تعلمت السرقة – أحمد الرشيدي

تعلمت السرقة في سن مبكرة . لم تكن مقدرة الأسرة التي غاب عائلها تفي نزق الولد الصغير و تسد جشعه ، كان عليه أن يسده بنفسه .

كان كرم العنب المسيج بالتين الشوكي و شوك النخل أول ما وضع الأشقياء الصغار أرجلهم الحافية في جنته الممنوعة . تختلنا كالقطط الجائعة و زحفنا على بطوننا ، كانت عشبة الحلفاء تترك خطوطا حمراء فوق جلودنا نصف المكسوة بالثياب القديمة . الليل ساكن و حارس الكرم يتعشى في حضن زوجته . لم يكن مبرر للزحف إلا الخوف ، و لم يدفعنا للمواصلة إلا عضة الجوع

لا رفاهية مع الجوع . أكلنا العناقيد الخضراء قبل الناضجة ، ابتلعنا البذور مع اللب الطري ، كانت الحبات تسقط في فم الحرمان

عدنا مرة و مرة و مرة ، أكلنا من كل بستان صادفنا ، أقلعنا عن الزحف ، و عن الخوف ، قفزنا كالغزلان فوق العشب ، و تقاذفنا بحبات المانجو بدلا من الكرة القماش المحشوة بالفقر . كسرنا أقفال الدكاكين و أخذنا كل شئ إلا المال ، كان سخيفا جدا بجوار كل هذه الحلوى التي لم يتاح لنا الشبع منها مرة أبدا
كنا نذهب لنسرق المتعة ، و نرمي البراءة التي لا تقيت ، و الفضيلة التي لا تشبع بطنا ، عميقا في جدول الماء و نحن نعبر للحياة الحلوة و نضحك ، حتى إذا جعنا أكلنا من رزق الله

ذقت طعم اللذة المحرمة ، الرعشة الباردة أسفل عنقي ، و دفقة الأدرينالين التي طيرتني من على الأرض و أنا أفر من عصا الغفير اللاسعة
سرقت الكرم والنخل ، الحبحب والرمان ، حتى الفول النابت في أوقات القحط . سرقت الكتب و القبلات و رائحة الچاوا من أجساد الحلوات الأكبر سنا

ونسيت في غمرة جوعي أن أسرق كيسا من الحب لساعة موحشة كهذه الساعة .

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
تغريدة
Share on whatsapp
واتس

شراؤك لأحد إصداراتنا الصوتية، يُمكِّننا من تطوير الإنتاج. يهدف إصدار جسر نحو أدب العالم لتسجيل أكثر من 10 ساعات من مختارات الأدب العالمي، وإصدار التحولات: أنطولوجيا الشعر العربي المعاصر أكثر من 15 ساعة من الإبداع العربي الغني والفريد. يمكنك الحصول على نسختك الآن بسعر رمزي، ولك التحديثات القادمة تلقائيًا، وللأبد، والمزيد من الإصدارات ستظهر تباعًا.