سهير رجب الشرقاوى – العبد لا يفهم الثورة


كانوا في الميدان بينما كنت أنا في غرفة المعيشة, التي هي غرفة النوم كذلك. أتناول طعامي وقت العشاء و أمي و أبي و ما كنت أملك من أخوة و أخوات بجواري. منذ كنت طفلة يشعرني شيء ما أن هناك خلل، و أن ثمة ظلم واقع من كل جهة و جانب، و أن حياة بمثل هذا الشكل و التكوين لابد و أن يأتي لها يوم و تزول، لأنها و ببساطة شديدة لا تكفي, كنت أؤمن بهذا علي كل مستوي، حياتي الضيقة و حياتنا الكبري، البلدة و البلد، لذا كنت سعيدة، فتوقعي علي مستوي البلد برمتها يتحول لحقيقة، لما لا يتحقق علي المستويات الأدني!، علمت أن التغيير آت لا محالة، جاهدت لأخرج و حلمت بالخروح و ترأست رأسي فكرة أنني أناضل بينما في الحقيقة كنت أحيانا أشعر أن القضية لا تمت لي بصلة، رفاقي في الكلية يصنعون مسرح متحرك، فتاة الحضر “حسناء” التي باتت صديقتي تقوم بتأدية المسرحية معهم في منتصف الكلية، الجميع يهتف من أجل طالب آخر، “علي”.. “مدرج علي”.. “علي” قد مات.
و أنا أنظر كأن سور ملتف حولي، يمنعني من التفاعل و لا يمنعني من الرؤية، أمي و أبي أصابهم الحذر، و أنا لا أعلم سر فزعهما، كأن ذلك كله يدور في دولة أخري، أو أنني لازالت في البلدة، ألف جسدي بغطاء و أنام بينما هم في الميدان، لا أعلم لما عاصرت هذا، لما شعرت به!، أي شيء حكم علي عقلي بالصمت، و أية كذبة ألفتها رأسي لنظل بعيدا، لماذا لم يكسوني الإنتماء لأيا من كان، لا الملتحي و لا المتبرجة، حتي أنني لم أحاول صنع تياري الخاص!، لماذا صممت علي البقاء داخل رأسي و أفصحت عن رغباتي علي هيئة أكاذيب، كانت الحقيقة سهله بيًنة و رومانسية للغاية.
نموت و تحيا الثورة، لا بل نحيا و نكمل الثورة، بل نموت أو نحيا المهم أن تكون الثورة ثورة.
هنا .. إتخذ الأمر منحي آخر، إنتهت الأمور و أنا أبحث بشكل غير معلن عن أحدهم يخبرني بما حدث، تكون داخلي إيمان أن كل من يتحدث كاذب. و أن كل من يصمت جاهل. و قد كنت من الفئة الأخيرة، لا أعلم أي وضع كان جيد بالنسبة لي، الجهل أم الكذب!، و لكنني أدنت كليهما، لذا حاولت البحث عن أحدهم يسرد لي الحدث، لا أحد يقول ما يقنعني، لا أحد يقنعني و ظل جهلي كما هو. من كان علي حق؟ لا أعلم و لكنني علمت أن بطبيعة الحال يهزم الحق، لذا فقد كان الميدان هو الحق.
آلمتني الهزيمة التي لم أشارك في حربها و لو بفكرة أو شعور غير التوتر، غرقت في حزني الذي و للحق قد زال سريعا، و زالت معه الفكرة من رأسي،و بقي الطلل. لذا بدأت في البحث عن قيد ،فقد أفلت قيدي في الطريق, رجل يقيدني و يعطيني المسكنات، ما يدعي ب “الأمور بخير” ربما أصبت بالمازوخية في مقتل فأصبحت أعشق الألم أيا كان مصدره أو الطريقة التي يأتي بها، فأحببت أحدهم و صغت الوهم في قصة،كان لابد من إيمان فآمنت بسهولة أنه كان لي منذ بدأ الخليقة و قد أسعدني هذا الإيمان كثيرا فقد حل محل إيماني الآخر الذي تبدد، الوقت مر و أحب أخري و رحل بإيمانه و بقت الفكرة، وجدتني متروكة مجددا في وحدة مع أطلال إيمان و أطلال أفكار, و مع أول يد مدت رحلت عني معها، خديعة أخري حولتني لأنثي ريفية ساذجة بالكامل، رجل سيئ و مستقبل عادي، مرت الأيام و رحل و أخذ معه كل ما ترسب، ظننت أنني عدت من جديد، كانت “سماح” في ظهري، عرفت من العالم ما أدهشني و كل معني قد رحل و القليل فقط منهم هو ما تبقي، الآن أنا أعلم الحقيقة من الزيف و لكن ليس كل الحقيقة، مختلفة و أحيانا متوترة, شرقا أم غربا هي وجهتي!،فقد كان كل ما كسبته أني عدت لأول طريق كنت بالفعل قد سلكت نصفه، أنا سعيدة بما وجدت، مخذولة في الإيمان و الله و الحب و الخير و الثورة، مهانة كلما تذكرت أنهم كانوا في الميدان و كنت أنا في غرفة المعيشة التي هي غرفة النوم كذلك.

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات