نص من رواية منتجع الساحرات – أمير تاج السر

Three Female Figures
Aleksandra Ekster

نص من رواية منتجع الساحرات الصادرة عن دار الساقي ٢٠١٦، والتي كانت في القائمة الطويلة للبوكر العربية 2017.

عبد القيوم دليل جمعة…
في عهد الشقاوة الأولى، وقبل أن يصل العشرين، كان لقبه عبد القيوم النحيل، ولم يكن نحيلاً قطّ في يومٍ ما، لكنه لم يكن بديناً كذلك، كان لقبه أيضاً هايلا الإمبراطور، ولم يكن يعرف من هو هايلا، ولا أين كانت تقع إمبراطوريته، ولا ما هو وجه الشبه بين متشرد وإمبراطور. ولقبته واحدةٌ من صديقاته المستهلكات، في حيّ الصهاريج البعيد، بحلّة الطبخ، وكان لقباً ظالماً، وتعسفياً، لأنه لم يكن يشبه حلل الطبخ في أيّ شيء، حتى في الغليان. وأدت تلك الألقاب المتعددة غير المتجانسة، إلى ارتباكه وتردّده في الإجابة، إن صادف وناداه أحدٌ باسمه عارياً بلا لقب.
كان عبد القيوم أحد مجرمي سن المراهقة، أحد الذين خاضوها بعنف فنانٍ مميز، وخرجوا إلى الصبا إما مطرودين أو مساجين، وبالطبع، ضائعين، وعاطلين عن العمل بجدارة.
كان يعرف أن اللاجئة “أببا” تحب سمك “السيجان” الرخو، وحلوى “الحلقوم” ذات السمعة الطيبة لدى الأطفال، والجبن الدنماركي الذي يجلبه بحّارة السفن، مغلفاً بقصديرٍ أحمر جذاب، فكان يزودها بالسمك والحلوى، وجبن البحارة. تحب الغزل المخمور، المعتٌق، المستقى من قاع حانات الشعور، فكان يدلقه على أذنيها بتأنٍّ، في أيّ وقتٍ، وهو منشرح. سماها النجمة كثيراً، وسماها الشمس ذات يومٍ مشمس، والبدر الذي يُفتقد في الظلام، لكن مناداته لها بالزهرة البيضاء، كانت هي اللقب الذي اعتمده للسانه وحده، وحرم على ألسنة الآخرين استخدامه.
– كم عاشقاً لأببا تسفاي، هنا أو هناك أو في أيّ مكانٍ حلّت به تلك الزهرة ذات يوم؟
سأل أفكاره التي تتقاتل في الرأس المخمور السؤال نفسه الذي سأله للأفكار نفسها في مناسباتٍ أخرى عديدةٍ من قبل، وسأله العشرات من المتوافرين والعابرين بالمكان لأفكارهم الشخصية.
كم عاشقاً للزهرة البيضاء؟
كانت الإجابة شركاً حقيقياً، فمنذ أن بذرت بائعة الشاي الصبية، الهاربة من نار الحرب في إريتريا، رونقها في موقف باصات السفر، اختلّ توازن الأشياء بشكل مخيف. كبر الصبيان فجأة في أفكارهم ونبضات قلوبهم ليعشقوا، وصغر المسنون المتوافرون أو العابرون في أفكارهم ووجوههم ونبضات قلوبهم فجأةً أيضاً ليعشقوا، كشرت الرواكيب الخشبية الضيقة التي تمنح النكهة والاسترخاء، عن وجوهها، وزحف إلى صدور البائعات العتيقات: حواء وسعيدة وسيدة الجيل، غلٌّ متطرفٌ سلّحهن بالعداء الظاهر، ووظفهن عسكراً شرِهاً في حرب الرزق التي اشتعلت بينهن وبين اللاجئة الجميلة، لدرجة أنهن فكّرن في قتلها، واستحين بعد ذلك من تلك الفكرة…
كانت أببا في الحقيقة نموذجاً آخر من النساء ومن بائعات الشاي خاصةً. امرأة بنكهة أخرى، وشاي آخر لم يعرف العابرون مثل مذاقه من قبل، بالرغم من أنه شاي الليبتون الأصفر نفسه، أو شاي سيلان الأحمر، المتوافر في البلاد بكثرة، وربما يكون حتى شاي الوردتين المدرّ للقيء عادة، أو الشاي الذي بلا اسمٍ تجاريّ معروف، ويسبب خفقان القلب، وتَعطل الدورة الدموية، والذي يسميه الناس شاي الحشرات، ويباع بالكيلو والرطل، في الأماكن الشعبية.
كانت أببا شهيةً جداً بحسب انطباع عبد القيوم، وانطباع قنديل، شاعر الأغنيات المرهف المخضرم، الذي نجح في كتابتها قصائد عدة، كان يخبئها عن الآخرين، ويدلقها على سمعها فقط، وربما كثيرون غيرهما، لم يعرف أحدٌ انطباعهم بالتحديد.
كان أشهى ما فيها وجهها الناعم الخالي من نمش العمر، وآثار حب الشباب عدو الوجوه النضرة السخيف، وأشهى ما في وجهها عيناها المشعتان بنور الأمل برغم تشردها ولجوئها إلى وطنٍ بديل، واحتمال أن تصبح ضحيةً في أيّ وقت.

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق