللونين الأساسيين في اللوحة. في هذه اللوحة، استخدم كاندينسكي الأبعاد الكثيرة للون الأبيض لتمثيل الاحتمالات والفرص الكثيرة المتوفرة في الحياة. من ناحية أخرى، يمثل اللون الأسود العدم أو الموت.

وضح كاندينسكي رؤيته للون الأسود كسكون الموت، وفي هذه اللوحة، يقطع اللون الأسود الخلفية البيضاء بتأثير يبعث على الحزن، فهو يسحق السلام الناجم من مزيج الألوان في باقي اللوحة، أو كما قال كاندينسكي، يسحق فرص الحياة.
  • لوحة الفارس الأزرق (1903)

لوحة متسابق أزرق (1903)
تعتبر لوحة الفارس الأزرق لكاندينسكي اللوحة الأكثر أهمية من بين لوحاته في أوائل القرن العشرين، قبل أن يطور أسلوبه التجريدي بشكل كامل. تُظهر هذه اللوحة متسابقاً يرتدي ثياباً باللون الأزرق، ويتسارع عبر مرج أخضر.
أدى التجريد المتعمد في الرسم إلى قيام العديد من منظري الفن بعرض رؤيتهم الخاصة، فقد قال بعضهم أن هناك طفلاً في أحضان الفارس الأزرق. وكان السماح للمشاهدين بالمشاركة في رؤى الفن أسلوباً استخدمه كاندينسكي لتحقيق الكثير من النجاح في أعماله اللاحقة، والتي أصبحت أكثر تجريداً مع ارتقاء مسيرته الفنية.
تمثل لوحة الفارس الأزرق إشارة واضحة إلى أسلوب كاندنسكي اللاحق، ويظهر في اللوحة فارس يمتطي حصانه عبر مشهد طبيعي اعتيادي، حيث تتضح الصلة الأسلوبية مع أعمال الانطباعيين مثل كلود مونيه، وخاصة في تباين الظل والنور على التلال في الخلفية، إلا أن غموض شكل الفارس على ظهر الحصان عبر مزج الألوان معاً يتنبأ باهتمام كاندنسكي بالتجريد، وقد كرر كاندنسكي استخدام الفارس والحصان في عدد من أعماله اللاحقة، حيث كان هذا الموضوع بالنسبة له دلالة على مقاومته للقيم الجمالية التقليدية.
  • لوحة تكوين 10 (1939)

لوحة تكوين 10 (1939)

كان كاندينسكي يهوى ربط الألوان والصور على القماش لتكوين لوحة موسيقية جميلة، وعلى هذا النحو، فقد سمي العديد من لوحاته المتنوعة (تكوين)، وتمحور تشبيهه للفن كتأليف موسيقي حول البيانو، فكانت العيون بالنسبة له هي المطرقة أو الأصابع، والألوان هي لوحة المفاتيح، والروح هي البيانو والأوتار. وعلى غرار الموسيقى، التي لا تقتصر على النوتات فحسب، لم تكن أعمال كاندينسكي مجرد دمج للأشكال والألوان بدون تمييز، فقد تم ترتيبها بعناية فائقة كعناصر موسيقية تندمج بدقة لتثير أقصى استجابة جمالية وعاطفية عند المُشاهد، فلطالما كان فاسيلي كاندينسكي يحب أن يربط لوحاته بالموسيقى التي يعتبرها جزءاً لا يتجزء من الفنون المكملة للرسم التجريدي.

 

الوسوم

أعطني رأيك

إغلاق