رسائل من الأندلس_عائشة بنيس *

- ليست دُموعا ما يتساقطُ مِن عينيّْ وإنما هي، رسائلُ العالم إلـيّ

– لم أستطع أن أمنع الموت عنكِ
ولكني أبذلُ جهدي
لأَحرُس أحلامكِ

– هكذا أمضي في الليل
مُلتحفة بالطريق
مخافة أن تعبُر
وأنا نائمة !!

– كل هذه السُّيول يا أمي
كانت فقط..
لأنني ولدتُ في فصل الشِّتاء !!

– طارت العصافيرُ بعدكِ يا أمِّـي
وجفَّ النهر الذي..
كان يجري إلى الشجرة !

هي دمعةٌ تحجَّــرت
على عتبةِ عينٍ
مذهولــةٍ
من بشاعةِ الحياة !!

– الأصدقاء يمُوتون
يموتون دائماً
مع أنهم كل يومٍ
يكتبون على جُدرانهم:
نحنُ بخير !

– ليست دُموعا
ما يتساقطُ مِن عينيّْ
وإنما هي،
رسائلُ العالم إلـيّ

– أنا ايضا ولدتُ
وفي فمي مِلعقة
مِن ألم..

– لم يذكرني أحد
عندما وزعوا سلال الفرح
وحين حضر الحُزن بقامته الشاهقة
كلهم أشاروا إليّ!!

– كلما اقترب الموتُ مِنـهم
نهضتُ من قبري
لـِ ألحق بهم

لافكرة لي
أسندها إلى هذا الجدار
لا جُدران لي
أعلق عليها هذه الأفكار !

– كل ما نمُــرُّ به..
يبقى عالقا في الذاكرة
بعضه أرجوحة..
وبعضه مشنقة !!

– كل
مساء
ابكي
ورقة
ساقطة !!

– أكادُ أبصر جدرانه
هذا العالم غرفة ضيقة
تؤثثها جماجم كبيرة
ومرايا مكسورة

– صـلِّ لأجلـهم
أولئك الذين عاشوا
بقُلوبٍ ميِّـتة….

– الصَّخرةُ لا تبوحُ بِسرِّها لأحد
حتّى للمطر
وهُو يُعِيدُ تكوِين وَجعها

نافذةُ الليل مُشرعة على مصراعيها
مَن يُواربُ دفتيْها
ولو قليلا

– ما بيننا ليس فرحا عابرا
وإنما جداول حُزنٍ
تعتق في مطامِر الأيام

– هذا الصمتُ
عواء
داخلي

– كم قصيدة حُب
كتبتُ بِحروف اسمه
حتى أكملتُ
أربعون صيفا
وسِرب حمام !!

– روحي مربـوُطة
بساقِ حمامة
سافـرت إليه !

– عكس عقارب الساعة
أدور حول قلبك
وأردد: لبَّــيك

– إذا خذلـني الـغيـم
لي ذاكرة حبلى
وحقول من الدمع

– بيني وبينك غيوم مُكابرة
لن تُمطر
أبداً

– المساءُ المختومُ بنجمتـك
هُو عمر كامل

– قاب لهفتين أوْ أدنى
وأصيرُ
بين شفاهك لحنا

– كل الوُجوه المُستقيمة أمامي
أراها مائلة إلى الوراء
وحده وجهُك يسبقُني إليّْ

– لستُ التاء المربوطة في آخر كلِماته
لستُ عطر قصيدته
ولكنه سيبقى أبداً
الضمَّةُ المرفوعةُ
في آخر القلب

– من هُنا مرُّوا
تركوا رائِحةَ تبغهم
وبعض الحنين
وغابوا

– حين التقيتُه
في القطارِ الاخير
لم أعلم
أني بعدهُ
لن أسكن إلا المحطات!!

– لو يعرف القطار
سِحر الالتفاتة
و رِقَّة الأكف المُلوحة !

– أستعيرُ أصابع رسَّام مُحترف
أستعيرُ ألوانه،
وأقفُ أمام المرآة طويلاً
أردُّ عن ظِلالِ حُزني
شهقة الآخرين !!

– الغربة: أن تفتح فمك للمطر
فتبتلع الريح صوتك!

– هذا البابُ الكذّاب
كم أسمعني طرقاً
بِقبضةِ يدك !

– وحدهُ الغريبُ
يضعُ زهرة بنفسجٍ
على شُـبَّاكِ بيتـِي

– صديقتي الفراشة
بكَـتْ على صدْر الليلِ
فانوساً أعمى

– الفراشةُ التي سقَطت
في كأس الشمع
لمْ تحترق
ولكنها علقت
هناك

– وأنتَ تُمشَّطُ نيران القلب
إحترس..
أن تعلَـق أسنان المشط
بين تِلال الرمَّــاد !!

– النَّـارُ التي تَسري في شراييني
لا تلتفت أبدا
إلى تِلال الرَّمــاد !

– يُولدُ الشاعر
من الماء
ليَـمُوت عطشاً

– كأني أراكَ تحملُ روحي
في حقيبةِ
وأراني أغرسُ أظافري
في الجُدران

– قبل أن تمضي..
علّق على نافذةِ الليـلِ
مصباحاُ صبوراُ

– كيفَ لي أن أنساك
وقلبي كُتـلةٌ من عِشقٍ
وحلمٍ
وغضب ؟!

– لي مِن اسمك تعويذة
تقيني
همس الليل

– الدولابُ سيبقى هُنا
وحدها الملابسُ
تُضلِّلُها الحقائب

– حين أبكي بين يديهِ
أصيرُ نهـراً

– حين تنكسِرُ أمواجه على قدمي
حين أغـُوصُ في رماله
أصيرُ لُؤلؤة

– أعطِني يـدك
كيْ أُغمضَ عيني
وأتبعَـك

– في المساء تتعرى ذاكرتي
كأشجـارِ الخريف
لِـتلبسك أنت وحدك

– السَّـفر في عينيك
يحتاجُ أشرعة عالية
وأنا امرأةً..
تكسِـرُني الرِّيح

– كم مِن سفرٍ في ذمتك أيتها الريحُ
وكم مِـن شوقٍ
وكم من سلام !!

– أعبرُ العُمر
بِحُلم أعرج
يستقيمُ في عينيك

– ما الحياةُ إلا
حوارُ حذاءٍ
ورصيف !!

– ظلّك الذي رافقني
في الممرات البعيدة
حين غابت الشمس
خذلـنيِ..

– آن لي أن ألتفِت إلى ظِلـِّي
أتأبط ذراعه
وأمضي..

– مُرتبكة،
كورقةٍ وحيدة
معلقة في غُصن يابسٍ
تحت سماء غائمة !!

– يتلُو على التُّـراب حُروف جُوعهِ
يُلـملمُ سَكينَة الأموات
يُلملِمُ أحلامهم
ويَعودُ إلى الأحياءِ
مُثقلا بِحملهِ

– يَحرُس الليل بعينِ ذئبٍ موجوع
يُلملـِمُ سوادهُ عند البُزوغ
يتأبّـطُ حِكمتهُ،
ويمضي في انتظار
ليلٍ جديد

– وهو ينعطفُ الى شارع جانبي
في مدينة العمر،
الْتفت إلى الوراء
حدّق في البعيد.. البعيــد
وتهتم:
كم كُنتَ وحيداُ يا قلبي
كم كنتُ وحيدا يا أنا!!

– هذا الطريق الذي كان لنا
صار لغيرنا
لوِّح لهُ
ونحنُ نميلُ
إلى المُنعطف الإخير

– مُخيف هذا التصحر
الذي بدأَ يزْحفُ عليها
ومرعبٌ جمُودهُ
أمام معالم الصحراء

– لمْ ترجع الصّيف
لن تَعرق كفّ المِنجل
والخوابي..
لن تُغلقَ أفواهها

– صِرنا نلتقي فقط على هامش التقارير
يأخُذنا الحديث عن الحروف الفخمة
وننسى الفواصل والنقط
ثُم تفترق مزدحمين بعلامات التعجب

– أنا الطِّفلةُ التّي كنت تُمسك بيدها
لِتقطع الطريق
لماذا حين ظننتَ أني كبرْتُ
سحبتَ يدكَ
وتركتَ الطريق يقطعُني؟!

– يَحضنُ كفها
لـِ يعبُر معها الطريق
تُمسكُ بذراعِه
لـِ تعبُرَ به الطريق

يمضيان معاً
ويظلُّ بينهما الطريق!!

– أشتاق أن أرسم بالطباشير مُربعات على الأرض،
ثم أقفزُ عليها بقدم واحدة..
وحين أعودُ الى البيت، أطل من نافذتي
لأرى كيف تمحو خطوات العابرين
آثار الطباشير !!

– أعطوني زقاقا دافئا
أرسم فيه بيتاً
يُشبهُ بيت جدَّتي

– الأزقة دفاترُ المدينة
والخطواتُ
حبرها

– أعطوني خيطاً أبيض
لأُرتّق
جُيوب المدينة

– تأبطتُ قدمَيْ ودخلت..
المدينةُ التي سقطَ رأسِي فيها
المدينةُ التي أسْقَطت رأسي فيها
المدينةُ التي أُسقِطَ رأسي فيها،
حين أبصرتُ سُكانها ينتعلون رؤوسهم
انتعلتُ قدميْ وخرجت..

– البردُ الذي يدخل من الأبوب المُواربة
يملأ بيوتنا بوسائد ضخمة
تبتلع رؤوسنا في المساء !!

– بين الحب والحرب
صحوةُ
قلب

– حين عاد من الحرب
حكى قليــلاً
وبكــى كثيراً
قبل أن يُصبح مرثية المدينة !!

– في الحربِ
أحبُّك أكثـر..

– رسائلُ الحُـب لم تصل
وصلت
قذائفُ الحرب !!

– وحده القلب الذي يسكنه الشهيد
لا ينسى تفاصيل الحرب !

– مذهولة،
كفردة حذاء
سقطت من قدم طفل
تحمله أمُّه وتركض
هربا من الحرب !!

– شهدُ ابنة جارِنا
لوْ لم تمُـت في الحرب
لكانت الآن أطول منِّي..

– قال لها: عندما تنتهي الحرب، سأرسل أمي لخطبتك
قال قلبها: أخشى أن ينتهي العمر قبل أن تنتهي الحرب
أصغت الحرب لحديثهما، ومالت جهة القلب !!

– كُنت نائمة حين اشتعلت الحرب
مددتُ يدي لأطفئها
فعلقت هُنـاك!!

– عندما تنتهي الحرب
سأُصابُ بعطبٍ في الذاكرة
و سأبدأ حربا أخرى
وحدي !!

– فردةُ حذاء واحدة
هذا كل ما تحتاجه
طفلة نجت من الحرب !!

– الرصاصة ليست في جيبي،
الرصاصة
في قلبي !!

– يَمُـرُّ بِـه موكـبُ العابرين
وهو مصلوبٌ على جِدع الزّمنِ
كأنه مصيدةٌ للوقت!!

– في طريقه إلى قِمّتـه، سقطت مِنه أشياء كثيرة
حاول التقاطها ولم ينجح
قبل أن يصل بقليل، سقط قلبه
آخر ما بقي في جعبته
مِن أعلى القمة
كانت الريح تُدحرجُ
هيكلا فارغاً

– هذا كلّ ما بقي لك
تقليم عُشـبٍ
ينمُو على صخرة القلب

– هذا القلبُ يغزلُ
وتِلك الأيــامُ
تنكث !!

– مُتعِبٌ هذا البياض
سأرسُمُ أرجوحة
بيني وطني
والوطن

– يحتاجُ عصا
بِـطُول ساعاتِه
هذا النّهــارُ الأعمى

– كان يراها الأرض
التي لن تبخل عليه بشئ
ذات مساء انشقت
وابتلعته !!

– هذا البـحرُ يَعبُرُني كل مساء
يترُكني أجمعُ القشَّ لِلغرقى
ويمضِي ضاحِكاً

– هل يخافُ الأمواتُ
في الليل،
حين ينام اللصوص
في المقبرة ؟؟

– صغير هذا العالم
بخطُوطه الدائرية
بصمة أُصبعٍ

– كأنني السحاب
بعضي
يمضي ببعضي!

– يضع العالم
على ذراعـِه
بائعُ صحفٍ مُتجول !!
……………….

خاص_أنطولوجي

*كاتبة وفنانة مغربية تقيم في بلجيكا

الوسوم

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات