مقالاتياسين عاشور

ياسين عاشور – المالينخولي السّعيد (3)

“وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ” – قرآن كريم ( سورة الأنبياء )
“لَيْتَ كَرْبِي وُزِنَ، وَمَصِيبَتِي رُفِعَتْ فِي الْمَوَازِينِ جَمِيعَهَا، لأَنَّهَا الآنَ أَثْقَلُ مِنْ رَمْلِ الْبَحْرِ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لَغَا كَلاَمِي.” – الكتاب المقدّس (سفر أيّوب )
لماذا تحدث أشياء ضارة ؟ قال المالينخولي السّعيد و قد استبدّ به الحزنُ، كأنّه يحمل ثقل العالم وآلامه. لماذا يتألّم الإنسان؟ لماذا يقع فريسةً لتقلّبات الحياة؟… هكذا انسابت الأسئلة في ذهن صاحبنا و تبدّت له في شكل معضلات تعصى على الاستيعاب.  ثمّ استعاد معضلة الشرّ التي أثارها أبيقور وارتفعت من بعده إلى مقولة دهريّة غالبًا ما يضمّنها الهراطقة والزنادقة في سجالاتهم ضدّ حرّاس العقائد وزبانية القداسة، إذ كيف يحدث الشرّ في العالم تحت عناية ربٍّ رحيمٍ؟ لماذا يصابُ الرُّضّعُ بالأدواء المزمنة؟ لماذا تنزل الكوارثُ بالبشر فتخبطهم خبط عشواء؟ لماذا لا تتكافأ الفُرص في الأعمار و الأرزاق…؟

يمكننا أن نزعم أنّ معضلة الشرّ هي الحجّة الأخلاقيّة الأقوى التي تدحض عقيدة العناية الإلهية، ورغم كلّ الرّدود الثيولوجيّة الغارقة في التبرير الفلسفي لمشكلة الشرّ ( الثيوديسيا ) إلّا أنَّها لا تصمد أمام تألّم صبيّ واحدٍ مصابٍ بداء عضال، ويمكن لكلّ اللّاهوتيات الدّفاعيّة ( الأبولوجيا ) أن تتهاوى أمام دمعة أمّ منكوبةٍ. لذلك أمكن لنا أن نخلص إلى مسلّمة مفادها أنّ العالم مُهملٌ ضدًّا على مبدأ العناية، وأنّ الطّبيعة قوّة عمياء لا تساير الإنسان ولا تخضع لمعاييره الأخلاقيّة، وأنّ حياة الإنسان محكومة بالصّدفة. إنَّ الحياة لعبة نرد، وما ثنائيّة الخير والشرّ ويا ينجرّ عنها من مفاهيم كالعدالة والقضاء والقدر والثواب والعقاب والابتلاء إلّا عزاءٌ ابتدعه الإنسان كي يبرّر بقاءه.

وُلدت ثنائيّة الخير والشرّ بسبب الاعتقاد في ما أسماه نيتشة “وهم العوالم الخلفيّة”، أي الاعتقاد في وجود كينونة متعاليّة خفيّة عن عالم الظواهر، و بناءً عليه فإنّ لكلّ حدث يقع في عالم الظواهر سببًا خفيًّا ينجرُّ رأسًا عن العوالم الخلفيّة ولا يكون إلّا تجلّيًا من تجليات القوّة الخفيّة وعيّنة ظاهرة من حقيقتها. مثلا : حين يضرب زلزالٌ منطقة ما، سيُفسّر الأمر بأنّه عقابٌ من القوى الإلهيّة لأهل تلك المنطقة بسبب خطيئة اقترفوها أو اقترفها بعضهم أو سيفسّرُ بأنّه ابتلاءٌ لاختبار إيمانهم وصمودهم أمام قدر الآلهة و قضائها. وبالتّالي تُضفى على الزلزال صبغة أخلاقيّة باعتباره تحقيقًا لعدالة الآلهة بين البشر في حين أنّه لا يتعدّى أن يكون حدثًا طبيعيًا تحكمه قوانين وسلسلة من الأسباب. إنّ قانون السّببيّة لا يعرف خيرًا ولا شرًّا، ولا يهمّه أنّ يحقّق عدلًا في عالم الإنسان، ولا يدلّ على إرادة فوقيّة، بل إنّه لا يدلّ إلّا على نفسه.

الإنسانٌ مُلقى على قارعة الكون، مُهملٌ ومتروكٌ للعدم، ليس ثمّة من يهتمّ لأمره غيره، ينبغي أن نتقبّل هذه الحقيقة كي نستطيع الصّمود أمام ما يحدق بنا من كوارث و آلام. علينا أن نستوعب أنّنا موجودون هكذا من دون مبرّر، نستمرّ في الحياة بسبب ضعفنا، و نموت عن طريق المصادفة وفق العبارة السّارتريّة. إنّ حياتنا مشرّعة على كمّ هائل من الممكنات المحكومة بثنائيّة المصادفة والسّببيّة. ولشرح ذلك يمكننا أن نضرب المثال التّالي : أن يكون زيد موجودًا في المنطقة ( أ ) وفي السّاعة ( ب )، وقد تزامن ذلك مع وقوع زلزال في السّاعة نفسها و المنطقة نفسها، وكان زيد من ضحايا ذلك الزلزال و لقي حتفه. في سيناريو آخر كان من الممكن أن يلزم زيد بيته ذلك اليوم وبالتّالي كان يمكن أن يسلم من الزّلزال، لكن تزامن وجوده في المنطقة ذاتها و الساعة ذاتها أدّى إل هلاكه. لذلك قلنا أنّ الممكنات محكومة بثنائيّة المصادفة ( تزامن وجود زيد وحدوث الزلزال في المكان نفسه ) والسّببيّة ( الزلازل تحدث نتيجة الإزاحات في الصّفائح التكتونيّة ). في ذلك اليوم الذي هلك فيه زيد بسبب الزّلزال بكت أمّ زيد وانتحبت مخمّنةُ أنّ موت ابنها كان بسبب قوى شرّيرة استهدفته، وخمّن بعض معارف زيد أنّ موته بتلك الطّريقة كان انتقامًا من الله بسبب بعض خطاياه.

استوعب المالينخولي السّعيد أنّ ما نسمّيه شرًّا، لا معنى له في عالم الظّواهر، وأنّ كلّ ما يحدث للإنسان من أمراض و أوبئة ومجاعات وكوارث طبيعيّة لا يمكن أن ندينها أخلاقيًا لأنّها لا تسير وفق إرادة معيّنة، ولا تستهدف أفرادًا أو مجموعات بشريّة وفق خطّة معيّنة، فكلّ ما يحدث يحدث من دون غائيّة أو ماهيّة أخلاقيّة مُحدّدة سلفًا. وعلى الإنسان أن يحاول الحدّ من الأضرار والتخلّص من أكبر قدر ممكن من الألم في خضمّ المصادفات والكمّ الهائل من الممكنات. وعلينا دائمًا أن نضع تلك الوصفة الأبيقوريّة نصب أعيننا : القدرة على تنسيب تجربة الألم ومسايرته والمصالحة معه… ويبقى العزاء الأخير للإنسان في كون الحياة فانية عاجلًا أو آجلًا.

المصدر: الأوان

الوسوم

أعطني رأيك

إغلاق