محمد مختار – إضاءة طبيعية


يدخل للمطبخ ويضغط مفتاح النور , اللمبة محترقة منذ اسبوع (على قدر ما يتذكر) ولكنه يتصرف كأن ذلك ليس حقيقياً , كلما يدخل يضغط الزر , للأسفل , ثم يتحرك ليفعل كل ما يريد ان يفعله بالداخل , قبل ان يخرج مجدداً رافعاً الزر مرة أخرى للأعلى , بدا له مفتاح النور كأنه يضفي عليه قداسة ما حتي وإن كان كرهاً وليس طوعاً, لهذا بدأ يؤمن انه يري بالفعل بدلاً ان يكون الأمر كسلاً طبيعياً منه لشراء الإحتياجات المهمة لحياته ثم تحول لنكتة طويلة الأمد يضحك عليها وحده بغرض التسلي قبل ان تتحول النكتة بدورها لواقع يومي , الآن كان هو الضوء ذاته وبذاته , هكذا اخذ يتحدث كل ليلة قبل ان ينام , قرر ترك كل اللمبات للإحتراق , او هكذا ظن , لم يكن يكترث بمعرفة الفارق بين الغرف وما إذا كانت مضيئة او معتمة بما انه صار هو ذاته وبذاته مضيئاً دائماً , صار هو النور الكامل لكل غرف تلك الشقة الصغيرة.
عندما إقترب إنقطاع الماء من إسبوعين تقريباً بدأت تتشكل بعقله فكرة جديدة , لقد أصبح معتاداً الآن على خلق تلك الأفكار , صار خالقاً محترفاً , وكانت الفكرة عبقرية لأبعد حد , تكرار ما فعله مع مسألة الإضاءة في موضوع إنقطاع الماء , أخذ كل الزجاجات الفارغة التي يملكها , وأغلبها بقايا زجاجات قديمة كان قد أحضرها للضيوف على أية حال , هؤلاء الضيوف الذين اتوا ورحلوا وبقيت له الزجاجات البلاستيكية فارغة حتي طرأت له تلك الفكرة العبقرية , وضعهم بالترتيب تحت الصنبور وفتحه , لم يكن مهماً إذا كان هناك ماء سينزل ام لا في تلك اللحظات , لقد شعر بسعادة غامرة حقيقية وأصلية للغاية لدرجة انها كادت تُغرقه.
بعد مشاجرة معتادة فى العمل , ومع كل هذه التغييرات الهائلة بعد هذا الكشف الجلل في حياته الفردية كسيد خالق للقيمة بين السادة الخالقين للقيمة بعد ان كان عادياً بين العاديين إتخذ قراراً آنياً , صفع رئيسته في العمل (التي تصادف ان ارادها (إحم) زوجة له من قبل في بضعة أحلام يقظة من على حافة حوض إستحمامه !) وقدم إستقالته النهائية, في طريقه للخروج قال له عم “سيد” حارس الأمن الليليّ , (من أين ستأكل يا بنيّ) , لم يستطع الرد ولكن السؤال وحده كان كفيلاً بإضاءة الأمر مجدداً أمام عينيّه , سيفعل ما فعله بخصوص أمر النور وأمر إنقطاع الماء غير المعروفة أسبابه حتي الآن.
مات , هكذا إستشف الأمر من كل هؤلاء المتشنجين حوله ومن كل هذا الصياح العالى لنساء متشابهات لحد مريب لم يراهن من قبل في حياته , او ربما كان يعرفهن (او يعرف إحداهن على الآقل) لكنه نسى الأمر , أراد ان يسأل كل هذا الجمع عما يريدون او ما الذي يفعلونه هنا بالضبط؟ ألا يمكنهم تمييز تلك الأهمية التي كان يمارسها قبل ان يقاطعوه بنواحهم هذا ؟ لكنه بما انه ميّت الآن رأى ان من الأجدر ان يُخرج من مؤخرة رأسه علامة تَعَجب بجانبها علامة إستفهام كالتي يمكن مشاهدتها في القصص المصورة او الكاركاتيرات الصحفيّة .
ما الذي يمكن ان يفعله شخص ميت ؟ ليس الكثير بالتأكيد , كان الملل قاتلاً , ولكنه كان الآن منيعاً ضد ذلك الأمر , كان يود لو يعود للعمل ويغير كل اللمبات ويبدأ بشراء كارتونات الماء المعدنيّ او حتى سرقتها , كان يتمني لو يشترى الطعام مجدداً ويمضغ , يمضغ كل شىء , حتى ما هو غير قابل للمضغ , ماذا الآن إذاً؟ , فجأة إنبثقت برأسه فكرة عبقرية لأبعد حد !

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق