راينر ماريا ريلكه – من سونيتات إلى أورفيوس

1- 20

لكنْ ما الذي يمكن أنْ أكَـرِّسَه لك، سيّـدي، قـُلْ،

يا مَنْ علـَّم المخلـوقاتِ أنْ تسمـعَ ؟-

تـَذكّـُري يـومَ ربـيعٍ،

مساءَه، فـي روسيـا، حصـاناً…

.

عَـبْـرَ القـريـة جـاء الحصـانُ الأبيضُ بمفـرده،

والوثاق على قائمته الأماميّـة فوق الحافـر،

ليقضـيَ اللـيلَ في الحقـول وحيـداً كمـا يشاء؛

كيف لطَمَتْ خُصلـةُ لـُبْـدتِـه

.

رقَـبَـتـَه في إيقـاع حَمـاسيٍّ

بـعَـدْوِه المُـعَـوَّق المُـقَـيَّـد.

كيف نَطَّت مجـاري دم الحصـان!

.

تَحَسّسَ المسافـاتِ، وآه!

غَـنّـى وأصغـى-، تَكـرارُ قـولِـكَ

كان مَختومـاً فيـه. صـورتـُه : أكَـرِّسها لـك.

.

1-25

لكنِ الآنَ أنتِ، المُختَطَـفة َ، أنتِ التي عرفـتُ

مثـلَ زهرةِ، لا أعرف الاسمَ منها،

أريد أنْ أتذكّـرَها مرةً أخرى وأ ُرِيَـهمْ إيّـاها،

الرفيـقةَ الحسناءَ للصَّيحـةِ الجّـامحـة.

.

راقصـةٌ أولاً، جسمها مُمـتلِـئٌ تَـردّدأ،

توقَّـفتْ فجـأة ً، كما لو صَبَّ أحدهمْ شبابَها في قالب نحاس؛

معانية ًومُصْـغِـية ً-. وهنا، من القِـوى العُـليـا

سقطت الموسيقى في قلبـها المُـتَبَـدِّل.

.

قريباً كان المرض. تغـلّبت الظِّـلال وضايقت بعـَتـمَتِها

مجرى الـدَّم، ولكنْ كما لـو كان مُـتـََّهـماً هـارباً،

تدفـقَ قُـدُماً في ربيـعـه الطَّبيـعيّ.

.

مرة أخرى، مرة أخرى، مُـتَقـدِّماً مُـتوقِّـفاً بين عَـتـَمةٍ وسُـقوط،

أومضَ حـياة ً. وبعـد خَفـَقـاتـه الرَّهـيبـة

دخـل البابَ المفـتوحَ المُـوحِـشَ.

1 – 26

لكنْ أنتَ، الربّـانيَّ، أنتَ، المُدنـدِنَ حتّى النهاية،

الذي أدركه حشدُ المِنـاديّـاتِ المُستهتِـرات،

أ ُخمِـدتْ صيحاتُـهـنَّ بتـراتُب، أيها الجميـل،

وارتفـع عـزفـُك البنّـاءُ منْ بين المُـدَمِّـرات .

.

لم تكنْ واحدة هناك استطاعتْ أن تُحطِّم رأسَك وقيثـارتـَكَ.

كيف أنَّهن قَصَـفـْنَ واستَرحْنَ، وكلُّ الحجارة الحادّة،

التي صَوَّبْـنَها إلى قلـبك،

صارتْ ناعمـةً عليـك وحَظِـيَتْ بسُمـاعٍ.

.

وفي النِّهـاية مَـزَّقْـنَك، مُتَـأجِـجْـنَ للانتقـام،

بينمـا بَـقِـيَ الرَّنـيـنُ في أسودٍ وصُخـورٍ

وفي الأشجار والطّيور. هناك لا تزال تغـنّي الآنَ.

.

آه! أيّـها الإلـه الضّائـعُ، أيّـها الأثـرُ الأزلـيّ!

لأنَّ العَـداوةَ وحدها قَطَّعَـتـْـكَ أخيـراً إربـاً إربـاً،

نحن الآن المُستمِعـون وفـَـمٌ للطبيـعة.

*

ترجمة : د. بهجت عباس

* من مجموعة ( مراثي دوينو وسونيتات إلى أورفيوس – فيشون ميديا )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى