منشورات إبداعية

محمد السادات – لم يكن يعلم بطل الحكاية اننى أسطر تاريخه الأزلى منذ البداية


لم يكن يعلم بطل الحكاية أننى من يسطر تاريخه الأزلى منذ البداية سطورا من الحبر على ورق ، حاله كحال جميع أبطال الروايات المكتوبة لهم أدوارا محددة فى السياق الذى أضعه أنا الكاتب حتى تمردت على إرادتى الكلمات وإرتعشت يداي أحسست بشد عضلى فى أنحاء جسدى و أصابنى الإعياء، تركت مكتبى وانصرفت مترنحا لسريرى ألقيت سيجارتى على الأرض ثم دعستها وسقطت على السرير فاقدا القدرة على الحراك كنت أعى كل ما يدور حولى ولكن هذا الجسد لا يتقبل من عقلى اى نوع من الأوامر حتى أغلقت عيناى فحل الصباح . حين استيقظت أعددت القهوة و دخنت بضعة سجائر فى الشرفة ثم إرتديت ملابسى و ذهبت فى نزهة صباحية علنى استعيد نشاطى ولكن حين وصلت إلى القهوة ، رأيته جالسا على مقعدى المفضل فى هذه القهوة بجوار النافذة متأملا فى شوارع المدينة ومبانيها المتهالكة وكأنه غريبا عنها ، للوهلة الاولى منذ رأيته تسمرت فى مكانى قليلا فقد كان الأمر من أعجب الصدف أن أخلق بطلا لروايتى فألتقى شخصا شبيها له فى الطرقات او الحانات الرخيصة التى أعددت الذهاب إليها ، هذا وراد نوعا ما فنحن لا نستطيع ان نتصور شيئا ما فى خيالاتنا من وحى أخر دون هذا العالم المادى الذى نحيا فيه اننا مسيرين مسبقا بمجموعة من الأشكال التى نراها طوال حياتنا فتنعكس داخل عقولنا ومن ثم تتشكل من جديد خالقة لدينا شيئا جديدا مبتدعا وليس بالجديد ان الحقيقة هو مخلوق هجين .
فما كان منى إلا ان تجاوزت الأمر ولكن قررت ان أجلس على مقربة منه مراقبا إياه علّ هذا ينفعنى فى قصتى الجديدة و ما أثار الدهشة فى عقلى انه اشعل سيجارة من نفس النوع الذى وصمت به بطل روايتى ، ربما كان هذا ايضا شئ وراد فقد كتبت قصة أحداثها تدور فى مدينتى هذه و ماركات السجائر هنا محدودة جدا ، ولكن هل من المصادفة ايضا أن يكون أعسرا كما بطل الرواية ؟ ، حدقت إليه كثيرا حتى انتبه إلى ثم ابتسم غير مبال و هب واقفا مغلقا سترته ناحية الصدر والرقبة ثم رحل . فى هذة اللحظات أصابتنى علتى المسائية من جديد فسقط من بين أصابعى فنجان القهوة وانكسر اما هو فرحل ماضيا فى الطريق حتى انى لم أعد أراه.
عدت إلى منزلى سكيراً فى المساء مثقلاً بالفضول و محملا بالأفكار وقررت ان انهى هذه القصة التى ملئتنى بالحيرة والفضول ولربما أنتابنى الخوف منها فهذه العلامات اعجز على تفسيرها وكل هذا الغموض يزيدنى احساسا بالريبة، دخلت الى مكتبى مسرعا وللوهلة الأولى لم ألحظ ان الفصل الذى لم أنهيه البارحة مساءا قد اكتمل منتهيا ب ” لم يكن يعلم الكاتب انى اراه”…
إنتابنى الهلع فقد صدمت بموقف لا يرقى إلى التفسير أو حالات التأويل المريح فكل محاولات التفسير هى بلا طائل ففى داخل نفسى يغرقنى الخوف والتشتت واللافهم ، لقد صارت قصتى سيناريو سينمائيا حديثا فإذا ما قصصتها على أحد لظنها إحدى أعمالى الجديدة ولن تؤخذ كلماتى على محمل الجد ولو للحظة. إننى الأن قد اصبحت محاصرا فى غرفتى بتلك الوساوس اللامعقولة ولفرط ما أحسست بالوحدة المفزعة والعجز عن أى تأويل أراضى به ذاتى المشوشة فى هذة اللحظات.
أعددت كوبا من القهوة السوداء اعتزمت أن أنهى هذه القصة الليلة لا محالة فما هنالك من حل لكل هذ الغموض إلا بانهائها وطيها فى طيات النسيان كما جرت العادة ، أمسكت بالقلم وبدأت بالكتابة مكملا إياها بفصل جديد أصف فيه إضطرابات البطل النفسية وصفاته الإنعزالية التى ورثها عن جده والتى تطبع بها فطريا منذ الطفولة و أن علاقاته الاجتماعية والعاطفية انتهت بشكل مأساوى او لا تستمر وللحق لست اعلم ايهما اسؤء على كل أثارتنى هذه العبارات للضحك فلم يكن بينه وبين جده أى حالة من الوفاق أو حتى الود المألوف فى هذه الاوضاع الأسرية ولشد ما كان يكره الصغير جده العملاق خشن الطباع شديد الهدوء والعزلة ففى جنازة هذا العجوز الصلب لم يسر فيها اى صديق له ،انها لسخرية القدر ان يشب الصغير رجلا حادا شديد الهدؤء بلا أصدقاء بلا حياة تذكر الا ظلال المأساة تجاورة فى الطرقات … شعرت بوعكة أخرى واختل نظرى ولكننى مصر على استكمال القصة ولكن يداى لا تملكان سلطة على القلم من شدة الإرتعاد حيث بدأ الدم يسيل من انفى متساقطا على الصفحات البيضاء وتسقط القطره تلو الاخرى وتبدأ فى إحتلال الأبيض غزوات من الاحمر ذى الجمال ، احمل القلم بشكل لا إرادى منى واكتب..” بئس تلك الحياة ” فيكتمل السياق دونما إرادة منى وإنما بإرادة اخرى حركت أناملى عنوة ليكتمل النص بلغز اخر ” بئس تلك الحياة التى يتهرب منها الكاتب واصفا معاناته على انها محض خيالات تروى على السطور” تصيبنى الدهشة لا الخوف ثم يتبعها تشتت فإستسلام تام لسلطة القلم لا لا ليس هذا فحسب بل انه الخضوع لسلطة اخرى حركت القلم بيداى وتعلم ما يسرى بين هذه الجفون وباطنى اكثر منى اضع النقطة بملء إرادتى ثم اترك لهذه السلطة العنان فى التحكم والسيطرة كأنما انا دمية موثوقة بأوتار تحركها لكنها خفية تحرك يداى وتكتب بلا توقف تنهى الفصول الواحدة تلو الأخرى ، يستعصى الأمر عن الفهم ولكننى كتبت كل سطور تاريخى فى رواية مكتملة الفصول تشرف على الإنتهاء والان أصبحت أراه بكل وضوح لقد كنت انا القصة فى كل الحكايات ولكننى لم أكن اعلم إلا فى هذة اللحظة أن بطل هذه القصة الذى رسمته فيها قد كان هو الراوى الحقيقى ممسكا بالأوتار واقفا خلفى كظلال الموت تدنوا منك فتركض للحياة أكثر . ان كل ما يصحب الإدراك هو الألم كجلدات السياط تشق اللحم عن عظامى لا أملك له من رادعا إلا البكاء والهروب إلى أحضان امى فاتفجع بين نهديها باكيا ولكننى للحق لا اتذكرها بهذا الوضوح ولست أدرى لهذا سببا ،إن علتى هى اننا من اصحاب مبدأ يعتمد على التناسى تظاهرت بالنسيان ولكن الأيام تمضى وكلما منيت نفسى بالنسيان تحولت إلى مخلوق آخر لست أعلمه. هذه الأوتار تؤلمنى بشدة تمزق اللحم عن العظم ولكن هذه الألام توقظنى لست ادرى لماذا يشتعل فى داخلى شعلة أمل ، إن هذه المدينة التى تدور احداث قصتى بها ممتلئه بالفقر .. بالظلم.. انها تخلق من امثالى الكثير والكثير تنشر الوباء فى الهواء على الطرقات بأتربة الأرض فى شقوق الجدران بأنوار المصابيح المتضررة فلا تنير عدة أمتار كما هو حال سكانها من أمثالى الجاحدين على الذكرى منساقين عنوة إلى دوائر مغلقة كإنها سجون بلا قضبان تزيد شقائنا ونستمر بالتناسى حتى ينتهى فينا الإنسان. تتصاعد انفاسى مرهقا لكم سعيت أن انحت الجبال بكلماتى ولكن الأحجار لا تلين فتصير فنا متجسدا فى تماثيل او منحوتات اخرى تتلون تنثنى تعطيك انطباع بليونة الصلابه فتتشتت من هذين النقيضين ولكن ابدا أن تنكسر الاحجار ، لطالما حملت احجارى فى خزانتى واخفيها نعم اخفيها ولكنها ستظل هنا فى جوارى على مقربة منى فى الذاكرة ربما اتطرق إليها وافتح هذه الخزانة بين حين وحين خفية من نفسى ، لقد أخفيت عن نفسى طموحاتها فى إحدى الزوايا حتة ضلت الطريق . قد كان غضبى مستعراً يحيلنى نارا وقادة للعمل رغم الجوع والوحدة والهزيمة و جروح الخذلان التى لا تندمل تتشابه فيها شقوق جدران هذه المدينة المتألمة صباح مساء . سحقا للأوتار لست مسيرا كالكلمات اننى اغضب كلما أدركت حقائق الأمور كلما علمت أننى محتجز نعم أتناسى ولكننى افيق بين حين وحين من الألم ، رفعت القلم فسحب البطل أوتاره فزعا لقد كان هذا الموقف غريبا عليه رغم انه يعلم ما بداخلى من قبل و بدأت الكتابة من جديد لفصلا جديد قد ينهى المأساة لم أعلم حينها ماذا قد يمكن ان يكتب فيه ولكن للكلمات قوة فى الإنسياب تنتهى بالطوفان ولهذا زمجر البطل وشد أوتاره بقوة فشعرت بالألم فصرخت تمزق اللحم عن أصابع يدى اليسرى التى اكتب بها فسقط الخاتم زى الحجر الأخضر ارضا نظرت الى انعكاس صورتى على الحجر الأخضر فرأيت عينى جدى تنظرانى إلى قد كان يقتلهما الشقاء لقد تناسيت لمن هذا الخاتم الأن فقد انتبهت تتعاود الى ذهنى الصور عما مضى فانتزعت القلم ثانية وأكملت كتابة ” أن الأوتار متتابعة التجدد كلما سقطت من ذاتى أجزاء فى النص كلما سيطرت هذه الأجزاء على البطل مثل الأوتار تلتقطه هى رغم مقاومته تجذبه إلى أحضان المأساة ولكن لا خوف فى هذه الأقات ها نحن سواسية يقاوم كل منا مأساة الأخر ،اسمع صراخه وهو يقاوم أوتارى فتزيد أوتاره قسوة يتخشب جسدى تتصب عضلاتى اتحول تدريجيا إلى إحدى عرائس المسرح بأوتاره تلك ولكننى لا أترك القلم لوهلة أراه يتصلب يفقد ليونته فى المفاصل و الإنحناء أراه يتحرك بشكل هندسى يخضع لى لإرادتى لكنه يتمرد ما يزال يتمرد فيؤلمنى فأكمل كتابتى على الرغم من الدماء السائلة على الورق ” إن الأوتار لا تنتهى كلما انتقصت وترا حل آخر مكان له تجذبنى إلى النسيان أحيانا و إالى التمرد احيانا آخر” . أمضيت الليل اكتب لن ينتهى أوتارا منه توثقنى و اخرى توثقه كلما اصر على كتمانى تمردت ولكنه لم يتوقف عن التمرد على ايضا ابداء سطورا أخرى .

مقالات ذات صلة

تفاعل

زر الذهاب إلى الأعلى
0:00
0:00
إغلاق