السفاح والكتابة عند ساد: بياترس ديديه

ترجمة: حسين عجة

Takato YAMAMOTO

 

لا شك أنّ جريمة السفاح، من بين كلّ جرائم العشق في أعمال ساد الروائية، تحتلّ مكانة مميزة. فالعقدة التراجيدية “لدورجفل” (Dorgeville) تكشف عن نفسها عبر الجملة الوحيدة التالية: «حسناً، يا “دورجفل”، لتقر أنّك تتعرّف على أختك المجرمة من خلال زوجتك السيئة الحظ هذه»! أمّا في رواية “فلورفيل” (Florville) و”كورفال” (Corval)، فيطال الموضوع ذروة تعقيده؛ كذلك نشعر ضمن أي فرح يسمح الروائي-الخالق (romancier -démiurge)، قبيل الخاتمة، بالكشف عن تعدّديّة العلاقات والجرائم المشدودة في عقدة واحدة: «لتعترف بي، يا “سنفال” (Senneval)، لتعترف في آن معاً بأختك، تلك التي أغوتك في مدينة “نانسي” (Nancy)، قاتلة ولدك، وزوجة والدك، والكائن الشنيع الذي قاد أمك إلى المشنقة». على العكس من ذلك، تمثل رواية “يوجيني دو فرانفل” (Eugenie de Franval) الحدّ القصي من البساطة؛ غير أنّ تلك الوحدة ليست فاعلة إلاّ من حول انفعال واحد (seule passion)، متطرّف، وتم إعداده منذ وقت بعيد لكي يكون ناضجاً: عشق الأب لابنته الفتية تماماً.
في نفس المرحلة، يؤلف ساد “مائة وعشرون يوماً” (cent vingt journées) حيث يتخيل جماعة من الخُلعاء المتحدين عبر شبكة علاقات سفاحية (incestueux): «منذ أكثر من ستة أعوام كان هؤلاء الفساق الأربعة المُتطابقون بثرائهم وذوقهم، يتخيّلون تقوية علائقهم أكثر عن طريق التحالفات التي يحتلُّ فيها الفجور موقعاً أكبر من أيّ دافع آخر، أي الدوافع التي تُؤسس عليها عادة العلاقات». وفي رواية “فلسفة الصالون الصغير” (la philosophie dans le boudoir)، تنفجر “يوجيني”: «ها أنا إذاً سفاحة، خائنة لزوجها، وممحونة في آن معاً»!
إلى جانب هذه الممارسة السفاحية بين الشخوص الأكثر دلالة في العالم الساديّ، تُضاف، كبطانة للفعل، نظرية (une théorie). في “يوجيني فرانفل”، يستدعي الأب التقاليد القديمة، ولأنّ محاوره هو بالدقة قسّ، لذا يشير إلى الأنجيل وقصة لوط (l’histoire de Loth). وفي “لتبذلوا، أيها الفرنسيون جهداً أكبر، إذا ما أردتم أن تكونوا جمهوريين” (Français encore un effort si vous voulez être républicains)، يشرعُ ساد بتبرير سياسة السفاح (politique de l’inceste): «هل أنّ السفاح خطير؟ كلاّ، لا، أبداً، إنه يوسع العلاقات العائلية وبالتالي يجعل حب المواطنين للوطن أكثر فاعلية». بعد ذلك، يُطرح ما لا حصر له من الأمثلة، التي يلجأ إليها ساد عبر مناقبية تاريخية وجغرافية، لكي ينتهي بالقول بأنّ السفاح نتيجة مباشرة للـ “التجمع النسويّ” الذي ينبغي تأسيسه في الجمهورية الحقيقية.

يمكننا الإشارة إلى تقاليد فلسفية وأدبية معاً. لكن كلّ تلك الحجج، وهذه الأمثلة، كان ساد قد أخذها من العلم التاريخي (science historique) الذي ورثه عن “فلاسفة” عصر الأنوار، وكذلك من حكايات الرحالة، كـ شاردا (Chardin) أو بوغانفيل (Bougainville). كما كان السفاح موضة في العالم الرومانسي، ومن ثم امتدت تلك التقليعة حتى فجر القرن التاسع عشر، لكي تصل إلى سرد قصص العشق المحرمة عند رينيه (René).
