سهير رجب الشرقاوي – مبنى الاذاعة


كانت ترتدي صدرية ضيقة. حرارة الصيف تجعل من كل الأماكن ثقب لإبرة حياكة. حتي و إن كنت تقف في ساحة ميدان عام. “الثغرات التي تتملك القلب تبقي فارضة وضعها دوما في ساحته”. هكذا جاء في ذهنها عندما حاولت النزول من الدور السابع بأحد مباني وسط المدينة, السيدة مرفت _ الخياطة تحيك الملابس و هي تحيك القصص.
خرجت مسرعة و اتجهت إلي مبني الإذاعة و التلفزيون, جلست عند أول مقعد واجهها ثم سألت “عم سيد” أن يعطيها زجاجة ماء باردة “باردة جدا يا عم سيد” هكذا أتي الصوت مذيلا الحوار. بدي المبني علي ضخامته كثقب أبرة أخري كالتي تمتلكها مدام مرفت, و الصخب في طابقه الأرضي جعل من الأمر السيئ بالفعل, أمر أسوء.
رأت السيد صلاح_ رئيس أحد الأقسام _ متعجلا يمسك بشريطة سوداء تغلف “منتصف” بضعة أوراق. الحرارة تزداد رغم كل شيء و لا شيء يوقفها كما مرور الأيام لا حاجب و لا مانع. “احمد كامل” يمر في منتصف الصالة الرئيسية. يوجه نظره نحوها,_ تماما علي صدرها الصاعد و الهابط في عنفوان مغري _ و يلثم كوب الماء في يده و يمر مرار الكرام غير أنه ليس منهم.
شاب ذو بشرة فاحمة يدخل من الباب الفرعي للمبني. عند موظفة الإستقبال يقف ليسألها في هدوء مٌوتر. “أستاذ عبد الجليل. بتاع المنتاج بتاع برنامج الساعة 11 موجود؟” تجيبه بإبتسامة مصطنعة. “الدور السابع يا فندم”. ينظر الشاب و كأنه سمع خبر وفاة شخص عزيز و إلي اﻷسانسير و يتوجه دونما كلمة.
تحرر بضع زرائر من أزرار القميص الذي ترتديه و تنظر إلي أسفل قدميها فتجد قطعة حلوة لا تعلم لها من مصدر, متمركزة تماما فوق ظهر نملة عملاقة, تحارب العالم لتهرب بها, يزيدها المشهد ضيقا و تتخيل كما لو أنها تلك النملة و العالم كله الآن في هذا الجو القائظ فوق ظهرها.
تفرغ من تخيلها هذا لتستعد للتوجه إلي مكتبها في غرفة الإعداد. الضيف اليوم طلب أن يقرأ الأسئلة كلها قبل البرنامج, و أن يؤشر سلبا أو إجابا عليها كذلك. ما يستدعي الحيرة أنهم ما من مرة حضر ضيف ما إلا و رفض سؤال تضعه علي الدوام في أوراق الإعداد خاصتها. “كم مرة نظرت إلي صدر إمرأة في نهار الصيف؟” عجيب جدا ألا يجيب أحدهم علي مثل هذا السؤال رغم بساطته!. مؤكد ستطرد يوما بسببه.
دخلت إلي ثقب الإبرة الجديد _الأسانسير _ و منه إلي الحجرة فالمكتب, كانت “ريهام” جالسة تعدل من شعرها و ملبسها بعد شيء ما لا تعلمه, غير أن السيد “أحمد كامل” لم تنقضي لحظات علي رحيله للمرة غير المعدودة من غرفة الإعداد تلك. تمنت لو أنها تملك “دوش” و “بانيو” داخل غرفة المكتب, و بعض أردية النوم, كانت الحياة لتصبح أسهل.
نادي المخرج بصوته الأجش المميزين هم به لتحضر ما كتبته. و كان السؤال يترأس القائمة كما المعتاد. سب الضيف الجميع عندما قرأ ما كُتب, و لكنه لم يرحل قبل أن يتقاضي أجره. و عندما ذهب كانت هي تتبعه حاملة كل أوراقها و أقلامها داخل حقيبة و صندوق.
ولي مبني الإذاعة لها ظهره. وعندما إنقضت فترة بعد الظهيرة صعدت إلي مبني برج القاهرة و في طابقه السابع توقفت. ثم رمت بكل الأوراق التي يترأسها نفس السؤال, و حررت بضع أزرار أخري من القميص.

أعطني رأيك