عمر طلعت – قصة قصيرة بعنوان ” يوم سكندري “


1

لا أعتبر محطة القطار وصولًا, هي بين بين, كالقبر بين الحياة والحياة الأخرى إن وُجدت, أنزل من القطار, الجو حارٌ للأسف مع أننا في أواخر سبتمبر, ألعن الحر وأمضى بحقيبة تُجر بالعجلات وحقيبةٍ على الظهر وزجاجةُ مياه توشك على النفاذ, أنزل النفق وأسير بلا هُدى, لم أحفظ المحطة بعد رغم عشرات الزيارات, أسأل عن باب الخروج فتدلني امرأةٌ تحمل كرتونة على كتفها مكتوبٌ عليها جملتين, تاريخ الإنتاج وتاريخ الإنتهاء ولكنّ التواريخ نفسها ممحيةٌ كجدارِ مقبرةٍ فرعونية أفسد اللصوص نقوشها كما حدث في مصر بعد الأسرة السادسة. ثم أعادتني المرأة للواقع وأثارت انتباهي لرجلٍ عجوزٍ يحمل كيسًا ينوء بحمله, تقول: احمله عنه, أنصاع للأمر مدفوعًا بطبيعتي التي تحب مساعدة الناس, الكيس ثقيلٌ حقًا, يصر العجوز على حمل الكيس معي ولكني أرفض, إلى أين أنت ذاهب؟ إلى الترام, حسنًا سأحمله معك إلى هناك, لو طلب مني أن أحمل الكيس لآخر الدنيا لحملته, فمن طبيعتي أيضًا الخجل من رد الناس.
الكيس ثقيلٌ حقًا وذراعي الأيسر الضعيف لم يعد يحتمل, بدّلت الأمور, حملت الكيس بيدي اليمني وهي التي ليست أقوى كثيرًا من اليسرى ولكني أتحكم بها أفضل, وأجر حقيبتي بيسراي ومازلت حقيبتي الأخرى على ظهري, أعبر الشارع من محطة سيدي جابر إلى الترام, يتزاحم السائقون صائحين, تاكس؟ أقول شكرًا وأستمر في السير, أضع الكيس على الرصيف ويشكرني الرجل فأرد عليه بالشكر, لماذا لا أعرف أن أرد الشكر سوى بالشكر؟ لماذا لا أقول عفوًا؟ لا أدري, أظن أني أخجل من الشكر ولا أعرف كيف أرد فأردد الكلمة بلا وعي, شكرًا يا حج على ايه, سلام عليكم. أركب تاكسي, يفتح حقيبة السيارة وأضع حقيبتي وأجلس بجانبه.
تَوَقَفَ الطريق ثوانٍ بلا داع, ضَغَطَ على الكلاكس طويلًا حتى أفسحت السيارات, قال: بهايم, مفيش أكتر من البهايم. كعادة طرقاتنا, تقف بلا داعٍ وتتحرك في ثانية بلا مبررٍ لوقوفها.
ضَغَطَ على زرٍ فجاءنا صوت عمرو دياب يقول: “لو كان يرضيك تفضل كده أدامي خلاص خليك”, قال لي أنه حين يغضب يستمع إليها فيصفو, قال لي أيضًا أنه لا يلبس الملابس الشتويه قبل يناير ويرتدي ملابس الصيف في شهر أبريل, له نظامٌ ثابتٌ كالمجرات.
ثم قال بلا مناسبة واضحة في حينها: في عُرس ابنة أختي حضر معي صديقٌ سمينٌ للغاية, قَلَبَ الفرح رأسًا على عقب, مسخرة, ظل يرقص بأجزائه كلها, برأسه ويديه وبطنه وأثدائه ولامؤاخذه مؤخرته, أربع كاميرات فيديو انصبّت عليه, رقص مع العريس والعروس, ذهب إلى الموائد يرقص مع الناس, حمل الأطفال على كتفه ورقص, ظل الناس ينادونه ليرقص معهم حتى تعب وجلس, عبّ زجاجة مياه كامله, طالبوه بالرقص مجددًا فطلب مناديل لتجفيف عرقه وعصيرًا, جفف عرقه وارتوى وعاد للرقص كأنه وظيفته الأبدية, كان يرقص على أنغام أغنية لو كان يرضيك, هنا فهمت لما ذهب بالحديث إلى صديقه وعُرس ابنة أخته, وحينها أيضًا رأيت البحر وأحسست أنّي في الإسكندرية حقًا, الأسكندرية بالنسبة لي بحرٌ وبضعة أماكن لا أرتاد سواها, ومهما أتيت إلى هنا أعتبر نفسي سائحًا, بل أنا سائحٌ في كل مكان.
آتي هنا مرتان في الشهر, الهواء والبحر يردان لي الحياة, أيامي هنا سعيدةٌ دائمًا, لا أشقى أبدًا وأنا في الإسكندرية, وأشكر الإسكندر دائمًا على بنائه هذا المكان, أكان سفاحًا؟ ربما, ولكنه كفّر عن خطاياه بإقامة هذه المدينة. استمَرَ في الكلام عن العُرس وعن صديقه, أعاد الأغنية من أولها ليصف لي بالضبط متى رقص صديقه ومتى هز مؤخرته, وكيف صرخوا جميعًا “حرام عليك” حينما قالها عمرو دياب, وقال أيضًا أن الأفراح لا تصفو إلا إذا حضرها شلة أصدقاء يعرفون كيف يرقصون ويسعدون, وأضفت أنا أن الأمر يستلزم أن يكونوا لمّاحين يعرفون متى يصح الرقص ومتى يصح التوقف ومتى يستخلصون القفشات في كلمات الأغنية, وافقني بحماسٍ وهمّ بإكمال الحديث ولكنّا كنا قد وصلنا إلى وجهتنا في كامب شيزار, وصلنا مقهى الريحاني.

2

مقهى الريحاني هو المكان الذي أحط فيه الرحال دائمًا, كواحةٍ لمسافرٍ في الصحراء, أجلس وأنا أرى صورة الملك فاروق في سيارته التي أهداها له هتلر وصورة أخرى في شبابه وصورة بعدما امتلأ جسده, لم أعتد الاحتفاء بالملوك, أكره الملوك وفكرة الملَكية عامةً, هناك صورٌ أخرى لمساجد أثريةً لا أعرف أسماءها, أشرب فنجان القهوة بعد أن أطلبه من رئيس النادلين, أسأله عن باسوورد الواي فاي وأنتظر حتى يأتي ميعاد التسكين في الفندق.

عندما حملت الفنجان بيدي اليمني ارتعشت بشدة, يدي ترتعش دائمًا ولا أدري لماذا, ولكنّ ارتعاشي هذه المرة كان بسبب الحمل الذي حملته بدلًا من العجوز, ظلت ارتعاشة يدي لساعاتٍ بعدها, علمت حينها أن الألم قد لا يُحس في حين الإيلام, لكن قد يُحس بعدها ويترك أثرًا.

لماذا مقهى الريحاني؟ لأني أتأثر بأي شئٍ يحمل عبق التاريخ حتى ولو كانت صخرةً صمّاء نقش عليها أحد أجداد البشرية حرفًا أو رسمًا أو شكلًا بلا معنى, أشعر بالمهابة والتضاؤل, والريحاني يُشعرك بالتاريخ بكراسيه ولوحاته وزي النادلين.
رئيس النادلين هو الوجه الذي أتذكره دائمًا منذ أول مرة جئت فيها إلى هنا, أُلقبه بالريّس, ذو نظرةٍ محايدةٍ وشخصيةٍ قوية, مرةً ناداه رجلٌ من الطاولة المجاورة لي قائلًا: هاتلي الحساب, سدد له الريّسُ نظرةً من الممكن أن الرجل لم يفهمها ولكنّي فهمتها, كانت نظرة متأنيةً شامخة كأنه يقول حسنًا سآتيك بالحساب ولكنّي لن أهرع لهذا, سأحضره على مَهَلَ لأن أمرك ليس نافذًا كما تظن. عدا الريّس أنسى دائمًا وجوه العاملين باستثناء عاملة النظافة, أتذكرها لموقفٍ ما حدث منذ سنين. منذ سنين حَضَرتُ إلى هنا مع زوجتي قبل أن تصير زوجتي, رأتنا سويًا, كنت أنتظرها خارج الحمام, لا أدري مما قلقت عليها فالأمر لا يقتضي هذا, ولكني انتظرتها, راقبت هي هذا ودعت لنا بالزواج القريب, لهذا أتذكرها.

3

في استقبال الفندق الذي يبعد خطواتٍ عن الريحاني قلت لموظفة الاستقبال في أي دورٍ تقع غرفتي؟ قالت في الدور الثاني, طلبت غرفة في دورٍ عالٍ فقالت لي هل التاسع مناسب؟ قلت تمامًا.

صعدت وجلست. غرفةٌ متواضعة كجميع الغرف التي سكنت بها, عندما تدخل تجد على يمينك حمامًا ضيقًا نظيفًا, ثم تجد سريرًا صغيرًا ملاصقًا للحائط أمامه دولابٌ بجانبه مرآه, لا أستخدم المرآة إلا نادرًا.
على يسار السرير طاولة بجانبها طاولة أخرى تحتها ثلاجة صغيرة, وفي الأعلى تلفازٌ صغيرٌ مهمته في الحياة إضعاف بصر المتفرجين فقط, وعلى أقصى اليسار شرفٌة صغيرةٌ تُطل على البحر بها كرسيان, سورها عالٍ قليلًا يحجب الرؤية بنسبةٍ كبيرةٍ عن الجالس على الكرسي, لا مُكيف ولكنّ هواء سبتمبر كفيلٌ بالأمر. تناولت إفطاري وأفرغت مثانتي وجلست في الشُرفةٍ أعب الهواء كأني غريق, كيف أشقى وأنا في الإسكندرية؟

4

أحب سبتمبر, ليس لأنه شهر ميلادي ولكن لأنه نقطةٌ فارقةٌ بين الحر والبرد, أحب الخريف الوسطيّ, لا أعطي يوم ميلادي أهمية كبرى, لماذا يجب على اليوم الثامن عشر من سبتمبر أن يكون مهمًا؟ كان من الممكن أن أولد في اليوم السابع عشر أو التاسع عشر, لا فرق, هي المصادفة وحدها. وأنا لم أعتد الاحتفاء بما ليس لي به يد, أفخر بما صنعته يداي فقط, ولكنّي دون وعيٍ أفخر بشكلٍ طفوليٍ بوطني وتاريخه المجيد, أرمق عظمة الأجداد بفخرٍ وحزن, أقول: هل كانوا سعداء حقًا؟ كانت بلادهم عظيمة, ولكن كان الفرعون إلهيًا في نظرهم, لماذا اقتنعوا بهذا؟ هل اقتنعوا حقًا أم خافوا؟ هل بجّلوا الكهنة حقًا؟ هل كان الكهنة مجرد نصابين محترفين؟ لماذا قدّسوك يا آمون؟ خوفًا منك وطمعًا في كرمك؟ جهلًا ربما؟ أليس الإيمان دائمًا ينحصر في الاختيارات الثلاث تلك؟ ثم أجلس على شاطئ البحر بعد الفجر بقليل, أُملّي عينيّ بمنظره ورائحته وهوائه, المتعة تكون أكبر حين نعلم أنها مؤقته, أعلم أن بقائي في الإسكندرية يمتد لثلاث ليالٍ فقط فأستمتع أكثر, ولهذا أيضًا أحب أن أكون سائحًا دائمًا, ثم تتسلل رائحةُ دخانٍ إلى أنفي, وأرى أفضل بسبب بدء بزوع ضوءٍ في الأفق, أرى قمامة كثيفة على الشاطئ, أشمئز ثم أعتاد منظر القمامة ورائحة الدخان, أمرٌ طبيعيٌ هذا القبح, ما الغريب؟ ثم أرى في أخر البحر نورًا, أهو قاربٌ؟ هل ركابه خائفون من البحر؟ أهو مرفأٌ آمنٌ؟ هل هو سرابٌ خدعني به عقلي؟ ثم أنتبه للموج, عنيدٌ هو, يفتَ الصخور وأحيانًا يصل إلى الرصيف في أوقات النوّات, فيثير المنظر الخيال ووولعي بالتاريخ, كم من موجةٍ فتّت في صخر وطننا؟ كم موجة قاومناها وكم موجة باتت على رصيفنا وفي شوارعنا وبيوتنا وحلوقنا, كم مرة اختنقنا تحت الموج وكم مرةً قاومنا؟ ثم يزداد الضوء أكثر, الشمسُ في صراعها الدائم تنتصر, إذا كنت أعيش في مصر قديمًا كنت سأرى هذه الحقيقة الفلكية كمعجزة للإله رع, ولكني أعلم أنه لا رعٌ هنالك, أم أنّي على خطا؟
ثم أري صليبًا معقوفًا رسمه شخصٌ يظن نفسه نازيًا على صخرة أمام البحر, رمزا القُبح والجمال متجاورين, هذه الأمور الرمزية تروقني.

أمشي على الرصيف, كلما رأيت البحر أتذكر درويش وهو يقول: هذا البحر لي, فأقول بصوتٍ عالٍ: هذا البحر لي. أبتسم, ثم أتذكر الرواية التي أنهيتها منذ قليل, نادي السيارات, أتذكر كامل وصالحة وعبدون والأمير شامل وميتسي ومستر رايت المتعجرف والكوو ابن الكلاب والملكُ العابث, أتذكر من مات قهرًا على الكرامة ومن ضحى بالعُمر من أجلها, وأتذكر الخنوع والذل والإحساس الذي انتابني أكثر من مرةٍ بأنّي عاجزٌ كأجدادي, عاجزٌ كخدم نادي السيارات, وأن الكوو موجودٌ دائمًا كأن تناسخ الأرواح حقيقة, وأن الملك العابث لا يستحق الجلد ولا الشنق ولا الحبس, بل يستحق أكثر, وأن مستر رايت ما زال حيًا, وأن الأمير شامل أسطورة, وأن صالحة جميلةٌ للغاية, وأن ميتسي إذا استُنسخت لصار العالم أفضل, وأن الزمان يدور فيعود كل ماكان كأن شيئًا لم يكن, وأن تلك الدورات يجب أن تقف, وأن شيئًا ما خطأ, وأن عبدون كان على حق, وأن نساء الكوو الكثيرات مازلن يحبلن, وأن إعقامهنّ جزءٌ من الحل, وأن عمال نادي السيارات أخطأوا, ولكنّي أشفق عليهم.

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات