منى المعولى – عظماء بعظام العشق

نُحتت عظامهم بروح الحب فذابوا واستهلوا، واستلهموا، فذرفوا دموع وجدهم قصائدا وروايات خلدها التاريخ على أغلفة القدر،فالعشق هو ذلك الكائن الذي لا تخلوا الروح السوية آبدا منه،منهم من بالغ حد العتب ومنهم من تفرّد حد الجنون ومنهم من مات في رحاب العشق.

العشق.. الذي جعل فريدرش هلدرلين يقدس زونتسيه وكأنها إلهة من أساطير الإغريق ويدثرها بأعمق التعابير الصوفية ينشد لحن الوفاء لحب امرأة لم تكن يوما له حتي قضى نحب عشقه وأسلم روحه متوجعاً متألماً،صامتاً آخيرا عن مناشدة فيروزة شطوطه ومسامرة طيفها فبكت على جثته عصافير الود وضفاف النهر وأغصان الشطئان.

العشق ذاته هو الذي أتقنه العابث جا دي لافونتين كزهرة نرد يخوض احتمالاتها كلما لاح له طيف حب جديد وجسدا جديد فيغدو عند كل كرَّة عاشقا حد الثمالة محباً حد التخمة،شغوفاً حد الصدق يكرر روايات شبقه بذات الكم وذات الكيف في غير ذات الشخوص، فكل امرأةً تتسلل قلبه هي مشروع قصيدة ناجحة وكأنها الحب الأول،الحب الأوحد،الحب الذي لا حب بعده،كان يصرخ عشقاً ويصرخ شوقاً ويصرخ فجعاً عند مغادرة كل حبية له،كان يتقن تلك اللعبة فكل حب جديد يعني له ولهٌ جديد وابداعاً جديد وطاقة عظمى

العشق ذاته هو الذي جعل فولتير الثوري المتسامح عاشق الحرية يُلبي نداء إملي المعجبة التي سمعت عنه وبحثت عنه وأصرتّ على أن تلقاه وتعرض عليه حبها ليتخبأ بعد ذلك -ـ حين يتم طلب القاء القبض عليه ـ في قصرها وقلبها،فتحبه حباً نرجسياً متسلطاً،غيورورا ليعيش مستقرا في روحها،عشقته الى الحد الذي يبدوفيه أنه من الجنون تصديق أنها خذلته وصفعته بخيانةٍ حملت على إثرها من أحد الأمراء لتعود لائذة به منكسرة،معترفة بخطئها،فيصفح العاشق الإنسان فولتير ويترجم احترامه لحرية الغير ومبادئه ونضاله من أجل الإنسانية فيعتني بها حتى تلد مولودة فيهمس في أذنيّ الطفلة قائلا ” ما أجملك وأنتِ طاهرةً بلا ذنب” ماتت إملي بحمى النفاس وأوفى فولتير لعشقه وتبنى الطفلة ورباها حتى غادر الحياة،مترجماً بذلك تطبيقه لقيم التسامح وشعارات الصفح التى نادى بها.

العشق الذي غلفّ قلب المحب شاعر الرقة والاحساس “لامارتين” ذاك المحب الذي وهب رياح الفقد فرحه فولت مع غياب شمس محبوبته التي نهشها المرض وسرق روحها مخلدة، ورائها روحا شفافة وقامة أدبية تمطر في سماء الشعر حباً ووجع. فلكأنه كان يرى بضوء عينيها حتى إذا ما غابت انطمس نور البصر.

العشق هو ذاته الذي قتل “بوشكين” ليخوض مبارزةً غير متكافئة مع ضابطا محترفا دفاعاً عن حبه وعن شرفه وعن زوجته التي عشقها حد الفناء ليغادر العطاء شاباً،فمات نصير المقهورين ومحرض الثورة برصاص دانتس،فمات على ذمة عشقه.

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق