من أجل أن تكتب سطرًا شعريًا واحدًا – راينر ماريا ريلكه

من أجل أن تكتب سطرًا شعريًا واحدًا، ينبغي أن تكون شاهدت العديد من المدن، من البشر والكثير من الأشياء، ينبغي أن تتعرّف على الحيوانات، ينبغي أن تستشعر كيف تحلّق الطيور، تعرف تلك النّقلات التي تجترحها الزّهرات الصّغيرات وهنّ يتفتّحن عند الصّباح. ينبغي أن تتمكّن من التفكير مجدّدا بدروب في جهات مجهولة، بلقاءات غير متوقّعة، بمغادرات طالما رأيتها تقترب. بنهارات طفولة ما زال سرّها لم ينجل بعد، بوالدين ينبغي أن تكون نغصّت عليهما حين جلبا لك فرحة ما ولم تحسن فهمها ( حسبت الفرحة هُيّئت لشخص آخر )، بأمراض طفولة تُستهلّ، بغرابة شديدة، بكمّ من تحوّلات عميقة وجسيمة، بأيّام مضت في غرف هادئة وكتومة، بصباحات على مقربة من البحر، من البحر في ذاته، من البحار، بليال سفر اختلجت عاليًا وحلّقت مع كلّ النّجوم ــ و لا يكفي حتى أن تكون أحسنت التّفكير في كلّ هذا ــ ينبغي أن تكون احتفظت بذكريات ليال حبّ كثيرة، لا واحدة منها تشبه الأخرى، بصيحات نساء يصطرخن من الوضع، بنفساوات هشّات، شاحبات، غافيات انغلق جرحهنّ. ينبغي عليك أن تكون أيضا قد جاورت محتضرين، أن تكون ظللت جالسًا قرب موتى، في حجرة، مع نافذة مفتوحة وضوضاء تأتي متقطّعة. ولا يكفي حتى أن تكون لديك ذكريات. ينبغي أن تكون أحسنت نسيانها إذا ما كانت غزيرة. وينبغي أن يكون لك الصّبر البالغ لانتظار أن تعود من جديد،لأنّ الذكريات نفسها ليست هي هذه بعد، إنّها فقط حين تتحوّل فينا دمًا، نظرة، إيماءة، حينما لا يعود لها اسم، ولا تتميّز عنّا أبدا، عندئذ وحسب يمكن أن تأتي برهة نادرة للغاية، من قلبها، يمكن أن تنهض أوّلّ لفظة في سطر شعري.”

***

دفاتر مالطا… 1910ــ ترجمة : إسماعيل أزيات

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق