ألتشين سيفغي صوتشين – كلّما تكاثر البياض في شَعْرِكَ أيها الطفل

قصائد مختارة

mother-holding-her-child-in-a-doorway
Adriaen van Ostade

املأ أيها الساقي
إلى الخيام

الخواء الذي بُلِغَ بعد كل هذه الأحلام
يحوّل البحر إلى جحيم
ويتدفق نحو جوهري.

ما أسميه جوهري هو الطين
الذي يعجنه المعلّم
بالدمع والفرح منذ آدم.

بداية يغدو اسم التراب إنساناً
ثم يتحوّل في صدره
إلى حسك مغبرّ بارز بإقدام.

من يوم سقوطك يا آدم
من الجنة إلى الأرض
بنيت من الآهات أدراجاً تصل إلى الجنة

ومنذ ذلك اليوم وأنت تراوح في المكان
انزل واصعد، انزل واصعد، انزل واصعد

لم تكن التفاحةُ سبب عظمة الذنب
الواضح أنها خيانة ولي النعمة

إذا كنا نحن في حلمك
داخل هذا التعقيد
أسفاه على ما عشناه من هموم لا جدوى منها

املأ الأقداح بالخمر أيها الساقي
وقدّمه من يدك الجميلة
ولتبثّ الحياة مرّة أخيرة
بهذا الطين المسمّى خيّاماً.

أزهارٌ عيونها زرقاء
إلى ناظم حكمت

منذ موتك ودفنك
لعل آلاف ملايين حالات العشق
هدمت جدران الأسر
وعبرت
كخيل ترمح نحو الشمس

منذ موتك ودفنك
لم تتغيّر أشياء كثيرة
أطفال قرى أناضولي
السمر المتقرّنة أيديهم
أنفار جدد/ قدامى لرحلة الشمس
أكثرهم راحة
ما زال ينام في بيوت طينية السقف
على بساط مهترئ الأطراف

منذ موتك ودفنك
بيوت دعارة اسطنبول فقط
ترقّت من مواخير إلى عمارات
مثل تغيّر
نساء عشن أشكالاً وألواناً

يلبسن من ماركات شهيرة مثلاً
مثل ذلك الشيطان – لا أذكر اسمه – في فيلم
بقي يتسكّع في “التقسيم”
حتى الثالثة صباحاً
وألقى بنفسه على شاطئ البوسفور
وبكى فجأة دون سبب
مثل طفل خائف

منذ متُّ ودفنت
لم يزدد
وزن عمال بلدي كثيراً
ما زال عدد أضلاعهم
يُرى من أول الزقاق
خبزُ صمونٍ
وحساء طحين
رغيفٌ واحدٌ كل مساء
وأيام الأحد فقط رغيفان

منذ متَّ ودفنتُ
الحدائق في أنقرة
وتحت الجسور في اسطنبول
والإفطار في صحن فخّاري
وكعك بائت إذا كان الجوّ غائماً
وإذا كان صحواً
حساء شمس مجاناً
إلى جانب كعك بائت.

منذ مت ودفنت
وصفرة الفسائل الذهبية
تفتّح أزهاراً زرقاء العيون
في جبال الأناضول الكلسية
وأيدي الأطفال المتقرّنة
تشرب الشمس
من عينيك الزرقاوين
وتزرع أزهاراً زرقاء العيون
على مدى جبال بلدي
مثل عيون روحي تماما

كان على تلك المرأة أن تحبّك
إلى شارل بودلير

كان على تلك المرأة أن تحبّك يا بودلير
على تلك المرأة أن تحبّ
مثلما ترتدي النساء كلهن الأنوثة.

كان عليها أن تقبّل عينيك الرطب تحتهما طويلاً
وأن تقبل يديك بقوة وصدق
كأن الحب كله مقطّر منك.

عليها أن تلفّك بجناحيها إلى ما لا نهاية
أن تلفّك أجنحة الحب القوية الواسعة
كأن أجنحة القطرس كلها قد اجتمعت فيها.

كان على تلك المرأة أن تحبّك يا بودلير
على تلك المرأة أن تحب
مثلما ترتدي النساء كلهن الأنوثة.

عليها أن تسحب ذلك الحزن الفاحم من عينيك
أن تسحب أفراحك قبل أن تسوّد
كأنها تسحب أحزان الأطفال كلهم.

عليها أن تضمّد روحك اللؤلؤية بحبّها
عليها أن تضمّد جانبك الطفولي المؤلم
كأنها تضمّد آلام العالم كلها.

كان على تلك المرأة أن تحبّك يا بودلير
على تلك المرأة أن تحب
مثلما ترتدي النساء كلهنّ الأنوثة.

لعلّ أزهار الألم
تتساقط حينئذ من شفتيك
وتتفتح مكانها أزهار العشق الكريستالية.

وكأن الخروف كان يضحك
إلى وليم بليك

كلما تكاثر البياض في شعرك أيها الطفل
يشبه الخروفَ أكثر
ويكبر قلبك متفتحاً تويجة تويجة كالوردة
وتدوّن أشواكُها بحذر على الماء أحلاماً

الأحلام الخصبة الناعمة كالغيوم
تختبئ بين وبرك الأجعد
وكأن الخروف يضحك على طفل من غيمة

يتخضّب شعرك ببياض إضافي يا طفل
وتقصّر المسافة بين الفكرة والغيمة
وتسقط أوّل قطرة شوقٍ حارقٍ على أرض تتنفّس

كلما تكاثر البياض في شَعْرِكَ أيها الطفل
يشبه الخروفَ أكثر
تغدو الابتسامة جديةً أكثر، والخطوات أثقل
ويعيد سيوفه إلى غُمدها حتى لو كانت خشبية.

أنت أيها الولد المعلق جزء منك بإيفل
إلى أدونيس

أكثر خضرة وبللاً من رحم امرأة
كثديٍ نضج باكراً بانحناءاته الحيوية
لعله يولد نفسه من فمه ملايين المرّات
شاقّاً الأرض التي تولّد الآلهة

في روائح مطر الياسمين الأنثوية
يغتسل بدن شعرك بتعلّقه بالشمس
في أجسادهن سرّ كليوباترا الممتدّ لألف عام
يُلقَح، ويلقِح مقدساً العشق بأن يعيشه

وأنت أيها الولد المعلّق جزء منه بإيفل
تنامُ على ركبة السين باحثاً عن سلوان
والنيل الذي يدمي الشوق شفتيه – ينتظر عودتك
“حالماً ومطيعاً آية الشمس”

 

**ترجمة : عبد القادر عبد اللي

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق