خصلة بيضاء بشكل ضمني
أنتَ داخلَ المَعنى، ليسَ الكَلِماتِ
أنتَ القَلبُ
لَستَ واحِدةً من لُغاتِ القَلبِ
أنتَ الجَوهرُ ضِمنَ الكَونِ
ليسَ الكَونَ
أنتَ لا غائبٌ ولا موجودٌ
— جلال الدين الرومي
- هذه الخصلة البيضاء هي أنت.
ضحكت، ورأى هو في ضحكتها استدراكَها للعبارة من معناها البديهي المتداول، في إشارة إلى البعد الثقيل الذي أضفاه موضعها المعقد في حياته، أو ما يقابل ذلك من أوصاف، في حين أنه في تضمين ذلك، ذهب إلى الأبعد، إلى كونها قد أصبحت كجزء جديد قد تجذَّر في هيئته العامة في نسيج تكوينه، إلى أنها قد نَفَذت من أطرافه، تسلَّلت إلى دمه، ثم تمازجت وإياه فنبتت كعضو جديد من أعضاء جسده، صارت خصلة بيضاء، لا يدرك كُنهها الآخرون لشاب يستعد لعقده الثالث من العمر.
ضِمنياً، كانت ضحكتها هي الشكل الآخر لدمعتها النافرة، التي كانت تحتشد بكافة الانفعالات على بوابة قلبها طوال اليوم، وهي تتأمل الطرقات الحديثة الواسعة المصقولة إلى درجة الكمال، الكمال الناقص، من موعد طارئ لحبيبين،
ضحكةٌ، هي أيضاً في مقام آخر، صرخة حائرة، أمام كلمة حبيبين في مثل هذا المشهد المعقد، أمام اثنين في مركبة واحدة، يشغل هو مقعدها الأمامي جائلاً الطرقات الرائقة، فيما هي في المقعد الخلفي، تعُدُّ المرات التي كان يتوجب أن تكون هي مشهداً ثانياً، خطوة لاحقة، ظل.. الأنثى التي يسمع أحياناً، صوتها الضعيف من الكواليس.
- ماذا.. لكأنك لا تصدقين.. مدي يدك لتتأكدي.. ألا تشبهك في الملمس؟
اتفقا ظاهرياً على أنها تمد يدها لتتأكد، فيما ضمنياً كانا يطمحان إلى ما هو أبعد، كانت اللمسة هي المعنى، بغض النظر عن أي تبرير، لكأنها تصافح قلبه، كانت هذه اللمسة قبلة ربما، عناقاً أخيراً خاطفاً، أو هي الدمعة تتنكَّر من جديد. أبعدت يدها عندما توقفا عند الإشارة الضوئية، شعرا بأنهما محاصران، بأن عيوناً كثيرة تثقب جسد المركبة الصلد وتدينهما.
- لم تعودين اليوم.. ألا تنتظرين؟
كان يحاول أن يجعل نبرته على حالها، إلا أن السؤال في مضمونه كان مرتعشا؛ لأنه يفتح بوابات المجهول، في كل مرة يكون أمر عودتها مرتبطاً بالظروف، ظرفه هو، ظرفها هي، ظروفهما، ظروف الأخرى، ظروف الآخر، ظروف الأطفال.
- اشتقت للأطفال.
عالجت سؤاله بعبارة واحدة، كمثل نصل حاد اخترق الاثنين، الأطفال.. أطفالها الذين يؤكدون عجزه، أطفاله الذين يؤكدون نقص ما بينهما، الآخر الذي يشاركه إياها، يفوقه حق امتلاكها، لاعتبارات واهية بمنظور الشعور، الشعور الذي كان في ظاهر الأمر لا يساوي شيئاً، لكنه هناك في العمق هو كل شيء، وفكرت هي في تلك الأثناء بالأخرى، الأخرى التي تفوقها في حق امتلاكه، والتي تخبئ هي يقيناً واثقاً بأنها تتشمَّمها هي في كل تفاصيله بشكل فاضح، لكنها تتغاضى عن الأمر، ربما لأجل الأطفال، أطفاله منها، الثقوب التي تعطِّل قلبه، تشتِّت عقله.
- هل تذكرين؟
يدفع بسؤال آخر، لا يفهم السؤال إلا هما، سؤال الشرارة، لكأنهما يعيدان من خلاله شحن أشواقهما إلى حين لقاء قادم، تتذرع فيه بزيارة جدتها البعيدة، يذهبان إلى المكالمة الدولية العارضة التي جعلت عوالمهما تتداخل، حياتها المرتبكة، وحياته الأكثر ارتباكاً، الضياع الذي اختفى ما أن وصلها صوته البعيد عندما تعثَّرت برقم واحد فقط، رقم واحد، كان الخطأ والصواب الذي وجَّه البوصلة الفارغة في قلبه، لأول مرة يكون قرارها، لأول مرة تكون قراره، وإلى القرار يهويان معاً، يسكنان القاع، يستمتعان بالانحدار، يعيدان تشكيله كل كما يرى، لا كما تكتب الأعراف وتُصر، كانا الخطيئة التي تأتي بكامل زينتها وتشع.
مدت يدها تحاول أن تصل إلى يده، بدت أصابعه على المقود بعيدة، كانت تريد أن تقول: أذكر.. فيما ابتسم هو قائلا:
- حالياً أنا سواق الهانم ولست…
ابتسمت أمام تهكمه على خدعة أنه دائماً سائق إحدى شركات التوصيل، التي ستأخذها للمطار قبل موعد رحلتها بساعات طويلة يقضيانها معا، بعد أيام تقضيها على مضض في منزل الجدة لأمها بداعي صلة الرحم كما يُقال، وبرغبة الحب العنيفة كما تُضمر، جدتها التي تُضمر لها أيضاً امتناناً خفيا؛ لأنها بفعل ذاكرتها الذَّاوية لقَّنتها ذات زيارة لهم الرقم الفارق الذي قادها إليه، فيما خبَّأت علامات استفهام متذبذبة أمام العبارة المبتورة، ولست ماذا؟ الحبيب، حبيب من؟ حبيبها هي.. وهي التي لا تملك من أمرها شيئاً، من اسمها وجسدها وعواطفها، كل ما تظهره مجرد استعارات بعيدة عما يعتمل بداخلها، لا أحد في عالميهما يقول ما يريده حقا، ما يشعر به فعلا، كل الحيوات بهما وحولهما، تبدو كمجاز مستمر.. منهك، عادت الدمعة لتطرق روحها من جديد، تريد أن تخرج، حاولت أن تدفعها بالضحكة التي قد تخنق التضمين لكنها لم تستطع.
- توقف!
قالتها بإصرار وهي تضرب كتفه، أربكته، لم يفهم تضمين هذا الإصرار، هو الذي لا يعتقد أنه قد أساء لها فهماً منذ المرة الأولى التي كسرا فيها حاجز المدن البعيدة، يوم رآها ليدرك معنى أن النقص في الروح هو روح أخرى تجوب العالم، وأن عليه أن يبحث عنها برَويّة حتى يحدث الالتحام، كان يشعر بأنها العبارات التي كان يبحث عنها تماماً، الشهيق العميق الذي لطالما أراد له أن يأخذه، الفكرة التي تمنى أن تسحبه إلى العمق، التنهدات التي لطالما كانت باردة قبل أن يحدث الالتحام ذاك، في يومها شعر بأن كل من حوله وما حولها كان قد تآمر عليه سابقاً لدفعه لتكوين حياة لا يكون فيها أكثر من مجرد دمية تؤدي حياة مفترضة عنه، الزوج المثالي في الصورة العائلية المفبركة التي نتج عنها أربعة صغار وأمهم.
- توقف!
كررتها فاستسلم متوقفاً على جانب الطريق،
ترجلت من مقعدها الخلفي واتجهت لتشغل الأمامي، لم تعد تشعر بسهام العيون المحدقة، أو أنها شعرت بلسعها وتغاضت، استقرت في المقعد الأمامي ورفعت غطاء شعرها الذي انساب طويلا على كتفيها وظهرها بسواده الداكن، كانت تبقيه طويلا؛ لأنه قال يحبه هكذا على عكس زوجها الذي لطالما أصرَّ عليها سابقا أن تبقيه إلى ما دون الكتف، رفعت كفه بحده من على المقود إلى شعرها ليتحسسه، قالت بغضب:
- هذه الخصلات كُلها أنت !