وبالرغم من ذلك، نشعر بإصرار وعنف ساد، ما أن يتناول هذا الموضوع، حيث لا يبقى “للمصادر” و”التأثيرات” من فاعلية تُذكر. نحن نجد أنفسنا أمام أحد الدوافع الجذرية للمخيلة (imagination)، للفلسفة وللرغبة السادية. لا شك أنّه من الصعب تماماً، والعبثي حتى، رؤية ما هي الحوادث البيوغرافية التي تمكنت من تحريك تلك الرغبة. كذلك نجهل إلى حد بعيد طفولة كتّاب تلك المرحلة، لكن ربما نجد أنفسنا، مع بيار كلوسفسكي (P. Klossowski) في كتابه “مع ساد”، أمام عقدة أوديبية (complexe oedipien)، غير مُحدّدة، بيد أنّ هناك عدداً كبيراً من العصابين، الذين يكبحون لديهم رغبة السفاح، التي يشرع منها قلق الإخصاء (angoisse de la castration)، وذلك لأنهم نادمون على رغبتهم بالتضحية بالأب لصالح تلك الأيقونة المُزيفة، الأم»(1). نحن نلاحظ، في الحقيقة، الدور الفقير تماماً للأم في أغلب حالات السفاح السادية. أمّا الحادث السفاحي الآخر لـ دي ساد، فهو متأخر وعديم الضرر نسبياً: يتعلق الأمر بخطفه لأخت زوجته “آن-بروسبير دو لوني” (Anne-prospère de Launay) الراهبة. غير أنّ هذه الشخصية المنقولة عن السفاح الأخويّ (inceste sororal) ما هي إلاّ شخصية ثانوية.
لا تتمع، دون شك، كلّ أشكال السفاح بذات الأهمية. فعلاقة الأم-الأبن مُنحطة على الإطلاق، لكن علاقة الأب-البنت مُثيرة. كما تتضمن هذه العلاقة، كشيء ملازم، على التضحية بالأم. في “يوجيني دو فرانفال” تكون تلك التضحية، في البدء، مجرد تضحية سايكولوجية: تتألّم السيدة “فرانفل”؛ لكن بعد ذلك مباشرة، لا بدّ من الوصول إلى القتل، بالسم الذي يُكلّف الأب ابنته بتحضيره. أمّا سفاح الأم-البنت في “الفلسفة في الصالون الصغير”، فهو جوهرياً محض إغتصاب، واغتيال للأم، على النقيض من الرضا والسعادة الواضحتين تماماً ما بين الأب والبنت في “يوجيني دو فرانفال” [من الواضح أنّ الخاتمة التراجيدية لهذه الرواية مُسطحة ومجرد مُحاكاة: النبرة العامة لتلك الرواية تنشدُ سعادة العشاق]. لكن في رواية “الفلسفة” يقوم الأب بنفسه بإخضاع الأم للبنت. غير أنّ أشكال السفاح الأخرى ما بين الأخوة والأخوات، فلا تتمتع بذلك البهاء المُقتصر على علاقة الأب بابنته. وما علينا سوى العودة لرواية “فلورفيل” و”كورفيل”: لن نعثر فيهما على أي مشهد يمكن مقارنته بتألق “يوجيني” في رواية “يوجيني دو فرانفال”. وما السفاح الأخوي إلاّ شكل ضعيف، مجازي (métaphorique) للسفاح الجوهري. ولهذا لا تنادي يوجيني، قبل أن تقوم بالفعل، على والدها إلاّ بعبارة «يا صديقي، يا أخي».
وهكذا يصبح الأب مالكاً مزدوجاً (doublement possesseur)، فإلى جانب حقوقه التقليدية حيال ابنته الصغرى، يُضاف حق العاشق. ليس هناك إذاً من حدود لإرادة القوة (volonté de puissance). بالإضافة لتلك القوة التي تنطوي عليها طبيعة العلاقة، يحلو لـ ساد منح أبطاله كل أشكال السلطة (formes du pouvoir). وفي مقدمتها الثراء. فسادة قصر “سيلنغ” (Silling) هم من السادة العظام؛ كما أنّ السيد “فرانفال” «يمتلك، إضافة إلى مبلغ 400000 ليرة من ريع الأرض، القوام الجميل، والسحنة الجسدية الأكثر لطفاً، والمواهب الأشد تنوعاً».
