من بقايا مُفَكِّرة محترقة – الوصيف خالد

إبراهيم الحسون

مقتطف رقم (1):

كل مسطح ممدود، وليس كل ممدود مسطحًا.

***

ربما كنت أُمًّا لولدٍ في مثل عمره لو تزوجت في عمر مناسب، كما البنات. سعيدات الحظ أقصد. بعضهن وُهبن حسنًا ورثنه، وبعضهن وهبن مالًا أو نفوذًا لعائل. إرادة الله اقتضت. ليس في القرب مني ما يُطلب لذاته فلا نفع يُرجى، ومن ثم لا حب.

يحبني. الولد يحبني. يدرك حاجته إليَّ واهتمامي به. لا يعرف أن مصير الأطفال، بالاستغناء مع مضي العمر، محرّم عليه، ولن يعرف. لن يعرف هاجري أيضًا أن تتبُّع جديد مدونته الملقاة في الفراغ، مجهولة بلا زائرين ولا تفاعل، بات زاد يومي.

***

مقتطف رقم (6):

عبث؟ تحدد حياتك خريطة وراثية، وأحوال غيرك. جسدك محتوم المصير بما اكتسبه من جينات، وظروفك يصنعها المحيط. حتى أخلاقك وسمات شخصيتك يقولون بتحكم النجوم في مداراتها، فبأي حق يُحاسَب الإنسان، وهو السجين؟

***

أخي. كان عائلي فأصبحت عائلته.. توقف ذهنه عن تحمل الخطوب: زوجة خائنة وابن عليل. ألقى عقله الحمل وابتعد. ترك لي مأساته ومأساة ابنه، ومأساتي.

***

مقتطف رقم (14):

للسماء منطق واضح: آمن بالغيب وانضم للعشيرة تكن لك الجنة. أنت مُخيَّر في هذا واختيارك حر، وعِلم المطلق بنتيجته سلفًا لا يناقض حريتك ولا يُقِيم لك عليه حُجة. لا وزن لأفعالك الخَيِّرة إن لم تؤمن، ولا ضَير من جرائمك إن آمنت (ستنعم في النهاية بعد قليل عذاب). أما ما تلاقيه من عنت الدنيا ومصائب القدر فاختبارات وبلايا. تحط عنك بعض آثامك، ورفاق العشيرة عليهم لك حق العون بحكم جيرة الجنة. قد تسأل عن أهمية معيار الإيمان مقارنةً بالنفع، وستجد جوابًا لا يعجب عقلك (القاصر بالضرورة عن إدراك حكمة الخلق لا لشيء إلا العبادة). يجيبونك بصحة المنقول لإعجازه: لم يكن متاحًا محتواه للاختلاق حين قيل.

***

أحببتَه، وأحس بحبي. كان انكشاف الحجب بيننا فادحًا. النظرة أكثر من فاضحة، فانتهى بنا الحال وأحدنا يتحاشى الآخر. لم يبادلني الحب، ولم أحزن لحبٍّ من جانبٍ واحد كما حزنت بسبب حبه. يلح طيفه عليَّ هذه الأيام. أسأل نفسي: كيف كان سيتصرف لو كان مكاني؟ هل كان انفلات عقله سيُقنعه بحجج الشيطان التي احتلت مساحة عقلي؟

***

مقتطف رقم (15):

لتحقق الإعجاز شروط. تتلخص، في حالتنا، في مقارنة قطعي الدلالة غير القابل للتأويل بحقيقة علمية ثابتة، وأن تكون نتيجة المقارنة هي التطابق. الأهم ألا يكون أحدهم – من البشر غير الزاعمين بصلة مع المطلق – قد سبق إلى القول بما يُبحث إعجازه، أو قال ما يمكن، بإعمال عقل واستخدام أدوات البيئة، أن يؤدي إلى استنتاج المعجز المزعوم. يتعين استبعاد التلفيق. مثلًا: «دحا» الشيء تعني بسطه ووسّعه، ولا تعني: جعله كرويًّا مائلًا للانبعاج كالبيضة!

***

بين مفترق الطرق: بقاء الولد على قيد الحياة يعني عذابه، وعجزي عن رعاية أبيه، واستحالة إفلاتي من مصير الفاشلين، عدا التسول. وببعض أجزاء جسده ينال راحة الموت، وتُحفظ لأبيه كرامته في مرضه، وتبقى لي فرصة نجاة. لو أن الله يفعلها!

***

مقتطف رقم (16):

«لا يُبرَّر وقوع الأرض بين الشمس والقمر حين الخسوف إلا بكون حركتنا على سطح كروي»

أرسطو – قبل الميلاد بمئات الأعوام

***

طرقتُ بابه. استقبلني وزجاجة الخمر في يده. أنصت مليًّا ثم قال: «غير مؤهلٍ أنا لنصحك. خذي هذه، واحرقيها عني». ناولني حافظة أوراق. حمل زجاجته وأغلق عليه باب غرفته. أهملني حتى انصرفت.

توقف عن التدوين، ثم حُذفت مدونته. قالت لي الجارة إنها رأت الباب مفتوحًا ذات نهار. كانت المصابيح مضاءة، والصنابير تهدر المياه. وجد الأقارب كل المتعلقات في مكانها، ولم يعد صاحبها بعدها أبدًا.

***

المقتطف الأخير (متفرقات):

–        أبذل جهدًا مضنيًا في تدقيق كلمات لا يعيرها أي شخص بعضًا من انتباهه، ولا أعمل على نشرها بجدية. كرامتي تمنعني من دعوة من لا أعرف عبر الأثير إلى قراءة ما أنجزت، والادعاء بأنه مهم.

–        لا أعبر عن يأسي خارج تلك المفكرة الخاصة. أنشر في العادة تحليلًا متفائلًا ينطلق من إمكانية التغيير، وأضع نفسي مكان الآخر وأدعي الموضوعية، بينما أنا مغرض ومنحاز. الحق أنني أخدع القارئ. لا حاجة لتأنيب الضمير على أي حال، فلا قارئ هناك.

–        التحليل الطبقي صحيح لكنه ثقيل الظل وسخيف ومثير لسخرية مستحقة. التصوف في المقابل قريب من القلب رغم كونه كومة خرافة. أنا أيضًا أحب التصوف أكثر من الجدل المادي!

–        لا أطيق باسكال ولا رهانه. فليكن ذلك الآن. سألحق بمدونتي، ولتلحق بي تلك الصفحات.

***

لحظات هي ما تبقى. أتمنى أن يكون من وشى هانئ البال الآن. أراح مغتصب طفلته ضميره وأبلغ عني، ربما طمعًا في ثوابٍ ما! أفسد كل شيء. سأُشنق، وتنتظر شوارع المهانة حطام أخي، وتحللت بقايا ابن أخي دون نفع. لن أنتظر، ولن يبقى من ورائي ما يخبر قصتي. أملك هذا على الأقل.

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق