يناير مصر – تشرين لبنان – جسدٌ منفلت

كتبت: إيمان السباعي

ذكرتني صورة فتاة لبنانية ترتدي تي شيرت يكشف عن أعلى صدرها مطبوع عليه كلمة “ثورة” في إحدى المسيرات التي جابت شوارع لبنان منذ 17 تشرين بأحد شعارات ثورة 25 يناير 2011 ..”صوت المرأة ثورة” وذلك في معارضة واضحة للسلطة الدينية المتمثلة في التيارات الأصولية التي اعتبرت “صوت المرأة عورة”.

 كانت حملة اعتقالات جديدة طالت سياسيين ونشطاء ومحامين وكتاب بل وصلت إلى حد اعتقالات عشوائية للمواطنين في مصر قبل اندلاع ما بدأ تسميته بحراك الشارع اللبناني، وهو ما رفضه المتظاهرون مؤكدين على أن ما يحدث ثورة وأنهم لن يتركوا الساحات حتى تكتمل ثورتهم وتحقق مطالبها.

شوارع وسط البلد في القاهرة مغلقة تمامًا.. لا مقاهي ولا محال..  لجان تفتيش في القاهرة ومحافظات أخرى تستهدف الهواتف الشخصية في انتهاك صارخ للحريات..الاعتقال قد يحدث في الشارع أو وأنت تلازم البيت أو حتى في مقر عملك..جنون مسعور.. اختفاء قسري لأصدقائي واعتقال آخرين عاد بي هذا إلى رؤية الكوابيس التي كانت تزورني على فترات متقطعة..كوابيس عشتها بالفعل : في كوابيسي جمعت الكثير من الرصاصات الطائشة التي أخطأت طريقها إليّ وإلى آخرين امتلأت بهم ميادين الحرية في مصر، الجثث، أصدقائي القتلى، صراخ صراخ صراخ، العيون المفقوءة والمسيرات التي كنا نتبع فيها الجثامين من المشرحة إلى المقابر..بعض هذه الجثامين لم يستدل على أصحابها.

الخروج من هذا المشهد الكابوسي يحدث ببطء..في غرفتي كان لدي كل الوقت وهواء قليل وآلام متفرقة يعانيها جسدي لا أعرف لها سببًا واضحًا..كان يجب أن تحدث..الثورة. 

ربما لهذا السبب تخليت عن حذري وعدم انفعالي اللذين ورثتهما بعدما آلت إليه ثورة يناير وأنا أتابع ثورة لبنان، على عكس ما حدث لي في أثناء متابعتي للثورة في السودان أو الجزائر..تابعت بشغف ما أعاد لي ذاكرة يناير كاملة..ذاكرة الحلم لا الكابوس. 

اتسعت ساحات لبنان لغضبي.. تشبه ميدان التحرير..حياة كاملة؛ الساحة أو الميدان  بيتي. مشاهد أقرب إلى ما حدث في مصر يناير.  فُتنت بصور المتظاهرات، جميلات جدا واثقات لسن مذعورات رغم ما يواجهنه من خطر حتى مع البكاء والصراخ بدون لي قويات للغاية متحديات يشتبكن بعنف يرقصن يستخدمن الشتائم والنكات الساخرة التي تكسر تابوهات الاحتشام الذي يجب أن تتحلى به المرأة.. رفعت متظاهرة لافتة تقول “هذا الوطن sexyكل شيء فيه يشعل الثورة”..لا أحد له سلطة على هذا الجسد الوحشي الغاضب الذي يحب نفسه وهذا الصوت الذي يعرف ماذا يريد.

من بين كل الأسباب السياسية والاقتصادية والنضالات الطويلة للحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدني في مصر كان رفض الجسد محاولات انتهاكه من قبل السلطة السياسية هو ما فجر ثورة يناير متأثرة بما حدث في الثورة التونسية التي أشعلها الشاب بوعزيزي الذي أشعل النار في جسده احتجاجًا. 

أذكر جيدًا قسوة وبشاعة صورة الشاب خالد سعيد بعد مقتله تحت التعذيب على يد أفراد من الشرطة المصرية..الصورة صادمة جدًا تبعتها موجة من التظاهرات الغاضبة خصوصًا في منطقة سيدي جابر حيث منزل خالد. شارك شعب الإسكندرية كله في سلاسل بشرية على امتداد الكورنيش بملابس الحداد السوداء غضبًا وحزنًا، ودشنت صفحة كلنا خالد سعيد على فايس بوك وانضم إليها الآلاف.لم تكن تلك الحادثة الوحيدة فبطش أفراد الداخلية المصرية وحالات التعذيب في مقرات أقسام الشرطة كانت قد شكلت ظاهرة غير مسيطر عليها؛ لذا كان اختيار 25 يناير وهو عيد الشرطة المصرية تاريخًا لبدء الاحتجاجات التي تصاعدت حتى الهتاف الكبير”الشعب يريد إسقاط النظام”.

قبل ثورة يناير وبعد مقتل خالد سعيد كنت أجرب لعبة مخيفة: مشاهدة ما تم تسريبه من فيديوهات لمواطنين يتعرضون للتعذيب. كنت أريد أن أختبر جسدي في لعبة الألم أن أعتاد على شيء كهذا أن أضع جسدي مكان الشخص الآخر الذي يتعذب ويئن ويهذي ويشتم..لم أعتد قط ولم أتوقف عن تعذيب نفسي..في اللعبة كنت أتعذب من أجل أشياء أحببتها وآمنت بها كالحرية لكن مع متابعة الأجساد المعلقة من الأقدام التي تتأرجح صارخة كنت أنسى لمَ أنا هنا ومن أجل ماذا أتعذب؟ كنت أريد لهذا أن يتوقف كنت ضعيفة وخاوية وهذا أخافني أكثر من تخيل حدوث ذلك لي في الحقيقة.

هل يمكن للجسد أن ينتصر على رعب كهذا؟ 

نعم.بالثورة وحدها. الثورة على الأنظمة التي تنتهكه وتهدد حياته بتجويعه وتعذيبه بأسلحتها، بإهانته وقتله على الطرق غير المؤهلة أو المستشفيات التي لا يجد فيها سريرًا خاليًا فيموت على عتباتها. رأيت هذا بعيني في يناير لا في الصور بل في في الشوارع.. بالتأكيد ستتذكرون تلك الصور للأجساد الحية؛ حركتها المشبوبة المتوترة الغاضبة أجساد تقف عزلاء في مواجهة سيارات الأمن والنار، أجساد تطير لتعبر إلى الجانب الآخر من الاشتباكات، أجساد مصابة تنزف لكن يبدو أنها تقاوم داخليًا سقوطها وتستمر في العَدْو.

لا أريد أن أتحدث عن الثورة من منظور نسوي لكن إذا كانت الأنظمة تحاول السيطرة على النفس عن طريق إخضاع الجسد فلجسد المرأة خصوصية لكونه مكان التقاء سلطات عدة تتنازع من أجل السيطرة عليه..ظهور المرأة في الميادين يرهب كل هذه الديكتاتوريات..في يناير تعرضت النساء بعد ال18 يومًا لانتهاكات غير مسبوقة من اعتقال وتعذيب وتحرش ومحاولة إهانة الجسد و”كسره” بكل الطرق كان أبشعها ما عرف بكشوف العذرية التي كانت صوتًا لكل هذه السلطات: السلطة الدينية التي تحجب الجسد وتعتبره موضع فتنة وشرور يجب إخفاؤه ومحاكمته والسلطة الأبوية التي تقيده بالخوف من هتك الشرف وجلب العار والسلطة السياسية التي تنتهكه لإسكات صوته إلى الأبد.

في فترة حكم المجلس العسكري ثم الأخوان المسلمين قاومت أجساد النساء كثيرًا ما تعرضن له من إرهاب وانتهاك كحادثة فتاة مجلس الوزراء”ست البنات” أو انتهاكات الأخوان ضد النساء اللائي شاركن في حملة أخوان كاذبون..صديقتى تعرضت للتهديد بالقتل من قبل أحد المتشددين وقت استفتاء مارس لأنها كانت تدعو إلى “لا”..كانت هناك معارك أخرى تدار كل يوم..فتيات تحدين سلطة الأب..فتيات قررن أن جسدي لي وحدي وحر في تجربة الحياة والحب والجنس ولن يخضع للمحاكمة..دشنت حملات ضد التحرش مثل امسك متحرش أو قطع إيدك رافضة الصوت القديم الذي يدين المرأة “ايه اللي وداها هناك؟”. قرابة عشر سنوات مرت على ثورة يناير ولم ينج من هذا الإرهاب سوى الأجساد التي تحررت إلى الأبد كجسد صديقتي شيماء الصباغ التي قتلتها عين القناص بأمر من سلطة فشلت في السيطرة عليها.

نساء لبنان يدركن قوة أجسادهن ولا يخجلن منها ففي تجربة الألم “يتحول الجسد إلى صوت”..ويجب أن يكسر الصوت كل الأطر. في مصر حفظنا أغنية الأولتراس ” مش ناسيين التحرير يا ولاد الوسخة” على إيقاعها كنا نقفز مرات متتالية سريعة ضد جاذبية الأرض ثم نعود إليها مؤكدين حقنا في العيش بحرية أكثر.

الجسد في الثورة تحول إلى لوحة تشكيلية إلى حائط للرسم إلى صرخة إلى كتابة إلى هوية الفرد التي لا تبلعها الحشود رغم أنها تتشكل داخل هذه الحشود، الجسد الثائر للفرد وللحشد هو الجسد المرتجَل المكشوف غير المكترث ببقائه، في مواجهة جسد الديكتاتور الذي يُعتنى به جيدًا ويُلقّن لغته. 

في فيلم The Pianist لم يتوقف عازف البيانو فلاديسلاف شبيلمان عن العزف وحده وسط الخراب في مدينة مهدمة يعزف مقطوعاته وسط جمهور وهمي على بيانو وهمي.. ربما هذا ما نفعله الآن في مصر.

ننحاز إلى، ونحب، ما يحدث في ساحات وشوارع لبنان وساحة الحرية في بغداد والمقاومة في سوريا التي لم ترهبها وحشية أردوغان..وننتظر.

الأوهام – إيمان السباعي

الأوهام : كائناتٌ عذبة تطرق الأبواب في موعدٍ مناسب بالضبط ..في الموعد الذي يسبق إقدامنا على الإنتحار للمرة الثانية تقنعنا

يهدف إصدار جسر نحو أدب العالم لتسجيل أكثر من 10 ساعات من مختارات الأدب العالمي، وإصدار التحولات: أنطولوجيا الشعر العربي المعاصر أكثر من 15 ساعة من الإبداع العربي الغني والفريد. أما “ما يطلبه المستمعون” فهو لتلبية رغباتكم وفقًا لشروط معينة تجدونها على هذا الرابط.