تكمن المتعة الجوهرية للأب في عثوره على صورته الشخصية المُنعكسة عبر ابنته، لكنه إنعكاس مختلف إلى حد ما، ولا يمكن التحكم فيه. حينئذ، تصبح المتعة مضاعفة، متعة السيد والعبد المختلطتين في آن معاً في غبطة واحدة. فنحن نلاحظ، عند “فرانفال”، درجة القرابة التي تجمعُ ما بين السعادة النرجسية (bonheur narcissique) والاستمناء (onanisme)، لكنه استمناء يخلو من كلّ ظل للكآبة. كذلك ندرك إلى أية درجة يمكن فيها المقاربة ما بين الموقف السفاحي وموقف السجين (situation du prisonnier)، وبشكل خاص موقف هذا السجين، أي ساد الكاتب (Sade écrivain). بالقدر الذي يكون فيه ممنوعاً من أية علاقة بالعالم الخارجي، يرفض الزوج السفاحي (couple incestueux) أيضاً نقل تلك العلاقة إلى مكان آخر، أو نحو الخارج. لكن، في الوقت الذي يكون فيه الحبس (claustration) مؤلماً، يكتفي ساد بتخيل عزلة السفاح وكأنها ذروة السعادة. فيوجيني فرحة بفكرة أنها تمكنت من إبعاد إلى الأبد أية علاقة “بغريب” (un étranger): «أنا، تابعت القول بحرارة، أنا أرتبط بأجنبي لا يتمتع مثلك بأسباب مزدوجة (doubles raisons) لعشقي، وذلك يعني إخضاع عواطفي لمعياره الخاص، لاسيما تلك العواطف المتعلقة برغباته». إنّ المضاعفة في اثنين التي توحي بها مفردة “مزدوج” تتيح، في الحقيقة، بلوغ منفذ الرغبة اللانهائية (accès à l’infini du désir) والعاطفة اللتان ستصبحان، ضمن هذه العلاقة المميزة، مُتناغمتين بصورة إعجازية (miraculeusement) واستثنائية (exceptionnellement).
كذلك يتمتع رفض يوجيني الزواج بشخص من خارج العائلة (exogamie) بخصوصيته. أنه يتموضع في صميم مصادر التحريم، وتابو السفاح، إذا ما سلمنا بما يقوله ليفي شتراوس (Lévi-Strauss) من أنّه ينبغي علينا البحث عن أصل التحريم ضمن نفس حركة التبادل العامة (mouvement général d’échange) التي يحصل منها المجتمع على حياته الخاصة: «إنّ الجماعة التي يُحرمَ في صميمها الزواح توحي فوراً بفكرة مجموعة أخرى… يكون الزواج في صميمها ممكناً، أو لا يمكن تفاديه؛ فالكبح الجنسي المُتعلق بالبنت أو الأخت يرغم على تزويج البنت أو الأخت برجل آخر، و، في ذات الوقت، يخلق حقاً على ابنة أو أخت ذلك الرجل الآخر. وهكذا تحصل كلّ الإفتراضات السلبية للتحريم على مقابلها الإيجابي»(2). لذا فإنّ رفض “يوجيني” هو بمثابة رفض للتواصل مع العالم الخارجي، الرغبة في البقاء مع قبيلتها (son clan). كما يمكن للبعض رؤية ذلك الرفض باعتباره شكلاً حاداً من المرض (paroxystique)، تطرفاً، متولداً عن عدم الرغبة في الإخفاق، وبالتالي الزواج مع أحد من أفراد طبقتها (sa classe) –تطويعه لكي يبقى عند حدود العائلة إذاً-. يكشف فنطازيا السفاح في نهاية القرن الثامن عشر إذاً، في آن معاً، عن الرغبة والخشية من الإنغلاق على الذات، أو ضمن طبقة بعينها –النبالة- التي شرعت بالوعي بأنها لم تعد الطبقة المُهيمنة.
يرى البعض الآخر في السفاح السادي شكلاً من أشكال الأُحادية (manichéisme). أمّا الشرّ، فستتم مماثلته مع الخارج. السفاح إذاً، بالتقارب، وسيلة ناجزة لتبني نقاوة مطلقة (pureté absolue). بالإرتكاز على هذا التأويل، يمكننا الإستشهاد بتقاليد هرطيقية كان ساد يعرفها جيداً، كما صنع منها ستندال (Stendhal) صدى لروايته “سنسي” (Cenci): لقد جعل “فرانسوا” (François) «تلك البنت تدرك هرطقة مُفزعة، لا أستطيع إلاّ بالكاد ذكرها، أي إذا ما عاشر أبٌ ابنته، سيكون الأطفال الذين يلدون قديسين بالضرورة، وبالتالي يكون كلّ القديسين العظام الذين تمجدهم الكنيسة قد ولدوا بهذه الطريقة». حينئذ، سنتذكر كيف أنّ “يوجيني”، في رواية “فلسفة في الصالون الصغير” نفذت حكم الأعدام بأمها، وفقاً لأوامر الأب، كذلك فإنّ “يوجيني فرانفال”، التي عرفت سعادة السفاح مع والدها، تحمل نفس الاسم، الذي يوحي بالطيبة (la bonté)، بالجمال (la beauté)، ونقاوة العنصر (pureté de la race): من المهم أنّ لا يطال الفشل تلك القيم. لقد حافظت “يوجيني فرانفال” على نقاوة الدم الذي يرمز إليه اسمها.
ولأنّ السفاح يُشترك مع صورة الحبس (claustration)، بذات القدر الذي يشترك فيه لأسباب إجتماعية، لذا سيفتح لعبة بكاملها تدور من حول السر (secret) والظهور (dévoilement). في رواية كرواية “فلورفل وكورفال”، تكون الخاصية المُغطاة للسفاح جلية: تكمن طريقة السرد إذاً في الكشف (révélation). وكذلك في رواية “دورجفل”، حيث يتحقق الظهور في النهاية، ويشكل الخاتمة ذاتها. كلّ واقعة جديدة لا يمكنها أبداً من فعل أي شيء آخر سوى الحصول على نتيجة سلبية، الانتحار (suicide) على سبيل المثال، فالخاتمة ببساطة ما هي، في نهاية المطاف، إلاّ ضوء يُلقي فجأة على ماض برمته، ويمكن لقوته تغطية سنوات عديدة، إلى جانب تعقيد متطرف من الحبكات (intrigues). غير أنّ الأمر لا ينطبق البتة على رواية “يوجيني دو فرانفال”، فهنا أيضاً له مكانة مميزة، مادام السفاح كان واضحاً من البداية، وهو مطروح باعتباره نظرية أولية (théorème initial). فالدور الذي تم توزيعه في الروايات الأخرى من أجل تكتيك كامل، يهدف إلى التغطية (à cacher)، سيتم، على العكس من ذلك، إبداله بمسار له خاصية معاكسة تماماً: تكتيك إخراج المشهد (mise en scène). كما سيُكبح التابو (tabou) بطريقة مزدوجة، ما دام أنه ليس في الظل، وموضوع بكامله تحت الأنوار، أي كمشهد مسرحي (scène d’un théâtre). فـ “فرانفال” كان قد رتبَ بدقة الحفل الذي ستمنح ابنته فيه نفسها له: سوف تجلس يوجيني على «عرش من الزهور» ومُزينة «كتلك العذارى اللواتي كان يضحى بهن في السابق في معبد فينوس (Vénus)». كذلك سوف تتنوع الديكورات: «هنا، في صالة مُزينة، تجلس يوجني فوق قاعدة تمثل فتاة وحشية مُتعبةً من الصيد وتتكئ على جذع نخلة، ترتفع أغصانها لتغطي أنواراً لا نهاية لها (infinité des lumières) موضوع بطريقة لا تُظلل فيها الإنعكاسات سوى سحر هذه البنت الجميلة، وتجعلها مُشتهاة بصورة فنية».
ففي ذلك اليوم كان على يوجيني الظهور أما صديق فرانفال، “فالمونت” (Valmont)، الذي لم يكن له أي حق آخر سوى النظر إليها، وكمكافأة له على هذا الشذوذ، ستترك له فرصة إغراء الأم. أي أنّ النظرة، وحدها، بمثابة تعويضٍ عن الأشكال المُخففة لقتل الأم، التي تنبثق عنها، في هذه الرواية، عقوبة أعدامها النهائية. حيال لذة البصاص (voyeur) التي يشعر بها “فالمونت”، تزمع يوجني ردّ عملته هذه عليه، وذلك بإستدعائه لكي تتأكد «من عينيه وحسب من سقوط أمها». في رواية “يوجني دو فرانفال”، كما في رواية “سنسي” لـ ستندال، لم يعد السفاح شيئاً مُخجلاً، وكأنه مفروض من قبل حتمية ما (fatalité)، وإنما يُفتخر به، وواعي، برفقة التلصلص (voyeurisme)، وتعثر فيه الإيروسية (érotisme) على مكانتها، بل ويطالب بإلغاء كلّ مبدأ أخلاقي إجتماعي.
ذلك لأن السفاح لدى ساد هو، في النهاية، شكل من أكثر أشكال النفي فاعلية (plus efficaces de la négation). أولاً، لأن التابو متجذر، عند هذه النقطة، حداً لم يدفع ساد على فقدان أي شيء من عنفه، قوته –وما علينا للتأكد من ذلك سوى الرجوع إلى المساجلة من حول “نفحة في القلب” (souffle au cœur). ومن ثم، لأن السفاح يَسمحُ، بحكم أصول التحريم ذاتها، بالتنكر، في آن معاً، للنظام الإجتماعي والنظام الديني. لذا كان على الإحتجاج الجوهري، الذي لا يقبل أي تنازل لـ ساد، بحكم ضرورة ما (sorte de nécessité)، الاحتفاظ بمكانة متميزة للسفاح.
كسلاح معركة، يرد هيجان السفاح إذاً على الدوافع الجذرية (pulsions fondamentales) لدى ساد؛ أنه التعبير المطلق والناجز عن عالم الحبس، على ذلك الغلق، والسجن الذي سيصبح فوراً بالنسبة لـ ساد أكثر من عقبة أمام وجوده حتى (même de son existence): الشكل الجوهري لعالمه. فإذا كان الماركيز قد تعذب من عثوره ثانية، في زنزانة “الباستيل” (Bastille) أو “فنسان” (Vincennes)، على نفس الحبس الأول والرحميّ [المُتعلق برحم الأم. م.م]، لذا فهو ينتقم من ذلك السجن المزدوج، وذلك عبر خلقه لحبس مُظفر وسعيد، سجن يوجيني ووالدها. لكن علينا تجاوز هذه الخطة، لأننا نرى بأن الأمر لا يتعلق بالإنتقام من الحياة، بفضل العمل (grâce à l’œuvre). فالسفاح لا يحتل مكانة كهذه في العالم السادي إلاّ لأنه، بالضرورة، شكل من أشكال الكتابة (figure de l’écriture)، على الأقل بالطريقة التي يمارسها ساد. ضمن هذين المسارين، نعثر على نفس نقطة الانطلاق: إن إرادة كسر التابو تلك؛ –في القول، وخاصة في الكتابة، أي عندما يطلب من المرء عدم قول ذلك، وخاصة عدم كتابته، يعني بأنّ الكاتب يواجه منعاً، وهو يعرف جيداً، كما يعرف شخوصه عبر السفاح، أنه يضع على المحك كل المنظومة الاجتماعية، ومدونة الإشارات (code des signes) برمتها. حينئذ، سيعرف الكاتب حبس الفاسق. ذلك لأن ساد قد سُجنَ، لا سيما بعد وضع الميثاق (Concordat)، بسبب كتاباته وليس على أفعاله. لكن ثمة من خطر آخر يهدده: كان بمقدور منظومة الكتابة (système de l’écriture) ذاتها أنّ تكون سجناً له، على الأقل إذا ما عجز هو عن صياغتها بصورة كاملة. بيد أنّ ساد قد نجح، مثل “فرانفال”، على تحويل السجن داخل الكلمات، وسرية العمل، إلى كشف عظيم ومُتفجر لفضيحته هذه، لذلك التمزق الجوهري، لموت الأم هذا الذي يشكل واقعة الكتابة ذاتها.

الهوامش:
1) “قريبي ساد” Sade mon prochain، منشورات Seuil، 1967، ص 177-1778.
2) “البنى البدائية للأبوة” Structures élémentaires de la parenté، منشورات P.U.F، 1949، ص 65.

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق