السعيد عبدالغني – خمسون شذرة عن الانتحار


.1
الانتحار ليس عقابا للوجود على قتامته وسوداويته بل هو حرية ، حرية الهاوية الداخلية التى لا ترغب فى أن ترغب ولا تريد أن تريد ، نكر الإرادة لكى تنكر الرغبات ولكى تنكر الإرادة نفسها فهى لا تستطيع أن تنكر الإرادة بأي شىء لأن الحدود الذى وضعها التكوين بها حيث لا يستطيع أي شىء أن ينكر الإرادة إلا الإرادة .
.2
لا أريد أي شىء من الوجود ، أنا فقط متعب وأريد النوم للابد ، حيث العدم دافىء سيقزمنى فى نقطة مادة لا تعى والروح ستذهب لله والجسد سيذهب للمادة والوعي سيذهب للمطلق .
.3
فى هدوء سيتوارى وجودى ، فى هذا الصمت العميق حيث لن تلهث أي رياح لتحف فى شعرى المجعد ولن اشعر بأي جمال ، سأتحرر من الشعور بالجمال فهذا هو الشعور الوحيد المتبقى ، بعدما تخلصت من كل قيود الشعور وكل قيود الذهن ، أنتحر مجنونا لامباليا .
.4
الانتحار ليس فعلا عبثيا ، تقريبا هو الفعل الوحيد الذى ليس عبثا لأنه ينفى الكينونة من الأساس ، هو الفعل الوحيد الذى أفعله له هدف .
.5
ليس الانتحار هو فقط الدخول فى المجهول بل الولادة ايضا دخول فى المجهول ، لم ينفع أنى أعى وأدرك وأفكر وأشعر فى شىء ، لم أصل إلى أي شىء ولم أعرف أي شىء ، لم أعرف ذاتى حتى .
.6
لحظة الانتحار هى لحظة المبالاة الوحيدة بالذات أنها تريد الانعتاق من الجسد والقدرة ومن كل تشهية تافهة خلقها التكوين لأي شىء .
.7
لحظة الانتحار تجب فكرة الحلول والفناء فى أي أحد لأنها تفاهة لأن نفس المنتحر قائمة بذاتها بسبب التشسيع التخييلى الذى يجعل ما يراد أن يٌحل فيه تافها .
.8
الانتحار رغبة فى الإفناء ليس الموت ، ليس القتل بسبب أي ضغط وجودى أو واقعي ، بل رغبة فى أن لا يمسنى أى ماوراء بأي وعد أو الواقعي بأي وعد ، لحظة ظمأ إلى كل شىء .
.9
الانتحار لحظة لم حدود الوجود في ، وحدود الظلمة والنور ، اكراه الروح على الخروج من المادة ، عمى بدون معرفة معالم المجهول ، لحظة خلق الموت .
.10
الانتحار دائم ما يكون منعزلا فى النفس المنتحرة ، لا يجتمع مع أى فكرة أخرى ولكنه يكون فى حركة دائما ولكن لا أشاهده فى شعوري إلا فجأة عندما أستنزف فكرة أو شعور أو أستنفز جسدى ، لأنه فى الاستنزاف أي التطرف ، تلامس مع المنبت ، لأنى أعود إلى بداية الشعور أو الفكرة .
.11
فى لحظة الانتحار أشعر بقوة رهيبة نفسية ، قودة بدون قانون ، تصريح من ذاتى للخروج منها بدون أي ضعف أو خوف ، فقط أريد الخروج لأخذ جنسية الموت .
.12
لحظة الانتحار تكذيب لكل ما يعتقد الناس من جدوات أو قيم أو معانى ، شهدتها اكثر من مرة ولم يكن بينى وبين الموت أي مسافة أو تواتر شعوري ، خرق لكل جوهر وإمكان لرعب وتفريق لصدق امتناع المجهول عنى ، ليست لحظة خالدة ولكنها لحظة اطفاء الخلود من عقلى الذى يكفر الخلود ، لا أصدق الخلود إلا كطاعة لضعف ذات ليس لها مدلول معصوم في .
.13
العدم دليل على أنى موجود ولكنى لست موجودا بأي تعريف أو شرح ، موجود كوجود الرب ، وجود مستتر لا تفضحه أي لغة ولا ماهية ، منزه عن قبضة أى غيب قدوس .
.14
الانتحار يجعلنى أحيط بأول الشعور وآخره ، اي شعور ، وخصوصا شعور الوجد فى فاتحة جاه القدرة الشعرية وختامية عجز القدرة الفعلية ، لا انتهاء لسعة نشور النشأة الابطنية فى الوجود الذى لا يتكشف .
.15
الانتحار في قيوم ، ليس بسبب أى شعور أو افكار ، ادراك حق مما ينفذ من علل المتضادات حيث لا نفع من أى ضرورة ولا لأي حياة هى بدعة فى الذات .
.16
الانتحار لا يقتل فقط ملكيتى لكينونتى بل الروابط مع كل شىء ، عصيان يعلم ذاته ويجهل صفاته ، ابتدأ الأزل منه عندما انتحر المطلق الموكل إليه الإيجاد .
.17
الانتحار ليس خلاصا من التسليم فى اي موت ، هو مستقل وأنا فاعل فيه ، منتفع بعلمه عنى وهذه مزية أن يعلمنى أي شىء ، أنا فى جزء من الزمن ، إذا أنا فى أبدية ، لا ضعف فى نهايتها ، ولا قوة فى بدايتها ، الانتحار سيمنحنى نسيان لحظة موتى .
.18
نفس المنتحر لا يوجد بها اي خيوط مع أي وجود ولا حسابات مع أي أفول ، هى صرخة معمرة فى الروح ، صرخة بدون وطن ولكنها بعمق تتمشى فى ذاكرة الحياة المحصورة بين دخول سجن إلي وخروج سجن منى .
.19
السواد الذى يتسرب من وحدانية الخوف فى شعور من ينتحر ، يذهب ببساطة فى النفس المنتحرة لأنها تسفك مجىء الشعور وغروبه منها ، مجىء الفكرة وغروبها منها ، تعطيل كامل عن الوعي وليس دخولا فى اللاوعي .
.20
النفس المنتحرة بها فتنة عظيمة بالنسبة للشعر لأنها مجازية النزعة ، خائنة التحديد ، لا ترحم القدر الذى يحملها على أن تكون نحيلة الاختلاط مع جوهرها .
.21
كل ثانية ينتحر أي شىء بى ، وينتحر أي شىء فى الوجود ، كم هذا عظيم قتل الوجود كله بى والاستمتاع بذلك ، عندما اكون مملوءا بالخفة التى تجعلنى اطفو على وجودى وعلى الوجود كله وأتركه إلى أن يكبته الفراغ حيث سيحفظ جثتى وتظل عيونى مفتوحة على خمول المادة .
.22
عندما أحاول الانتحار ، أنا أقول لنفسي ، هذه الأرجوحة الرخيصة ، أعتقد العبور للظلمات بالانتحار سيجعل مخيلتى مقتولة ولا تستطيع أن تصور شيئا .
.23
النتحار يحتاج إلى نفس شريرة وشرها مرهف ، لأنى لا أتصور الآخر فى وجودى ابدا ، أنا فقط موجود ، لا اصدق أن أحدا معى فى الوجود أو وجودى ، قتل النفس يرفع أي شهوة فى اي شىء عكس قتل أحد آخر .
.24
لا يوجد شيئا في ذاكرتى الواسعة أذهب إليه يعزينى ولا يوجد شيئا خارجى، اي شىء ، يعزينى، ولا فى داخلي ، هذا الهدوء الآن مخيف جدا ، لأن هذه اللحظات هى لحظات انهيار الوجود كله بى وانهيار العوالم الخيالية بسهولة شديدة ، لا شيء ينجينى من الموت ، لا كلمات ،ولا صدف فى فخار القدر ، خربت كل شيء ، كل ما حولى وكل ما داخلي وكل ما خارجى ، خربت ذهنى وجسدى ومخيلتى ووجدانى ، كل شىء ميت ، ولا استطيع ان ابعث اي منهم لان البعث يحتاج لنفس خالقة بها طاقة وانا لا يوجد لدى اي طاقة ، لحظات الافول الان التى اتاملها بشدة بدون أن أفعل أي شىء بها او اتدخل، الذات تشهد انهيارها النفسي والماورائى ولا تصدق أي حلم آخر ، لم أعد أستطيع أن أحلم لأن في الرحلة إلى الحلم تدمير جمالي لذاتى أكثر ، انا فقط أقف على اطلالى وبعد ذلك لحظة الانفجار الأعظم، كالانفجار الكوني، السطوع الأعظم، لحظة نافية منفية عادمة معدومة ، الله يقف خلفها وجاء الي ان ممكن الله هو الزمن ، هذه اللحظة بها غبش الولادة والقيامة ، عودة الروح لوطنها فى جسد الله ، لحظة استفهامية عن نرجسية الشعر ، امتحان الأبدية كعلوية ، لحظة لا يشاركنى فيها اي احد ، لحظة الانتحار .
.25
لم أمر مرة من على طريق إلا وفكرت بالوقوف أمام عربة لكى تدهسنى
ولم أقف مرة على سطح عالى إلا وفكرت فى رمى نفسى من عليه ولم أرى
سكينة إلا وفكرت فى قطع شريانى حتى وإن لم أكن يائس فى هذة اللحظات، لدي رغبة فى الإنتحار منذ الطفولة بدون أي يأس أو أمل ،
اليأس لم يلفق لى عزلتى وإنتحارى بل وجودى .
.26
أخاف من لا أن لا أعى انتحارى بمعنى أن أقع من الأعلى بدون أن
أدرك أو أن أقطع شريانى بدون أن أدرك ، فهذا الأمر مهم جدا بالنسبة لى
أن أعى انتحارى ، الإنتقال بين العوالم ، فعل الموت وفعل الحياة
بما أنى لم أعى لحظة وجودى فى هذا العالم فأريد أن أعى لحظة رحيلى
عنه وليس الأمر هو الموت بل الإنتحار ، لا أريد الموت بل الإنتحار .
.27
كنت افكر دوما قبل النوم في الماوراء، كنت احاول موقعته قبل زيارته ، هذا يلامس مخيلتى كما لم يلامسها اي شىء آخر ، لا ابتغاء لهوية فيه ولكن للضحك عليه ..
.28
الثوانى التى تسبق محاولات الانتحار تكون ثوانى قيمة جدا ، اتقيأ فيها الوجود واتقيأ فيها العدم، واتقيأ فيها اللغة وحتى الموت ، يجب أن يخرج الموت منى لكي أستطيع الانتحار
.29
كل انتحار لأي إنسان هو انتحار للوجود كله، خصوصا ان نفس المنتحر ليست مريضة أن كان سبب الاكتئاب هو اللاجدوى ليس أي سبب وجودى، واللاجدوى ممكن تفرزها أشياء كثيرة .
.30
الانتحار اصطحاب لدرب يشق كل الاحتمالات ويستقل بمن يختاره إلى لغة مربكة الذات لا تراجع وعي أي شيء ولا دلالة إجابة لأي تأويل للوجود لاثباته في .
.31
هناك أنواع للمنتحرين، هناك من ينتحر بسبب ألم لا ينتهى يضغط عليه ويضعه في منطقة يعدمه فيها وهناك من ينتحر بسبب فكرة اللاجدوى التى تشل كل شىء به ويشعر بها وهذه كارثة ليس لأنه سينتحر بل لان اللاجدوى هذه تشوه كل شىء بى وتعطى إباحة لفعل أي شىء وهناك من ينتحر وهو لازال حيا وهم من لا يفكرون ولا يتاملون والذين لازالوا يحيوا فى قيود المجتمع والدين وهناك من ينتحر بسبب قمع المجتمع له فى شيء معين هو تمرد عليه ..
.32
أريد التخلص من كل شىء بى، ليس فقط جسدى بل روحى وعقلى ووجدانى ، طوال الوقت احاول تدميرهم لكى اقف على قبة الوجود وأصرخ عاليا ” كلك هباء وتافه أيها الوجود بالهتك واناسك وانبياءك وشعراءك وفنانونك واشياءك ” ..
.33

الموت بالنسبة لى هو التجريد الكلي لكل شىء ، وأنا أقترب منه بشدة حيث لا وجود لنشوة ، يدخل وجودى نفسه فى المجهول ويصير وعيي مطلق فى الداخل لأن الداخل مجمع فيه منابع كل شىء ..
.34
المسافة بينى وبين الموت تهرب عندما أكتب ، كأن كل لفظ هو استغفار له ، أو انتحار لاقتناعى بأن موجود أو خوف لسؤال خجول يتحطم شرف .
.35
دائما أشعر عندما أذهب إلى المقابر بأن هناك ألم غامض في قدح وعيي يعطينى قدرة على النوم فى مقبرة فارغة وفعلتها أكثر من مرة ، كان النوم استئناف لما لم يأتي إلي من الجنون ، حسبتنى موجودا فى رجفة دود فى جمجمة ميت .
.36
الانتحار يطلق الذات فى الذات الكلية ، والروح فى الروح الكلية والجسد فى المادة الكلية ، بدون تعارض بينهم ، يتركهم يفرقوا نزقه ويجتمعوا فى صدع ماورائى ، فى صدفة اعتكار سؤال ” من أنا ؟ ”
.37
النفس المنتحرة أكثر من يبحث عن الحياة فى تفاصيل كل ما تعيه ولكنها لا تجده أبدا وهذا ينعكس على الروح بأنها لن تُثمر بقاءا ولكن فناءا يأكل الوحدة .
.38
روحى عندما تخرج من جسدى ، ستنقسم إلى كسرات ، كسرة ستذهب إلى كل طريق مشيت به إلى نفسى وكل عتمة كتبتها على خريف ورقة وكل سلة يأس ضاع فيها الصمت .
.39
ولدت فى سجن الموت
لا كلمات تغرق عندما أكتبها
ولا غربان
تنقر رؤوس الأفكار السوداء .
.40
عندما أنتحر
سيضحك كل شىء
وترتشف الحجب خلوة الشعر
المجلوة من ظلى وتتركنى أفنى .
.41
تركتك يا شعر وحيدا
لم أجفف حتى دموعك
سأذهب بعيدا عنك لأنى تحررت منك
تحررت من أنفك الذى يشم الأسرار
بدون أن يفتحها لى
أنت يا شعر متغطرس
ووحدك تفنى الموت .
.42
سأنتحر وأنا أقبل شفتي الله
بدون أصوات النساء التى تنوح
بدون الصمت فى عيونى .
.43
لدي رغبة شاذة قوية فى رؤية الأشياء تموت وخوف شاذ من ولادة الأشياء ، أي شىء ، أريد أن أرى الأشياء والأشخاص تنتحر أمامى كما تنتحر شخوصى كل يوم داخلى .
.44
تخلصت من الحب تماما ، لم يعد سوى الكراهية ، سأنتحر عندما لا أجد ما أنبذه وعندما لا أجد ما ينبذنى ، عندما لا أشعر بالكراهية لذاتى أو لأي شىء .
.45
نفس المنتحر تغنى، تغنى للاسافل والاعالى، تتلامس مع الفناء الذى هو خلافة الوجود هذا ، تشعر بانس رهيب مع الماء ان كان المنتحر غرقا ، أفضل الانتحار على الموت ..
.46
لم يكن انتحارى سوى رغبة فى الحياة ، ربما حياة أخرى يتاح لى بها أن أكون نفسى بدون أكاذيب أو زيف أو تفاهه ، العالم هذا ثقيل جدا علي ولا يسمح لى بالحلم وأشعر أنى آثم ولاانساني لمجرد الوجود فيه والوجود بى ..
.47
هذه النشوة الغريبة التى تأتى لى بعد قطع أي شريان فى جسدى ، فى كل قطرة دم يهبط حلم يسب الحياة ، وإله ميت متحرر من الوصف ، تخف الاينية من وعيي تدريجيا وأبصر ظلاما بدون دروب ، كأنه جسد جدار عظيم يحاوطنى من كل الجهات ..
.48
حاولت الانتحار مرارا وفى هذه اللحظة أكون مضيئا جدا ولدى رغبة لا أعرف ما هى لهذا أحاول الانتحار لأن ليس لدي أى رغبة فى أي شىء وبعد أن أعود للحياة ثانية تتجدد الكآبة وتستمر فى الزيادة والاتساع وتعمق ، أي وسيلة للانتحار تنادينى ، عندما أقترب من الماء يدعونى للغرق ، عندما أرى أي خيط يلتف فى خيالى مقصلة وتدعونى .. إلخ ، ولكنى ألحظ دائما صراخ بى فى هذه اللحظة ، صراخ من المطلق ، أول مرة ينفعل ، لا يقيدنى عن الانتحار ولكنه يصرخ ..
.49
الموت الذى يدمغ الروح بأسئلة لا تنتهى
يمشى يديه على صمت السطوح
ليقول لها نصاعتك فى معيتى
ونعوتك هى أختام سهوى
يبكى كخفاش ارتطم بمصباح
عندما يرتطم بالشعر
أخذ دموعه في كيس الشساعة
واضعها على سندان الوجدان
ليكون انهياره على عرصةالمخيلة
أيها الموت
أيها الألم الناعس فى توابيت السواد
لج في ارادتى
وطف حول سكرتى
لسنا سياجا لأي أحد
سوى للغة
التى تظننى مرآتها الحكائية .
.50
الموت يخيم على سطح المدينة
والله قد شنق نفسه فى عيونك
والشعر يحتطب الأرواح فى الطرقات
وانا جننت
الهث وراء السراب واقول له تعال ،
فى قاع الألم
صوت واهن ينادى عليك
يبدد جبابرة الأفكار العدمية
ويشى بإمكانية دخول غابة لاوعيك،
إنها فخاخ الذات
التجاوبات مع أصداء ازهارك
مع ذريات يديك من كلمات
مع انتقامات أبنية الخراب فى خلجات فتنتك .

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق