إرنست همنغواي

إرنست همنغواي – قصة قصيرة جداً

قصة قصيرة جدا 1925

ترجمة: موسى الحالول

حملوه ذات مساء حار في پادوا (1) إلى الأسطح، فصار بإمكانه أن يشرف على قمة البلدة. كانت سمامات المداخن تحلق في السماء. بعد فترة بدأ الظلام يخيم، فراحت الأنوار الكاشفة تسطع. نزل الآخرون وأخذوا الزجاجات معهم. كان بإمكانه هو ولُوز أن يسمعا أصواتهم على الشرفة تحتهما. جلست لوز على السرير. كانت لوز تشعر بالبرودة والانتعاش في هذه الليلة الساخنة. بقيت لوز تناوب ليلا لثلاثة أشهر. وكانوا سعداء بذلك. كانت هي التي أعدته لطاولة العمليات عندما أجروا له العملية، وتمازحوا حول الفرق بين الصديق والحقنة الشرجية. تماسك قبل أن ينام بتأثير المخدر خشية أن يفشي أسرارا عندما ينفلت عقال العقل واللسان. وبعد أن صار يمشي على عكازين، راح يقيس حرارته بنفسه لكيلا تنهض لوز من سريرها. كان عدد المرضى قليلا، وكان الجميع يعرف. كانوا جميعا يحبون لوز.
عندما يعود سائرا بين الصالات كان يتخيل لوز في سريره. قبل أن يعود إلى الجبهة، دخلا الدومو وصليا. كان الدومو مظلما وهادئا، وكان هناك مصلون آخرون. كانا يريدان أن يتزوجا، لكن لم يكن لديهما الوقت الكافي لإعلان الزواج، 
ولم تكن عند أي منهما شهادة ميلاد. كانا يشعران كأنهما متزوجان، لكنهما كانا يريدان أن يعرف الجميع ذلك، كما كانا يريدان أن يقوما بذلك لكي لا يضيع الذي بينهما.
كتبت له لوز عدة رسائل لم يتسلمها إلا بعد الهدنة. وصلته خمس عشرة رسالة دفعة واحدة إلى الجبهة، ففرزها وفق تواريخها ثم قرأها جميعا. كانت كلها تحكي عن المستشفى، وعن مدى حبها له، وعن استحالة العيش من دونه، وعن لوعة الاشتياق إليه ليلا.
بعد الهدنة اتفقا على أن يعود إلى وطنه ليحصل على عمل ثم يتزوجان. أما لوز فلن تعود إلا بعد حصوله على عمل جيد فيأتي إلى نيويورك ليستقبلها. تفاهما على ألا يشرب، ولم يكن يرغب في رؤية أصدقائه أو سواهم في الولايات المتحدة. فقط يحصل على عمل ويتزوج.
تشاجرا في القطار من پادوا إلى ميلانو حول عدم استعدادها للعودة إلى وطنها فورا. ولم ينته الخصام بينهما حتى عندما تبادلا قبلات الوداع في محطة ميلانو، فشعر بالغثيان لأنهما توادعا بتلك الطريقة.
ذهب إلى أمريكا بالباخرة من جنوا، وعادت لوز إلى پوردنوني (2) 
لتفتتح مستشفى. كان الجو موحشا وماطرا. وكانت هناك كتيبة «آرديتي» (3) متمركزة في البلدة.

كانت البلدة موحلة وماطرة في الشتاء وكان قائد الكتيبة يمارس معها الحب، ولم تكن تعرف الإيطاليين من قبل. وأخيرا بعثت برسالة إلى أمريكا تقول إن علاقتهما كانت علاقة مراهقين. اعتذرت وكانت تعلم أنه لن يتفهم ما جرى، لكنه قد يغفر لها ذات يوم، ويكون ممتنا لها، ثم توقعت بلا مبرر أنها ستتزوج في الربيع.

لا تزال تحبه كما أحبته من قبل، لكنها تدرك الآن أنه حب مراهقين. تمنت له التوفيق في عمله وأعربت عن ثقتها به. كانت تعلم أن ذلك في صالح الاثنين معا.
لم يتزوجها قائد الكتيبة في الربيع ولا في أي وقت آخر. ولم تتلق لوز جوابا على الرسالة التي أرسلتها إلى شيكاغو. وبعد ذلك أعدتْه موظفة مبيعات تعمل في متجر بمرض السيلان 
بينما كانا يستقلان سيارة أجرة في شارع لنكن پارك.

 

(1) تقع مدينة پادوا (أو پادوڤا بالإيطالية) غرب مدينة البندقية في الشمال الشرقي من
إيطاليا (المترجم)
.

(2) تقع مدينة پوردنوني شمال مدينة البندقية (المترجم).
(3) آرديتي» هو الاسم الذي كان يُطلق على قوات الاقتحام (المغاوير) في الجيش الإيطالي (المترجم).

 

الوسوم

أعطني رأيك

إغلاق