موتى يُديرون العالم – محمد رشو

سرور علواني – سوريا

كانت ايرينا من أصل غير يوناني، ربما من بلغاريا أو مقدونيا أو ألبانيا، وكانت تحمل كل مواصفات القياس الستاندارد التي تتميز بها آنسات شارع فيليس: العظام المتينة، البطون الصغيرة أسفل الخصر الضيق أعلى الفخذ، العمر بين العشرين والخامسة والعشرين، والمرح المهني المنضبط، لكنها كانت، إضافة لذلك، تتفرد بالانضباط التام بالقاعدة الشهيرة، لا قبلة ولا شرج، وبالجرأة حتى درجة الصفاقة كأن تطلق ضرطة، مثلاً، تعقبها بضحكة حادة بينما الزبون يغمض عينيه منهمكاً في ارتعاشة لحظة القذف، ويبدو أن هذا المزاج كان يجعلها لسبب ما أكثر حظاً من غيرها.

منّان كان يمازحها بصفعة خفيفة على المؤخرة قبل أن يستدير نحوي وبالكردية موضحاً:
هذه الجحشة لا تُروّض.
لم تكن تنتظر في غرفتها كالأخريات حتى يجتمع الزبائن في الصالون فتدخل عليهم، بل كانت إما تطل من شباك البلكون وهي تدلي ثدييها على خشب الحافة مطلقة نحو الأسفل صيحات بهجة وإثارة، أو تنزل إلى الشارع بكعبها العالي لتجرّ أحداً ما أو مجموعة ً ما، غير مرتدية، طبعاً سوى ما ترتديه عادة حين تناديها المعلّمة من الممر لتعرض نفسها، أي أحد الكلسونات الخيطية، المتدرجة في الأحمر غالباً، من الزهري إلى الخمري، مع حواف سوداء.
الغرباء يرضون بأي شيء أما اليونانيون، تفو، كانت تقول، حيوانات، لا ويصرون أن ينيكوا دون كوندوم! وتظل تستهزأ منهم حتى تصل بغضبها إلى المنزلين الواقعين بأول فيليس والذين ما إن تدق الباب أو تدفعه حتى يخرج أحدهم ليعتذر منك إن رآك أجنبياً: إكسيوز مي، أونلي گريگ.
منان كان يجعلني أدور معه على كل المنازل الممتدة بين آخر شارع أخرنون وشرق وجنوب ساحة فيكتوريا وأنا أعرف مسبقاً أننا سنكتفي بالفرجة هنا وهناك لننتهي عند إيرينا منتظرين أن تدخل لتقول: سلامون عليكم فيما منان يصحح لها، شڤ باش، ويصر عليها حتى تستدرك تحيتها: شڤ باش.
قالت لي مرة بأنها تعمل هنا لأن لديها فكرة ما، مشروع ما، ولم تفصح لكن منان حين أخبرتُهُ بذلك علّق وهو يلوي فمه معمّقاً غمازته اليسرى:
حقها عشرين يورو، شرموطة متل غيرها.
شيئان كان يجعلاني أفكر أن إيرينا ستصبح يوماً ما إما مجنونة أو فيلسوفة، الأول، كلبتها البنية المتفحمة أسبازيا على اسم عشيقة بيركليس والتي كانت تقبع في أحد الأركان هادئة دون نباح تراقب صاحبتها تقوم بعملها ولا تتحرك إلا لتخرج وراءها، ثانيهما وهو ما كان يصيبني بقشعريرة رعب غامض حين كنت أدقق في جلد ظهرها القريب من وجهي ذي الزغب الأشقر والمسامات الدقيقة بينما تسحبُ محارم الكلينكس لتنظف نفسها، أقصد وبالضبط، التاتو الأخضر أسفل ظهرها حيث الحروف الإنكليزية الواضحة والتي كانت تلتمع في ضوء النيون كلما انحنت:
«هناك موتى يُديرون العالم، يستحيلُ قتلهم».

* محمد رشو. شاعر من سوريا. من مواليد 1974. صدر له في الشعر “أنتظر الهواء لأمر بك” و”عين رطبة” و”جمال بارد”. يعمل طبيباً للأسنان، وهو مقيم في هولندا.

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق