الأعلى قراءة

كيف سيغير مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس خارطة المنطقة؟ مشاعل بشير تكتب

فجر أحد أيام الأسبوع الأول من السنة الجديدة، لم ينم العالم على خبر مقتل قائد فيلق القدس، الجنرال الإيراني قاسم سليماني، بواسطة طائرة درون أمريكية، نفذت الاغتيال ببراعة فنان وضع اللمسة الأخيرة على لوحة أسطورية الجمال…

حتى إن كنت غير يقين بمن هو قاسم سليماني، فإنك بالتأكيد بحثت عنه، ربما كنت من عشاقه وحزنت عليه، أو حاقدًا شمتَّ بموته بسبب اكتشافك مسؤوليته عن مجازر في سوريا واليمن والعراق، وانحدار لبنان، بل وأن يده عبثت في جثة ليبيا.

لذلك، لن أسرد هنا تاريخ هذا السفاح، لكن سأخبرك كيف سيغير مقتله خارطة طريق المنطقة وتقسيم القوى فيها.

بعد موته بأقل من أربع وعشرين ساعة، أعلنت إيران اسماعيل قاآني خلفاً لسليماني. وخلال تشييع جثمانه، قتل أكثر من ٥٠ ايرانيا بسبب تدافعهم في جنازته. وبعدها بأربعة وعشرين ساعة، أعلنت إيران ضرب قاعدة عسكرية أمريكية جديدة “لتدمير آليات عسكرية وليس استهداف جنود أمريكان” لتؤكد أن انتقامها لاغتيال سليماني قد تم على أكمل وجه… وهو انتقام هزيل للغاية! 

فضح الانتقام الإيراني، كما تصفه طهران، ضعف قدرات الجمهورية الإسلامية في مواجهة عدوها اللدود، واشنطن. وظهرت كديكٍ يصيح أو يندب، بدلًا من الصقر الذي صورته لنا إيران على مر عقودٍ… وهذا أول آثار مقتل سليماني، فهو العامود الفقري شديد البأس للمحور الإيراني في المنطقة، الذي يهاب خبثَه وحنكتَه العسكرية الكيانُ الصهيوني. 

مقتله عرَّى حقيقة ضعف القدرات العسكرية والاستراتيجية لإيران.

الأثر الثاني لرحيله سيكون ضعف أذرع إيران في المنطقة؛ حزب الله بفرعيه العراقي واللبناني، الحشد الشعبي في العراق، الحوثيون في اليمن، نظام بشار الأسد في سوريا. المرشد الأعلى لإيران، خامنئي، أمرهم بعدم التعرض للأمريكان وقواعدهم العسكرية وسفاراتهم وحتى المدنيين منهم، فما كان الرد إلا السمع والطاعة. وهذا يدل أن إيران وأذرعها في المنطقة ليسوا بقوة الرد الامريكي، ولا يملكون الجسارة الكافية لمواجهتهم… الأمر الذي سيأخذنا للأثر الثالث… المفاوضات بين واشنطن وطهران قادمة لا محالة، وستخضع إيران للمطالب الأمريكية – طاولة مفاوضات غير مشروطة من الطرف الإيراني – التي لطالما دعا إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونصب عينه على قدرات إيران النووية، الذي يرعب الكيان الصهيوني، لكن إيران تمنعت وتعنتت. ذلك لأن أهداف فيلق القدس بقيادة سليماني كانت تتحقق منذ نشأتها في عام ١٩٩٨ وبسط هيمنة المحور الإيراني على المنطقة لأكثر من ثلاثة عقود. 

إلا ان المفاوضات الأمريكية الإيرانية ستضع حدًا جديدًا لهذا المحور، وقد يكون كبشُ الفداء أحد أذرع إيران في المنطقة؛ برأيي المتواضع ربما مليشياتهم في لبنان أو العراق أو نهاية حرب اليمن… لكن ليس سوريا. 

الأثر الأسوأ لمقتله هو ضمان ترامب بقائه في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى… أجل يا عزيزي، سيعاني العالم من هذا المهرج الشرس لأربعة سنين أخرى بعد أن كان عزله أقرب من حبل الوريد. وبعد عودة ترامب، وتقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، ستضع الولايات المتحدة ثقلها في حربها الاقتصادية مع الصين. 

روسيا، حليف إيران الذي اكتفى بتنديد اغتيال سليماني، الرابح الأكبر في كل هذه المعادلة سواء وافق حلف شمال الأطلسي نشر قواعد له في الشرق الأوسط أو امتنع.

 تذكروا فقط من ساهم ودعم وصول ترامب للبيت الأبيض في عام ٢٠١٦، وسيفرح طبعا لبقائه. إذًا، لا حرب عالمية ثالثة ستحصل، وروسيا ربحت أخيرا معركتها مع الولايات المتحدة وستحافظ على هذا المكسب، أحد محاور إيران سيتم التضحية بها لتجنب مواجهة مع واشنطن، قد ينتهي فصل الأزمة السورية أو اليمنية ليشتعل فتيل حرب في جبهة أخرى.

أردوغان (القائد الخيالي لدولة الإخوان الخيالية) سيبحث عن صديقٍ جديد بعد ضعف إيران، وبالتالي سيعود الإخوان إلى جحورهم، لاسيما وأن الأزمة القطرية السعودية في طريقها إلى الحل… 

ولمن يترحم على فيلق القدس، وتحريرها، أودّ أن أزف له حقيقة أن فلسطين لم تكن سوى ذريعة لتمدد المحور الإيراني الإخواني في المنطقة، فطوال ثلاثة عقود قُتل وشُرِّد فيها ملايين العرب، خصوصًا في سوريا واليمن، لم يقم فيلق القدس بعملية عينية واحدة لتحرير فلسطين المحتلة!

ولمن مازال يبكي على سليماني، أتمنى لك شهادةً تأخذك إليه، ولا أعتقد أنها الجنة بحور عينها التي وعدكم بها… ما سنحصده من رحيله ماهو إلا تغير شكل الدمار ومكانه، أي تغير نوع اللعنة التي أسقطت على هذه البقعة من الأرض، مهد الحضارات ومطمع العالم، من الغرب إلى الشرق مرورًا بالفُرس.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
0:00
0:00