المشهد الأول / فارس الظلام – علي سباع

عدنان حميدة

اتّفقنا على جريح واحد في خطّة الموت، حرماً آمناً كوردةٍ في معطفِ مقاتل، واتّفقنا بأن يكون جسدهُ خارطةً لدمنا، اليدُ بأكمامها والقدمُ بخطواتها والعيون بمجازها، وأننا سنهرب وننسى، كما يترك خيطٌ ميقاته على حلمٍ ممزق سننسى، سنتركه معلقاً بمسمارٍ معوجّ النهاية، يظن العالمُ بأننا نخطط لإنقاذه من الحياة، أو تظن الآخرة بأننا تركناه أملا في العودة..

وذلك لا يهم

أشياء كثيرة لا تهم، أشياء نمتْ بألم الفضاء الواسع لا يمكن تفاديها بالقراءة، حين نقف عليها لا نرى الهاوية، تتشابه مواضع النجوم في سماء الغائب، يعضّ الحياء مؤخرةَ القلقِ، كأنك تسجدُ على حفرةِ النداء، وقلبكَ لا يجيبُ سؤالك، لهذا ستنسى، وحين الفكرةُ تصبح في النسيان ستتذكّر الفرحَ، تتذكره بأثرٍ قديم، بكل جريحٍ عالق في مسبحة الموتِ، ولكن ..

أو ولكنهمُ اختلفوا في وصف الطقوس، فلكلّ قاتل بيننا جرحهُ المناسبُ لألمه، ولكلٍّ منّا ألمه الوجيه

متزيّنين بأقراط الهواجس

ومشغولين بكنسِ العتب

متوحّدين كحدائق عبّاد الشمس

وواثقين كدائرة محكمة الشكّ تحاصر فأر اليقينِ

مشرّدين كأيام خاوية وسائحين في سرقة الألم

متلفتين بأثر الماء وعابرين بخرائط السكينة

متجاوزين كسائقي طيش ومنعزلين كحفلة اكتئاب، وحدي أتزيّن بجروحي وأضمّخ كواعب قصيدي برشّةِ الصفاء، وأقتل من أقتل كأنّي أقطف وردةً وأتركها حرزاً في إناءٍ مكسور، قتلايَ إنِ اتفقتم معي هم بخوري في استنطاق الغيب، تطوف به على جمر الغيابِ هفهفات التمرّدِ، وتخرج الغصّةُ من الصراحةِ أو يخرجُ الحلمُ من اليقظةِ أو يكسرون العظمَ من أوسطه ويتأملون ابتسامتي كجرحٍ جميل.

تلك جمرتي منذ زهت على منابع مزاجي تفاهة العطش

وتلك طعنة صمتي التي تؤلمُ ولا تُرى

نظرةُ الثور الهائجِ

لحمرة السرير

يشخبُ عمري كنهاية بريئةٍ لعاشقين

ولا أحتملُ أن تسقط شعرةٌ من رأسي على سطح أملس

أعدّ بيتمي فقرات الحياة وأعض برأس الأصابع شهقات المكان، أيّكم سيكون الجريحَ؟ فلم يجبني أحد؟ وأيكم سيعدلُ عن طلقةٍ في الماء؟ فلم يجبني أحد، وأيكم ترك خلفه سكّة بلا حِديد؟ فلم يجبني أحد، بمجموع ما بلع الرمل الناعمُ من تأمّلٍ صمتوا، وبمجموع هذا الكائن الغائر في الحداثة بصقتُ، كنت أبصق كجنديٍّ يرمي قنبلة يدوية على أصدقائه في الحرب، وكانوا يخرجون من بين الأصابعِ بكلماتٍ فصحى غامضةٍ، صار ينقصني ضحكةٌ ومقعدٌ خشبيٌّ ولفافة تبغ، وينقصني جرسٌ ودراجة هوائية ومتاهةُ غيب، وربّما ظنٌ وبندقية صيدٍ وكاتمُ حظ، وربّما لا شيء ينقصُ من كبرياء الخيبةِ حين يذوب جليد الزمن، يا أصدقاء دعونا نبدأ المشهدَ كما تراهُ الحقيقة:

الخدعةُ ليست خطةً، وأثر الرصاصة ليس جرحاً، وسقوط الفارس في الحب ليس كبوةً، لهذا العالمِ صورتان بخمسةِ فروقٍ كلها متشابهةٍ حدّ الكذب، آمنّا بالقيادة، ووضعنا أصابعنا على الخارطة، كزوجين حديثين رمينا الدنانير الذهبية في البحر، وربطنا أفراسنا في رهان الغيم، وقلت لهم: اقفزوا بلا مظلةٍ كي تصلوا قبل المساء، وداعبتُ شعورهم الناعمة بأبوة حانيةٍ، وسألت: من منكم الجريح ؟

!

الجريحُ لثغة في رصاصة تائهة، بلا تورية تصيبُ اللغز في قلبه، أما القتلى فتمويهُ فاشل لسمكةٍ تصادف حوتاً أبيض، وجميعنا في سفينةٍ واحدةٍ فدعونا نغرق معاً ولو نجت السفينة، وابتسمتُ كأمي، حين تقابل قطاً أسود.

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق