حميد عقبي – ثلاث حالات

Luigi Guardigli

كانت الشمس تعزف مزاميرها في الصباح الباكر، توقظني قاطعة المشهد الأخير من الحلم، لحظة الذروة.. كنت على وشك فعل شيء ما.. ها هي الشمس تمشط شعرها بغرور متباهية بأنها ترى الحقول والأزقة وأصابع الموج، وأنا في صف الطابور المدرسي، كنت أتظلل بغيمة تحب الرقص، نهرني أستاذ التربية الدينية وعاقبني بالطواف سبعة أشواط حول غيمة سمينة وكسولة تركها قطار الريح لخوفه من شبقها بعد أن أكلت تَّرَائِب تسع غيمات، كنت أركض وأصرخ محذراً صديقتي الراقصة.
أتخيل أن شاربي قد نبت في حصة النشيد الوطني، أتحسسّ طعنة الرماح وصراخ خالد بن الوليد يصعد جبل أحد..غضب المعلم مرة أخرى لأني قرأت الدرس الملغي من المنهج، زمجر.. عربد ثم طردني من الفصل.
لأني لا أجيد السباحة في بركة الوضوء، كنت أركض إلى تبة التراب، أتسلقها، أظنني بلغت السماء الأولى، وقت الظهيرة الحار، يبني السراب جدرانه من ماءٍ باردٍ وشرابٍ، تسخر منه الفراشات العائدة من الحقل، صوت رصاص.. الآن طائرات الأباتشي تقصف التل والربوة والفراشات، تقصف الطفل والمدرسة.

2
السماء، هذه البالونات الهوائية الزرقاء، بمقدرتي مصافحة الله لو صعدت سطح أعلى غرفة في بيتنا، استعرت معراج المسجد المجاور، أشعر بالأرض تميد لكنها بعيدة الآن، خمسة أمتار لا بل سبعة وربما عشرة، أرى الرفاق يلعبون الكرة بالساحة قُرب المقبرة، رفيقي يضيع هدفاً سهلاً لو كنت في مكانه سأركلها بذكاء فبعض الأهداف تحتاج منك الهدوء وأخذ أنفاس هادئة، في الجهة الأخرى، يا الله.. إنها بنت الجيران تغتسل عارية، تفرك قناع الصابون على وجهها.. لأول مرة أرى جسداً أنثوياَ عارياً، يتحتم الموقف أن أنزل ثلاثة أمتار، هبوط، لحسن الحظ أغصان شجرة الليمون تمد أياديها، تحتضنني لفرجة ساحرة.

3
هذه العشر خطوات كانت أصعب لحظات في حياتي، فقط أعبر الزقاق وأصل إلى عتبة بيتنا عند عودتي من المذاكرة مع رفاقي في التاسعة مساءً، كان ذلك الشيء ينتظرني، أسمعه يلْهَث، في دُبرة ملعقة كبيرة ويغطي وجهه بعجينة خبز طرية، نعم هو، أظافره الطويلة القذرة لها روائح كريهة، ربما بقايا لحم أدمي، نعم لا يمكن لأحد أن يزعم رؤية وجهه كاملاً لأنه لا تفاصيل له نستطيع نحن البشر فهمها، ذلك الوجه ببساطة لوحة سيريالية مرعبة، يقال إن له ثلاث أياد، واحدة قصيرة وملتوية تشبه مقبض الباب، والثانية عادية، أما الثالثة فهي طويلة ويستطيع مطها، استرقت النظر ذات مرة لقدميه التي تشبه خف الجمل. نصف دقيقة كي أصل، أستحضر آية الكرسي وأهمس لسيدي ومولاي عبدالقادر الجيلاني «نعم أحتاج مساعدتك.. الآن».
يا ربي أنت موجود وقوي وبمقدرتك أن تحرق الشياطين والعفاريت فلماذا لم تفعلها؟
سمعت أنهم فروا من سجون الملك النبي سليمان بن داود، لكن ما الذي يفعلونه هنا؟ لماذا يختبئ هذا الوحش المفزع في تلك الزاوية بالزنقة المؤدية إلى بيتنا؟
تكثر الأسئلة في رأسي الصغير، حفظت أدعية كثيرة فقط لمواجهة هذا الموقف، سأحرقة الليلة لو وجدته، إنها لحظة المواجهة، كأن الزمن يتوقف، لا أسمع شيئاً، فقط أنفاسه، الدم والصديد يقطر من مؤخرته، أخطو الثلاث الخطوات الأولى، فجأة، ضجيج، ثم أكتشف القط الرمادي والقطة البيضاء ذات البقع الزرقاء ـ يتزوجان ـ ، يحتلان تلك الزاوية المظلمة، تقترب يدي لتمسك مقبض الباب، بقيت الخطوة الأخيرة، يا الله .. جسدي يقشعر..لم يكن مقبض بابنا! كانت.

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق