الأعلى قراءة

شاعرية السيف – آيا صوفيا

مقال: إسلام نوار

(1) التبشير بالسيف

في تسريبٍ صوتي لكواليسِ إعداد حوار صحفي بين الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي والصحفي المصري ياسر رزق،  قال السيسي إنه رأى في منامه، أنه يرفع سيفًا مكتوبًا عليه: “لا إله إلا الله” باللون الأحمر، وذلك عندما سأله رزق عما إذا توقعَ أن يقودَ الجيشَ المصري، وأضاف السيسي أيضًا أنه في منام آخر، رأى الرئيس المصري الأسبق أنور السادات يقول له: “أنا كنت عارف إني هأبقى رئيس جمهورية” فرد السيسي: “وأنا عارف إني هأبقى رئيس جمهورية”.

تصنف الرؤيا الصادقة كنوع من أنواع الوحي الإلهي طبقًا للتراث الإسلامي، وقد أكد السيسي في نفس التسريب إيمانه بفكرة الرؤيا، أي أن السيسي يعتقد أن الله يلقي إلى قلبه ويوحي إليه.

وهذا التسريب لم ينفه رزق في تصريحات لموقع جريدة الوطن، وقال إنه حدث قبل تولي السيسي رئاسة الجمهورية، وحمَّل الإخوان المسلمين مسؤولية تسريبه واقتطاعه من سياقه.

وفيه أيضًا سأله رزق عن قدوته في الحياة، فسارع مدير مكتب السيسي مازحًا قائلا إنه هتلر، بينما أجاب السيسي أن قدوته النبي محمد.

بالسيف بشر النبي محمد أهله العرب أنهم سيفتحون البلاد وأنهم كأبناء إسماعيل لهم الأرض الموعودة إذا وحدوا الله تمامًا كما وعد الله أبناء يعقوب اليهود، 

وبالآلة العسكرية الحديثة بشر هتلر العنصر الجرماني بالسيادة والسيطرة على العالم؛ 

هذا السيف الشاعري البدائي المكتوب عليه لا إله إلا الله باللون الأحمر للعثمانيين الذي عندما التقى مع الآلة العسكرية الحديثة للغرب كان من أسباب نهاية سلسال حكم خلفاء النبي محمد.

غلاف كتاب عن بطريرك القدس سوفرنيوس والذي يحتوى ترجمة رسالته المتضمنة رؤيته للغزو العربي

(2) السيف حتى في يد الملائكة

ترجمت الباحثة الإسترالية بولين إلين لأول مرة للغة حية  خطابًا إلى مجمع ديني عقد في روما من بطريرك القدس سوفرنيوس في القرن السابع الميلادي،  وفيه قال عن غزوات العرب “السراسنة” : إنهم ينهبون المدن، ويدمرون الحقول، ويحرقون القرى، ويضرمون النار في الكنائس المقدسة، ويقلبون أعلى الأديرة المبجلة أسفلها” 

وقد صدرت هذه الترجمة في كتاب يحمل اسم البطريرك.

وعن كتاب رؤية الإسلام كما رآه الآخرون لروبرت هولاند، يورد عظة لنفس البطريرك عندما مُنع المسيحيون من الحج في بيت لحم، جاء فيها: 

“إننا لا نرى السيف المتقلب المتلهب، بل نرى سيف السراسنة البربري الجامح المليء بكل التوحش الشيطاني، والآن استولى السراسنة الذين لا يؤمنون بالله على بيت لحم، وقطعوا علينا الطريق إليها، ويهددون بالقتل والدمار إذا غادرنا هذه المدينة المقدسة، وتجرأنا على الاقتراب من بيت لحم الحبيبة والمقدسة”

والسيف المتقلب المتلهب هذا هو الوارد في سفر التكوين، والذي يُحرس به طريقُ شجرة الحياة، ويضادُّ سيفَ السراسنة العرب طبقًا لسوفرنيوس.

أيقونة للعذراء تحملُ اسم المسيح بين اسمي: الله ومحمد داخل آيا صوفيا

(3) سيف محمد الفاتح

“لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيشُ ذلك الجيش” 

هذا الحديث المروي عن النبي محمد الوارد في مسند ابن حنبل والتاريخ الصغير والكبير للبخاري، والذي ضعفه كثيرون منهم المحدث السعودي محمد الألباني، فيما قال آخرون أن المقصود به هو فتح في آخر الزمان حيث روى مسلم: “يكون بعد قتال الروم في الملحمة الكبرى وانتصار المسلمين عليهم، فعندئذ يتوجون إلى مدينة القسطنطينية فيفتحها الله للمسلمين بدون قتال، وسلاحهم التكبير والتهليل” 

هذا الحديث أول من أسقطه على محمد الخامس هو شيخه نفسه آق شمس الدنيا الذي يسميه الأتراك الفاتح المعنوي للقسطنطينية، والذي استخدم هذا الحديث سياسيًا في الحشد حول محمد الخامس، ومؤخرًا في تصريحات لهئية الشؤون الدينية التركية اتهموا الذين ضعفوا الحديث أو قاموا بتأويله عكس التأويل التركي باستخدام الدين سياسيًا، 

رئيس هذه الهيئة على أرباش هو نفسه الذي ظهر متكئًا على السيف في خطبة الجمعة الاحتفالية بعودة آيا صوفيا لمسجد بعد أن كان حولها أتاتورك لمتحف في تصحيح لفعلة محمد الخامس إلذي حول هذه الكاتدرائية أكبر كاتدرائية في العالم المسيحي وقتها إلى مسجد في نفس يوم الفتح، وهذا السيف والذي يعود لمحمد الخامس، أول من ألقى خطبة الجمعة ممسكًا بسيفه في الجامع الكبير في مدينة “أدرنة” عاصمة الدولة العثمانية آنذاك قبل غزو القسطنطينية، ليكون تقليدًا متبعًا من سلاطين الدولة العثمانية لستة قرون تالية.

وافقت هذه الخطبة الاحتفالية ذكرى معاهدة لوزان التي وقعها أتاتورك مع المنتصرين في الحرب العالمية الأولى المساهمة في تأسيس دولة تركيا القومية الحالية وذلك بعد أن سقطت أراضى الخلافة العثمانية بما فيها أجزاء واسعة من تركيا الحالية، هذه الخلافة العجوز التي أجتاحها التخلف العلمي في مقابل الغرب صاحب الثروات العلمية وقتها التي ساهم فيها علماء القسطنطينية الذين فروا لأروربا بعد غزو محمد الخامس، لتدور دائرة القوة، يستخدمها هذا ضد ذاك، ليعود ذاك ليستخدمها ضد هذا، ولا يريد أن يفهم الملوحون بالسيف دائمًا أن ليس هناك رقاب في أمان من الذبح؛

معاهدة لوزان هذه يعاملها أردوغان وأتباعه معاملة هتلر وأتباعه لمعاهدة فرساي التي ساهمت في اشتعال الحرب العالمية الثانية.

4) لله نفسه سيف

“اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد”

من كلام النبي محمد

في صحيح البخاري أن النبي محمد بعث قائده العسكري التاريخي وسيف إلهه المسلول إلى قبيلة بنى جذيمة، داعيًا إلى الإسلام لا محاربًا، في سرية من المهاجرين والأنصار وقبيلة بني سليم، وأن بني جذيمة ألقوا سلاحهم إذ عرفوه، وقالوا إنهم صبأوا، وفي روايات أخرى أسلموا، والفرق بين الاثنين أن صبأوا فيها شيء من الأنفة والتعالي عند الحديث عن الإسلام، فما كان من خالد إلا أن أسر منهم وأمر أصحابه بقتل الأسرى، فقتل بنو سليم – الذين كانوا على عدواة مع بني جذيمة – أسراهم، ورفض من المهاجرين والأنصار قتل الأسرى، وفي المرويات أيضًا أن من بني جذيمة من قتل أهلًا لخالد، ففعل ذلك انتقامًا لأهله، فلما وصل هذا الأمر للنبي محمد تبرأ من فعلة خالد ولم يعاقبه، وبرر المسلمون هذا أنه قتلهم مجتهدًا متأولًا، عدم العقاب هذا لا يمكن وصفه إلا بالانحطاط خصوصًا إذا كان صادرًا من نبي يقول كما أورد البخاري: «إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»

وستجد دائمًا التبريرات لا الاعتراف بالخطأ طالما حل المقدس المعصوم محل البشري.

(5) الشاعر والسيف

لحافظ إبراهيم قصيدة يستنكر فيها تحويل آيا صوفيا لمتحف مطلعها “أَيا صوفِيا حانَ التَفَرُّقُ فَاِذكُري/ عُهودَ كِرامٍ فيكِ صَلّوا وَسَلَّموا”

ويحذر فيها من أنها خطوة لعودتها لكنيسة مؤكدًا أن الإسلام أكثر كرامة من المسيحية

فَلا تُنكِري عَهدَ المَآذِنِ إِنَّهُ

عَلى اللَهِ مِن عَهدِ النَواقيسِ أَكرَمُ

حافظ إبراهيم

ويدعو أن يظل المسجد الأقصى في أمان “تَبارَكتَ بَيتُ القُدسِ جَذلانُ آمِنٌ/ وَلا يَأمَنُ البَيتُ العَتيقُ المُحَرَّمُ” ، هذا المسجد الذي احتله اليهود بعدها بسنوات قليلة بزريعة دينية سياسية، والآن يصرخ المسلمون من تهويد مدينته، أو حتى هدمه ليقوم على أطلاله هيكل سليمان.

السيف أصدق أنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

الشاعر أبو تمام

عارض شوقي هذه القصيدة بقصيدته في مدح أتاتورك الذي ألغى الخلافة مشبِّهًا إياه بخالد ابن الوليد:

الله أكبر كم في الفتحِ من عجبٍ

يا خالد التركِ جدد خالد العرب

أحمد شوقي

جماليات اللغة هذه عند شوقي وحافظ تحمل خلفها نعرات طائفية وعقول قرون وسطى، في وقت كان على الشاطئ الآخر قبلهما بعشرات السنين شعراء كبودلير ورامبو ليس بخفي ما يكتبه أمثالهم عن شوقي الذي عاش فترة من حياته في باريس، لكنهم كانوا غارقين في شاعرية السيف.

(6) مدنية العمارة الإسلامية

في قصيدة لأبي العلاء المعري يوضح المقابلة بين الدخول في الإسلام أو ضرب الأعناق بالسيف، فقال:

قَد أَسلَمَ الرَجُلُ النُصرانُ مُرتَغَباً

وَلَيسَ ذَلِكَ مِن حُبٍّ لِإِسلامِ

وَإِنَّما رامَ عِزّاً في مَعيشَتِهِ

أَو خافَ ضَربَةَ ماضي الحَدِّ قَلّامِ

أبو العلاء المعري

وكما تحولت آيا صوفيا إلى مسجد وتم دهن بعض الأيقونات المسيحية فيها وبقى حتى الآن أيقونات أخرى، فإن مساجد ومباني المسلمون الفاتحون الأوائل ولقرون تلت كانت يستخدم في بنائها عناصر من مبان قديمة، على سبيل المثال أعمدة مسجد عمرو بن العاص التي تم أخذها من كنائس وأديرة قديمة أو كنائس قام المسلمون بهدمها وذلك وفقًا لروايات كثيرة مثل الخطط المقريزية، والزعم بأن العمارة الإسلامية ذات طابع مدني شيء لا يمكن تصوره، والأوفق أنها سياسية دينية، لا يختلف في هذا المسلمون عن باقي معاصريهم أو سابقيهم منذ انتقال التجمعات الإنسانية من قانون شيوع الثروة البدائي إلى قوانين الملكية والعبودية الحاكمة لطبيعة العصور الوسطى.

أعمدة جامع عمرو بن العاص المأخوذة من الكنائس
زر الذهاب إلى الأعلى