بهجت صميدة – عندما تسرق القصيدة نظارتك

Faraway looks
Rene Magritte

1

كلما نظرتُ ليلًا إلي السماءِ..
انطلقَتْ من قلبي أسرابُ القصائدِ،
بعضُها يغزو النجومَ،
وبعضُها يبحثُ في الأرضِ عن جثةٍ..
تشبهُـني.

2
الجثةُ التي فرَّتْ منْ المقابرِ بحثًا عن الحُبِّ..
تحاولُ العودةَ،
غير أنَّ العفاريتَ ترفضُ عودتَها،
وتصرُّ علي عقابِها..
بالحياة.

3
الجثثُ التي لمْ تعدْ تخشي المقابرَ..
تُـوَزِّعُ الدودَ علي الأطفالِ في الشوارعِ،
لكنَّ الأطفالَ يفرمونَ الدودَ تحتَ أرجلِهمْ،
ويقذفون الجثثَ بالضحكات.

4
كلما حاولْتُ أن أجمَعَ يديّ علي صدرِي..
تنافرتا،
حتي أري بالونينِ ضخمينِ بحجمِ كوكبينِ..
يُخرِجُ كلٌّ منهما لسانَه للآخَرِ،
وأنا أحتمي داخَلَ فمِي..
من اللعابِ المتساقطِ من اللسانين.
5
يالها من خدعةٍ كبيرةٍ !
أن تظنَّ أن الأرضَ لا تناديكَ.
إنها تَجْذِبُ رُوحَكَ..
قبل جسدِك.

6
النهارُ المُعَلَّقُ بأفئدةِ الطيرِ..
يتهاوي علي قمةِ جبلِي،
وأنا لستُ سيزيفَ..
ربما أكونُ الحَجَر.
تسير علي مفاتنها القصيدة

أمشي ؛
فتتبعُـني القصائدُ،
كلما فارقتـُنِي..
ومشيتُ خلفَ الذكرياتِ،
استفردَتْ بي،
واستبدَّتْ..
غلَّقَـتْ أبوابَها ليلاً،
و قالت: »هيتَ لكْ»‬.
ما كنتُ يوسفَ،
إنما برهانُ قلبي ردني نحوي ؛
لأرجعَ باحثًاعني ؛
فابصرُني علي الجدران منتشيًا.
ورائحةُ الطلاءِ تعيدُ تأويلي،
وتفتح في شراييني طرائقَ للنهارِ،
أذوبُ في الملكوتِ،
أرسمُ فوق خد الماءِ ضحكةَ عاشقٍ،
ضمَّ الترابَ إلي الترابِ،
وصبَّ ماءً فوقهُ ؛
فتكونَتْ في الرُوحِ أشجارٌ،
لها تأوي العصافيرُ الطريدةُ،
كلما شدَّتْ من الطمْي الرحيقَ..
تراقصَتْ سُحُبٌ،
وألقَـتْ فوقَ رأسِ الطفلِ..
مدرارًا من الحبِّ،
استطاع به كتابةَ قصةٍ لمحبةِ البيتِ..
الذي مازالَ يمشي في زوايا الرُوحِ،
يَخرجُ من جروحِ القلبِ،
يحملُ بعضَ رائحةِ الأحبةِ.
كلما مرَّتْ علي عينيّ عيناها..
يَرُدُّ التوتُ ما سرقَـتْهُ أغربةُ الوجودِ،
ويستعيد بكارةَ الدنيا،
وأحلامًا مَشَتْ ليلاً..
إلي شُبّاكِهِ،
تُهديهِ وردَتها و ضِحكَـتَها ؛
لتَخرجَ من مكامنها القصيدةُ،
تمنحُ الأطفالَ حباتٍ من الزيتونِ،
ثم تَرُشُّ في الطرقِ الرحيقَ..
بها يصيرُ الكونُ كونًا،
تختفي منهُ الدماءُ،
ويُمسِكُ التاريخُ مِنْجَلَهُ ؛
يحشُّ بهِ الزوائدَ ؛
علّها تصفو الحقولُ،
وتستطيبُ لعاشقَـيْنِ،
استخرجا طميًا من القلبينِ ؛
كي يستصلحا صحراء هذا الكونِ طُرًّا،
ربما يوماً تسيرُ علي مفاتنِها القصيدة.
لقطات خاصة جدا

1
عندما ضربْتُها بسكينٍ في نهدِها..
انفرطَتْ منْهُ شفاهٌ كثيرةٌ،
بعضُها مازالَ يتساقطُ منْهُ الحليبُ،
ومعظمُها مُلَطَّخٌ..
بألوانِ أصابعِ الشفاه.

2
خلعْتُ جلدِي مع الثيابِ،
ولم يتبقَّ منِي إلا رائحةٌ..
احتضنَـتْـها..
وطارَتْ..
وسْطَ ضجيجِ الملائكة.

3
جلستُ أسفلَ عينيها ؛
فغطتْـنِي بأهدابِها،
وحين قُمْتُ من مكانِي..
وجدْتُ حفرتينِ عميقتينِ،
ودمًا يتطايرُ حولِي.

4
أخْبَـرَنِي لسانُها أنَّها تخافُ مِنِّي،
وأخبرَتْـنِي شفتاها أنها تُحبَّنِي،
وأنا لا يرضيني أنْ تحدثَ
في فمها فتنةٌ عائليةٌ بسببِي ؛
لذا أحاولُ جاهدٌا
أنْ أجمعَ كلَّ الأطرافِ في فمِي.

5
حَذَّرَتْـنِي صديقتُها..
من أنّها ترمِي قُبلاتِي من شُبَّاكِها
كلَّ مساءٍ..
فصعَـدْتُ علي الشجرةِ المواجهةِ لبيتِها،
في محاولة لاصطيادِ قُبلاتِي..
قبل أن تسقطَ علي الأرضِ،
وقبل الفجرفتحتْ الشباكَ،
وجذبَتْـنِي من شَفَتَيّ،
وغَلَّـقَت الأبواب.
تَـوَحُّش
القصائدُ المتوحشةُ التي قفَـزَتْ عَلَيَّ..
من صدورِ النساءِ ـ
طرحَتْـنِي أرضًا،
رغم أننِي أقسمْتُ لها أنني لمْ أقرأْ
كتابَ »‬قصيدة النثر لسوزان برنار»،
إلا أنها لم تصدقْـنِي،
وخَمَشَتْ وجهِي بأظافرِها،
وبأسنانِها الحادةِ شَقَّتْ صدرِي،
وعلقَـتْنِي علي سورِ محطةِ القطارِ..
بجوارِ إعلانِ مُقَوٍّ جِنْسيٍّ،
والدم يتساقطُ من بنطالي..
قطرةً..
قطرةً..
في مشهدٍ دراماتيكيٍّ مُثيرٍ.
النساءُ اللاتِي احترَزْنَ من أسلحتِي –
لم يزلْنَ يَهْتَمِمْنَ بي،
ويتهمْنَنِي بالشَّبَقِ،

مَرَّتْ واحدةٌ منهنَّ أمسِ،
وعندما رأتْنِي معلقًا..
أطلقَتْ ضِحكةً أوقفَتْ القطاراتِ كلَّها،
ومَدَّتْ يدَها في بنطالِي،
وقالتْ بخبثٍ:
تستحقُّ كلَّ ما يَجرِي لَكْ !
تَـذَكَّـرْتُ..
عندما بَـكَـتْ علي صدرِي ذاتَ عُـرْيٍ،
وأقسمَتْ لِي أنَّها ليسَتْ خائنةً،
وأن زوجَها هو مَنْ يخونُها.
يومَها أخبرتُها أننِي أكرَهُ الخيانةَ !
وألبسْتُها ثيابَها،
وأهديتُها شَفَـتَيّ ولسانِي،
ومشيتُ وأنا أشعرُ بفراغٍ في فمِي،
وهواءٍ باردٍ يصفعُ قلبِي.
ويومَ أنْ ماتتْ..
لمحتُها طائرةً في جنازتِها عارية ً،
ستْرتُها بقميصِي،
ووقـفْـتُ علي بابِ القبرِ
في محاولةٍ بائسةٍ لتقبيلِها،
غيرَ أنَّ أبناءَها الثلاثةَ منعونِي،
وقال لي كبيرُهم:
سعيُكم مشكور،
كلما زرْتُ قبرَها..
قرأتُ عليها بعد الفاتحةِ ـ
قصيدةً من القصائدِ التي تحبُّها ؛
فتصطفُّ بقيةُ الجثثِ لسماعِها،
وينفتحُ القبرُ،
وقبل أن أرفعَ عنها قميصِي لأري وجهَها..
أجِدُ عظامَها تكتبُ علي ترابِ القبرِ:
أحبُّكَ أيها الشاعرُ،
وتنهضُ لتحضنَـنِي،
ربما.. لتعيدَ إليّ قميصِي.
هل تخيلتَ بيتَكَ طائرًا؟!
هلْ تَخَيلت بيتك طائراً؟
يجري وراءَكَ من قصيدةٍ لقصيدةٍ،
يبحثُ عنكَ،
وكلما غرقتَ في كتابٍ..
أرسلَ إليكَ حبلًا ممدودًا من الطوبِ ؛
لتصعدَ عليهِ،
وكلما اختبأتَ أسفلَ ذاتِكَ..
أَفْرَغَ محتوياتِهِ فوقَ رأسِكَ،
يمنحُكَ السريرَ..
الذي حشوتَ وسادتَهُ يومًا بقصائدَ سريةٍ..
منذ أنْ بدأْتَ تُحْيِي موتَكَ،
بحروفٍ منقوشةٍ علي جدارنِ هذا العالمِ،
أو يُلْقِي عليكَ بصورِ القططِ الثلاثة الضاحكةِ..
التي تعلَّقَـتْ بجدارِ رأسِكَ،
وأضحكَتْ كلَّ أصدقائِكَ طويلًا.
…تفتحُ بابَ البيتِ ؛
فتلمحُ وجهَ أبيكَ..
حديقةً تنمو فيها أشجارُ التوتِ،
يتسلقُها طفلٌ يشبهُكَ،
وكلما أكلَ ثمرةً..
دبَّتْ فيكَ حياةٌ،
ساعدَتْكَ أنْ تتخلصَ من سَطْوَةِ صفحاتِ الكتبِ ؛
فترفعُ عن قلبِكَ كلَّ الألفاظِ المعجميةِ،
تغسلُ بدمِكَ كلَّ الصفحاتِ الخطأ..
التي تداخلَتْ فيها السطورُ،
ولم تتركْ للكلماتِ فضاءً تتنفسُ فيهِ.
كلما مشيتَ في صحراءِ الوجودِ..
لمحتَ فوقَ بيتِكَ حصيرَ البيتِ
سحابةً..
يجلسُ عليها شيخُكَ،
يَسقُطُ ماؤُه المثلج.
الشـيشُ الذي شهدَ ضوءَ الشمسِ،
وقتلَ الجراثيمَ العالقةَ تحتَ جلدِكَ –
هو نفسُهُ الذي أدخلَ يدَ صديقِكَ..
الذي سرقَ منكَ ديوان نزار قباني،
و ثقب قلبَكَ ثُـقْـبًا..
مازلَ يسيلُ منهُ الدمُ،
كلما مَرَرْتَ بجوارِ ذكرَي معَهُ.
كلما كَـلَّ القلبُ،
واختفي الأكسجينُ..
تَحَـوَّلَ البيتُ لمضخةٍ كبيرةٍ،
وأطلق روائحَهُ المحملةَ بالترابِ..
الممزوجِ بعرقِـكَ وأنْتَ تلعبُ في الشارعِ..
الذي يبتسمُ كلما لمحَكَ عائِدًا إليهِ،
رغم أنَّـك أصبَحْتَ ترتدِي حذاءً..
عازلًا..
يفصلُ بينَ جلدِكَ وقلبِ الشارعِ.
فتح
جاءَتْـنِي قبلَ الفجرِ..
اجتثَّـتْ قلبِي،
طافَتْ حولَ الرئتينِ
وطارتْ بعروقي نحوَ سماءِ اللهِ الواسعةِ ؛
لتَسقطَ كلُّ دمائي فوق رءوسِ الخلقِ ؛
فتَـنبتُ غاباتٌ لا يسكنها الشعراءُ،
ولا يقربُها العشاقُ،
علي أطرافِ حدائقِها..
يمشي التاريخُ مع الجغرافيا..
ينتزعانِ الجلدَ عن الدنيا ؛
فيُغَـنِّي الدودُ الخارجُ من أفئدةِ الخلقِ،
وينقُرُ بيضَ فراخِ الطيرِ ؛
فتَخرجُ منه عماليقُ تغطي الشمسَ،
وتفرد شعرَكِ هذا الأسودَ ؛
كي يتعلقَ فيه النورُ..
ويصعدُ..
وحدَكِ تغتالين الليلَ بحد رموشكِ،
لا يتبقي خارجَ ملحمةِ الموتِ سواكِ،
وحين أري أشجارَ الدمِ تهتزُّ..
ولا يسّاقطُ منها الثمرُ..
أفرُّ لحِضنِ الأرضِ ؛
عساكِ هناكَ..
تُغذينَ جذورَ الحُلمِ..
بضحكتِكِ المخلوطةِ بحليبِ الأطفالِ..
هناك يجيءُ الغيمُ،
ويُسقطُ ضحكًا يكفي الخلقَ ؛
ليردمَ كلٌّ منهمْ نهرَ الدمعِ..
النابعِ من أعماقِ القلبِ،
ويَدخُلُ في الأوردةِ.. يُطَهِّـرُها..
ويذيبُ تَجَلُّطَ بعضِ أحبتِهم فيها ؛
كي تصبحَ كلُّ مساراتِ الرُوحِ..
مُمَهَّدَةً لعروسةِ بحرٍ مثلَكِ..
تَدخلُ بالتاريخ وبالجغرافيا ـ
مركزَ هذا الكونِ،
وتطلقُ من كل خلايا الجلدِ رحيقًا،
يحفظُ للأرضِ توازنَها،
وكأنَّ مقابرَ كلِّ الجثثِ اُخْتُـزِلَتْ،
ثم أُبيدتْ أسفلَ قدمِكِ،
أنتِ نهارِي..
عند قدومِكِ تخرجُ كلُّ طيورِي..
تفتحُ رأسِي،
تفتحُ صدرِي،
علَّ ثمارَ الحُلمِ تُطَهِّـرُ قلبِي.
من حديث المقابر
كلما مَرَرْتُ بجوارِ المقابرِ..
خرجَتْ لي هذه الجثةُ،
تدعوني بابتسامتِها المدهشةِ،
وكلما همَمَتُ بالدخولِ..
حذرَتْـنِي جثةٌ أخري غاضبةٌ،
فاعتدَلْتُ في طريقِي،
وسِرْتُ في انتظارِ لحظةٍ مناسبةٍ.

الكلابُ تجوسُ المقابرَ،
وأنا أحملُ في يدِي بعضَ الأورادِ،
وفي قلبِي متاهاتُ الذكرَي،
هل حقا كانوا هنا؟!
يبدو أن حالتَنا البشريةَ
ليسَتْ إلا مرحلةً ثلجيةً،
تعودُ بعدَها المياهُ للبخار.

هل يدركُ الجهلاءُ
أن هذه مقبرة ُ »‬عبد الوهاب المسيري»
وأنّ أوراقَ موسوعتِهِ عن الصهيونيةِ
تدورُ حولَ المقابرِ كلَّ يومٍ،
تحرسُها من العفاريتِ،
لو كانوا يدركونَ..
فما كلُّ هذه الإبرِ الملقاةِ علي بابِها؟!

الموتُ كائنٌ خرافِيٌّ،
لا يقبلُ الموتَ،
يفتحُ كلَّ يومٍ ثُقْـبًا في السماءِ ؛
لتصعدَ منْهُ بعضُ الأرواحِ،
ثم لا يلبثُ أن يجلسَ علي بابِ المقابرِ،
يَمُدُّ يدَهُ للثكالَي..
طالبًا منهم الإحسان.

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق