فروغ فرخزاد – ولادة أخرى

وجودي كلّه آية مظلمة‏

تكررك دائماً في نفسها‏

ستأخذك إلى سَحَر الدهشة‏

والعود الأبدي‏

أنا تأوهتك في هذه الآية: آه…‏

أنا، بهذه الأية، ربطتك بالشجر‏

والماء‏

والنار.‏

لعلّ الحياة شارع طويل تجتازه امرأة كل يوم بزنبيل‏

لعلّ الحياة حبل يعلّق به رجل نفسه من غصن.‏

لعلّ الحياة طفل يعود من المدرسة.‏

لعلّ الحياة‏

إشعال سيجارة في برهة ارتخاء متعانقين‏

أو مرور عابر سبيل دائخ‏

يرفع قبعة عن رأسه‏

قائلاً لعابر آخر بابتسامة فارغة:‏

صباح الخير.‏

لعلّ الحياة‏

تلك اللحظة المغلقة‏

التي تحطم نظرتي نفسها‏

في امتناع عينيك‏

وفي هذا الشعور الذي سأمزجه‏

بفهم القمر‏

وإدراك الظلام.‏

في غرفة بحجم عزلة‏

قلبي‏

الذي بحجم الحب‏

ينظر لأعذار السعادة البسيطة‏

لزوال جمال الزهور في المزهرية‏

للشتلة التي غرستها أنت في حديقة بيتنا‏

ولغناء الكناري‏

المغرد بحجم نافذة.‏

آه…‏

هذا نصيبي‏

هذا نصيبي‏

نصيبي سماء أخذت مني إسدال ستارتها‏

نصيبي نزول من سلّم مهجور‏

والوصول إلى شيء في التفسخ والغربة.‏

نصيبي نزهة ملوثة حزناً‏

في حديقة الذكريات‏

وفي حزن صوت محتضر‏

يقول لي: “أحب يديك”.‏

أغرس يدي في الحديقة‏

أخضر، أعرف،أعرف،أعرف،‏

بأن السنونوات ستضع بيضها‏

وفي خُفَر أناملي المصبوغة بالحبر‏

أعلّق على أذنيّ قرطين‏

من كرزتين حمراوين توأمين،‏

وألصق على أظافري‏

أوراق زهرة داليا.‏

ثمة زقاق‏

صبيانه هناك كانوا مغرمين بي‏

ما زالوا بالشعر المشعث ذاته والأعناق النحيفة‏

والأرجل العجفاء يفكرون بابتسامات الفتاة البريئة‏

التي، في ليلة ما، أخذتها الريح معها.‏

ثمة زقاق سرقه قلبي‏

من حارات طفولتي‏

سفرُ حجم من خط الزمان‏

وبالحجم الذي لّقح خطَّ الزمان الجاف‏

حجم من صورة عارفة‏

ترجع من ضيافة المرآة.‏

وعلى هذا النحو‏

أحدٌ ما يموت‏

أحدٌ ما يبقى‏

ليس هنالك صياد يصطاد اللؤلؤ‏

من جدول صغير‏

يصب في حفرة‏

أنا أعرف ملاكاً صغيراً حزيناً‏

مسكنه المحيط‏

وقلبه يعزف بهدوء… بهدوء‏

وفي ناي صغير.‏

ملاك صغير حزين.‏

يموت بسبب قبلة في الليل.‏

ويولد، بقبلة، وقت السحر.‏

*

ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق