رافائيل ألبرتي – أنت صنعت تلك اللوحة

أنت صنعت تلك اللوحة ووضعت لها عنواناً.

وضعت هذا العنوان وليس شيئاً آخر .

فدائماً ومنذ البكاء الأول في الدنيا،

كانت الحروب معروفة،

وكل معركة كان لها اسم.

أنت عشت واحدة منها:

الأولى والأفظع بين الحروب كلها.

ومع ذلك،

بينما كانت طلقة بندقية

تلامس صدغ صديقك الحميم ن أبولينير (1) ،

كانت يدك المسهدة،

ـ ليس على بعد كيلومترات كثيرة ـ

تتابع إبداع الواقع الجديد الرائع

المفعم بالمستقبل.

.

ولكن فيما بعد،

بعد حوالي عشرين سنة،

عندما مُسّ ذلك الثور

الذي يجيش في عروقك،

نزلت دون أوامر من أحد

إلى وسط الصراع،

إلى مركز حلبة أسبانيا الدامية.

وأَدنت بغضب،

ورفعت حتى السماء أحزانك،

في صرخات الجواد.

وأظهرت أسنان الأمهات الغاضبات

مع أطفالهن المبتورين،

وعلى الأرض أظهرت السيف المكسور بيد المدافع الشهيد،

والنخاع المقطع، والأعصاب المشدودة خارج الجلد،

مثلت الألم، والاحتضار، والغضب ودهشتك أنت بالذات.

.

مثلت وطنك،

الذي خرجت منه يوماً.

ولم تسمِّ هذه اللوحة “مارن ” ولا “فيردان ” (2) ،

ولا أي اسم آخر يستحق الخلود العميق،

بل أسميتها “غيرنيكا “.

إنه الشعب الأسباني،

ـ مع أن كثيرين لا يريدون ـ

هو الذي كان هناك دائماً،

هو الذي كانت لديه الجسارة ليضع بين يديك

هذا النور الأبيض والرمادي (3) ، الخارج من دمه

لتضئ له ذاكرته.

*

ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق