محمد الترهوني _ أنا و العالم نجهز لكِ القهوة.

Bahram Hajou – Syrian Artist

كم أتمنى لو كنت أستطيع أن أنزل مطراً خفيفاً على الأرض متى ما أحببتِ أنتِ ذلك، أن أُبدَّل الفصول لتصل نسائم الربيع إلى شَعرك متى ما أردتِ أنتِ ذلك، كم أتمنى لو كنتُ أستطيع تنقيح كل النسخ الرديئة من قصص الحب لتكون البطلة فيها تشبهكِ أنتِ، أن تتعلم البطلة منكِ الفرق بين اللقاء على أساسٍ من الرغبة واللقاء على أساسٍ من الأفكار ، لأن الحبيبة لا تكون مكروهة في لحظة ما بسبب ما تقوم به من أخطاء ، الحب دائماً لديه العاطفة الكافية لننال منه العفو عن أخطائنا، بل بسبب أنها وعدٌ بإنسانة أصبح من المستحيل أن تتحقق، وعد بإنسانة ينز منها الألم لكنها تدوس الرعب من الساعات التي تأخّرْتها وهي في طريقها للحب، إنسانة ترفض أن تكون صورة الحياة بكل كمالها وفتنتها أجمل من صورتها هي في عينيكَ، الحب مجرد وعد بأن أكون إنساناً آخر أُعِيدَ تنظيمه بصورة رائعة فقط كي أستحق الاقتراب منكِ أكثر، كي أكون جاهزاً للاستمتاع معكِ بخبايا الحب وحنانكِ الغامض، ليكون لكِ وجهًا بلا خطوط مستوية وعميقة من الحزن، كم أتمنى أن أُوقظ العالم من سباته في اللحظة التي تستفيقين فيها من نومكِ وأجهزُ أنا وهو القهوة لكِ، كم أتمنى لو أنني قادرٌ على تجريب كل مخاوفكِ وأحزانكِ، وحتى تجريب نشوة الموت بدلاً منكِ، كم أتمنى لو أجتاز بدلاً منكِ متاهة الشخصيات التافهة والسطحية، متاهة عدم فهم الرجال أنَّ الحب نوع من التأنّث القاسي، تأنّث نُزعَ عنه غلافه الناعم، عدم فهم أنّ الحب هو مَحبتي أنْ أكون الآخر، عدم محبة أن أكون أنتِ يعني خنق الحب وموته، يعني صياغتي الحزينة للخروج منكِ وعدم العودة إليكِ، ليس هناك لذة تعادل أن أكون هنا وأنا محتجزٌ هناك فيكِ، أن أتمرغ في كلماتكِ لأنسى كل الوقت الذي مر وحبي لكِ مُصادر لعدم توفر الصدفة المناسبة، بدونك كنتُ أمشي إلى ضدي وأَظهر لكل الناس كصورة يمكن أن تتكلم عن كيف يكون القلم حاداً ويجرح مثل سكين، كم أتمنى أن تكون الكتابة قادرة على تغيير الحياة والتصدي بشكل جميل وذكي للاكتئاب وما يجعلنا نفضل عليها الموت، كم أتمنى أن لا تجعل الكتابة الحزن إلى جانبي في كل صورة، كم أتمنى لو أن الحياة روايةٌ كل فصولها في بيت وسط حقول ننام فيه أنا وأنتِ على الأرض، بيت يطل على مشهد عظيم قمنا بتصميمه أنا وأنتِ، نجلس على السطح ننتظر غروب الشمس، أتظاهر بأني أكتب، تتظاهرين أنتِ برسم لوحة للمساحات الشاسعة التي قطعناها ليكون العالم صالحاً للحب بدل أن يكون غرفة تعذيب من الصعب الإفلات منها، لكن الحقيقة هي أننا لا نفعل شيئاً سوى التفكير في بعضنا البعض، التفكير فيكِ يشبه حفلة موسيقية، يشبه حلماً لا تكون الأغطية والمخدّة مسؤولة عنه بشكل مباشر، حلم غير معتاد ومفرط في نضجه، أغوصُ فيه وأنا مفتوح العينين، كم أتمنى أن لا يكون هناك ما ينبغي القيام به غير حبكِ والحلم بكِ ، أن أعيشكِ كنقطة فريدة لا تستخدمُني فيها الحياة لأغراضٍ أخرى غير الامتزاج بكِ، أن أعيشكِ كصلاة تعرف الاتجاه إلى الله لكنها لا تعرف نهاية الطريق، ألا يعجبكِ أن أقول أن الحب سيرٌ في الاتجاه الصحيح دون التفكير في مكان نصل إليه؟ كم أتمنى لو أن الشر تحالف مع الخير لمرةٍ واحدةٍ وأخيرةٍ من أجلنا أنا و أنتِ، كم أتمنى لو أن القسوة تحالفت مع الحنان لمرة واحدة وأخيرة من أجل أن يكون الطريق أكثر ضمانا وروعة، الحب لا يعرف الراحة ولا الفراغ وفي هذا لا يشبهه غير الموت، لكن الحب لا يبلغ حده الأقصى والأخير أبداً، لهذا أتمنى أن لا يبكي الناس بسبب موتي، بل بسبب ما كتبتُه عنكِ، بسبب عدم تخييب اللغة لظنهم وأنا أكتب بها عنكِ، لم أكتب يوما عن حبٍّ مختلف أو حب أفضل، كتبتُ فقط عن حب يجعلني مختلفاً ويجعلني أفضلَ، كتبتُ عن كيف تعلمتُ أن نجيد أنا واللغة والحياة التضحيةَ من أجلكِ بكل علامات الاستفهام وأن نبقى فقط على علامات التعجب، كتبتُ عن أنّ الصبر هو الزي الرسمي للحب، عن كيف أقيس بأصابعي الزمن الممتد بيني وبينكِ، عن أنّ عدم النظر إليكِ يُشوِّه ملامح وجهي، عن أني أخاف اختصار عذابي الجميل فألجأُ للكلمات التي تشرح أن الحب لا يُشكل الخلاص بل يرسم منظراً فاتناً لِتَحَمُّلِ العِقابِ وهذا ربما ما سيُبكي الناس، كم أتمنى أن لا يتغير العالم، لا يزيد و لا ينقص، ولا يتعرض فيه الإنسان دائما لامتحانٍ يصعب النجاح فيه، كم أتمنى أن يفهم الجميع مثلكِ أن الحب لا يترك شيئاً خارج عتبته، ليس هناك ما هو ضروري وما هو تافه في الحب ، كل شيء محسوب فيه بدقة، كل كلمة، حركة، نظرة، كل ساحة، حديقة، غرفة، كل كتاب، فيلم، أغنية، ما هي إلا صفقة استثنائية يُجريها الحب مع الذاكرة، كل شيء يمكن أن يكون حديثاً متبادلاً بيني وبينكِ، حتى تسويتكِ بيدكِ للمخدّة وهي تحت رأسكِ يمكن أن يكون موضوعاً لحوارٍ طويل عن كيف يقبل كل شيء التسوية والتنازل من أجل الحب، كل شيء سيكون سعيداً وهو يأخذ مكانه في قصة حب، حتى السرير يصبح له حدود ولا يمتد في كل الأنحاء، السرير سيعتبر نفسه مكاناً للرؤية الكاملة، مكاناً للخلوة الكاملة، مكاناً لمنظر جميل، لصندوق بريد، لمكتبة، لشاطئ رملي، لشمس وقمر وعواصف وأمطار، وليس سريراً للنوم، كم أتمنى ونحن هناك على السطح ننتظر الغروب أن أتكلم معكِ عن البحث قبلكِ عن المجهول، عن المأساوي في البحث عن مكان نرفع فيه رايةً كانت مُنكّسة لعقود، لكِ أن تتصوري فظاعة العيش مع الشعور بالهزيمة، مع الشعور بأن الأمل مجرد مهنة مملة يمكن تبديلها في أي وقت، مع الشعور بأنكِ تعيشين في بيتٍ للحمام لا متسع للطيران فيه، بيت يشبه الضريح، خالٍ لا أثاث فيه من تصميم روبرتو كافالي أو بوتيجا فينيتا، لا ستائر تهزها نسمة الصباح الباكر، لا إسطوانات لأغانيكِ المفضلة، لا مناديل ورقية تكفي لمسح دموعكِ، لا طاولة تضعين فوقها الكلمات بأناقة، ولا صالون لاستقبال الأحزان بشكل رسمي، لكِ أن تتصوري الحياة قبلكِ بهذه الطريقة المفجعة والخالية من كل دعابة، كم أتمنى أن تغرب الشمس كنقطة صفراء جميلة تشبه غيرتي عليكِ، و أن ينفجر حبي لكِ في هذه اللحظة بالذات إلى شظايا لا تتوقف عن التناثر إلا مع آخر نقطة من دمي، كم أتمنى أن يتحول هذا الشفق الأحمر إلى أحمر شفاه ألوِّن به شفتيكِ لأقبل فيه غرامي بكِ، كم أتمنى أن تتسع هذه الحقول غير المُجْبَرة على الحشمة لرغبتي فيكِ، لورعي، لطيبتي، وحتى لمروري من الحياة والتاريخ من خلالكِ أنتِ، كم أتمنى لو أن القبر يسمح بعد موتي بضمكِ وتقبيلكِ وأن يكون المكان المناسب لأبقى وحيداً وأفكر فيكِ وأتذكر كيف كنا أنا والعالم نجهز لكِ القهوة وننظر إليها وهي تتثاءب معكِ وتُفرد طعمها مع ذراعيكِ.

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات