فروغ فرخزاد – غروب أبدي

Flower of the swamp, a head human and sad
Odilon Redon

ـ نهار أم ليل؟‏

ـ لا يا صديقي، أنه الغروب الأبدي.‏

مع عبور طائرين كتابوتين أبيضين‏

أصوات بعيدة من هذا السهل الغريب‏

قلقة‏

وتائهة مثل دوران الريح.‏

يجب أن نقول شيئاً‏

يجب أن نقول شيئاً‏

قلبي يريد أن يقترن بالظلام‏

يجب أن نتكلم.‏

كم هو ثقيل هذا النسيان.‏

تفاحة تسقط من الغصن،‏

بذور الكتان الصفراء تتكسر‏

تحت مناقير الكناري التي‏

تحبني.‏

زهرة الباقلاء‏

أعصابها اللازوردية في سكر النسيم‏

دعها تتحرر من القلق الأخرس المتغير.‏

وهنا‏

في،‏

في رأسي…‏

آه،‏

لا شيء في رأسي سوى دورة الكريات الحمر‏

الغليظة،‏

ونظرتي، مثل حرف كاذب،‏

تنحني خجلاً.‏

ـ أنا أفكر بقمر.‏

ـ وأنا بحرف في قصيدة.‏

ـ أنا أفكر بينبوع‏

ـ وأنا بوهم في الأرض‏

ـ أنا أفكر برائحة الحنطة الوفيرة‏

ـ وأنا بأسطورة الخبز.‏

ـ أنا أفكر ببراءة اللعب،‏

وبذلك الزقاق الطويل‏

المليء بأشجار الأكاسيا.‏

ـ وأنا بمرارة الاستيقاظ من اللعب‏

وبالفجاءة في نهاية الزقاق‏

وبالفراغ الطويل بعد انقضاء عطر الأكاسيا‏

ـ بطولات؟؟‏

ـ آه.. لقد هرمت الخيول.‏

ـ حب؟؟‏

ـ وحيداً، من خلال نافذة صغير‏

يرنو إلى صحارى بلا مجنون)(*)‏

وإلى ممرّ‏

مع ذكرى مضببة‏

من تبختر الساق النحيلة بالخلخال.‏

ـ أمنيات؟؟‏

ـ خسرت نفسها في مؤامرة آلاف‏

الأبواب الظالمة.‏

ـ موصدة؟؟‏

ـ نعم…، بامتداد، مغلقة… مغلقة.‏

سوف تتعب .‏

أنا أفكر ببيت‏

فيه أنفاس لبلاب مرتخية،‏

مصابيحه مضاءة أبداً مثل ناي العين‏

مع راعيها،‏

وبمفكر كسول، بدون ضوضاء‏

وبطفل مع ابتسامته اللانهائية‏

مثل دائرة تتسع على الماء،‏

وبجسد مترع بالدم كعنقود عنب.‏

أنا أفكر بالهجرة.‏

وبهجمة الريح السوداء‏

وبالضياء المشكوك به الذي‏

يتجسس في الليالي من النافذة،‏

وبقبر صغير‏

صغير مثل جسد الوليد.‏

ـ العمل.. العمل؟؟‏

ـ نعم،‏

لكن على تلك الطاولة الكبيرة‏

تسكن البغضاء الخفية التي‏

تمضغك بهدوء.. بهدوء‏

مثلك مثل الخشب والدفتر‏

وآلاف الأشياء التافهة الأخرى،‏

ثم أخيراً ستغرق في فنجان شاي‏

كزورق في سورة الماء،‏

وفي أعماق الأفق لن ترى شيئاً‏

سوى دخان السيجارة الغليظ‏

وخطوط مبهمة.‏

ـ نجمة واحدة؟؟‏

ـ بل المئات.. المئات، ولكن،‏

كلهن مركونات في تلك الزاوية‏

من الليل.‏

ـ طائر واحد؟؟‏

ـ بل المئات.. المئات، ولكن‏

كلهن مع الغرور العابث.‏

يخبطن بأجنحتهن.‏

في الذكريات البعيدة‏

ـ أنا أفكر بصراخ في زقاق‏

ـ وأنا بفأر لا يؤذي‏

يعبر من الحائط، أحياناً.‏

يجب أن نقول شيئاً‏

يجب أن نتكلم‏

في ساعة السحر‏

في لحظة ترتجف‏

فضاؤها ـ مثل الإحساس بالبلوغ ـ‏

يختلط، فجأة، مع شيء غامض.‏

ـ أنا قلبي يريد أن أستسلم للطغيان.‏

ـ أنا قلبي يريد أن أمطر من هذه الغيمة.‏

ـ أنا قلبي يريدني أن أقول،‏

لا،لا،لا،لا،‏

ـ فلنذهب‏

يجب أن نقول شيئاً‏

ـ كأس، أم فراش، أم عزلة.‏

أم حلم.‏

ـ فلنذهب‏

__________

(*) مجنون : كذا وردت في النص، والمقصود هنا قيس، مجنون ليلى.

*

ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق