من أنا؟ – فرناندو بيسوا

ترجمة: المهدي أخريف

 

 

كُلُّ شيءٍ يفلتُ منّي. حياتي كُلها، ذكرياتي، مُخيّلتي بما تحتويه، شخصيّتي، الكُل يتبخّر، أحسّ باستمرار أنني كنتُ شخصًا آخر، وأنني أحسستُ وفكرت بأنّني آخر. وذلك الذي أعانيه هو مشهدٌ من سيناريو آخر. ذلك الذي أعاينهُ هو أنا بالذّات.

أحيانًا أعثر في الفوضى الخاوية لأدراجي الأدبيّة، على أوراق كتبتها منذ عشر سنوات، منذ خمس عشرة سنة، وربما أكثر. والكثير من هذه الأوراق يبدو لي مُنتميًا إلى رجل غريب. إذ لا أتعرّف على نفسي فيها. لا بد أنّ أحدًا قد كتب هذه الأوراق. وهذا الكاتب هو أنا. أنا الذي عايشها بإحساسه، لكن ذلك حدث في حياة أخرى سبق أن استيقظتُ منها كما لو من حلم ينتمي إلى الغير.

يحدث مراراً أن أعثر على أشياء كتبتها وأنا شابّ صغير، مقاطع تعود إلى سنّ الثامنة عشرة، مقاطع تعود إلى العشرين. وبعضها يمتلك قوّة تعبير لا أتذكر كيف كنت قادرًا على امتلاكها في تلك المرحلة من عمري. ثمّة مقاطع تخصّ أمورًا مكتوبة بُعيدَ مراهقتي، تبدو لي من ثمار شخصي الرّاهن الذي حَنَّكتهُ سنوات وتجارب وأحداث. أعرفُ أنني لستُ ذلك الذي كان. ومع إحساسي بأنني أعرف تطوّرًا كبيرًا بالمُقارنة مع كنته. أسأل أين يوجد هذا التّطور إن كنت حينئذٍ الشخص نفسه الذي أنا اليوم.

ثمّة في هذا كلّه لغز محيّر يحبطني ويغمّني. منذ أيّام عانيتُ من إحساسٍ مرعب، بسبب نصّ مكتوب قصير لي يعود إلى الماضي. أتذكّر تمامًا وسواسي البارز فيه تجاه اللغة التي تعود إلى سنوات قليلة خَلَتْ. ثم في أحد الأدراج عثرتُ على نصٍّ مكتوب لي، يعود إلى تاريخ أقدم، يبدو فيه وسواسي ذلك مُبرزًا بقوة. لم أدرك في الماضي إدراكًا إيجابيًا، كيف أمكنني أن أتطوّر لأصبح ما كنت بالفعل حينئذٍ؟ كيف عرفت ما كنت أجهله بالأمس؟ والكلّ متداخل عندي داخل متاهة أنا التائه في ذاتي فيها.

مفكّرًا أغرق في الهذيان، موقنًا بأنَّ ما أكتبه الآن قد كتبته بالفعل من قبل. أتذكر ذلك. وأسأل هذا الموجود المزهوّ فيّ أين يوجد إنْ لم يكن في أفلاطونيّة الأحاسيس ذاكرة أخرى، ذاكرة أخرى من حياةٍ سابقة تنتمي بالكاد إلى هذه الحياة…

يا إلهي.. يا إلهي. مَن أكون؟ كم من ذواتٍ أنا؟ ما هو هذا الفاصل الموجود بيني وبيني؟

 

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق