محمد مختار – يمشى نبيا

يمشي نبياً, قدماه أمامه, وراءه, وعلى جانبيه, يحكي للخطوات كيف جاءت غربان بريشٍ ابيضٍ ووقفت تدعوه ليكمل مسيرة طويلة بنعيقهم في راحتيّه ومناقيرهم مُعلقة على الرقبة ,
تستوقفه صخور ملساء وصغيرة قرب قاع بركة جليد ليعلم انه بلا معجزات,
لَمْ يصدق ابداً ما يرى, يمشي ولا يسمعني واحمرار سماءه يندفق مع بلازما الدم كلما يَسعل او يُلقي سلاماً على احد المرايا,
يستوقف امرأة مارة في طريق الحق الذي يحفظه الجميع, ارجوه يُخبرها ما تَعلَّم جيداً, يُمسك كفها ويهمس كلمات مختلفة بلا احرف, تَجلبها, تُضحكها, تَجعلَها تَعبس, تَكنس عباءة امها تحت الأظافر, تُقَطع ملابسها , تَلّمس شفتيّ ابيها, تَفسخ فَكه نفقاً للهرب, وتُغلق وراءها جيداً بخيط الايام وإبرة من عظام وجهه ,
اردوا مرة لمس رداءه ولم يروه, جاء ورحل امامهم ظاهراً كدارٍ مُهدمة بُنيّت من حوائط قلوب مَوتَى مَروا بلا ضوضاء,
كنت اُصاحبه منذ صمتي امام اسئلة بسيطة, كيف يُمكن لجثمان عبد البارئ ان يتم غَسله بالمسّك، أتحتاج نفس الله شيئاً، لمَ هي الحرائق كلما تَحتوي ريحاً عاتية اثناء جلوسها بالظلال يَهب إعصاراً نارياً من العتمة ,
يَمر على كل شئ ولا يفكر ابداً بقياسه , لا يحب المقادير والموازين والوحدات القياسية , كنت ارجوه بالصمت حيناً , وحيناً اخرى بصراخ يشبه صوت إمرأة إختفى اطفالها بأحد الصباحات من تلقاء انفسهم , كنت ارجوه من الاحشاء, من كبد السموم, من يمامتين ماتتا على ترقوته, من حنجرة النَحر, من لحظة دخول الجنرالات للقصور, مُظَفَرين, ووراءهم تهتف المدرعات والطرقات والحواجز والكمائن والأحراش والطائرات وشرايين رقاب الضباط والجنود , كنت ارجوه من عيون انفجرت عند ولادة مريم وعندما قُتلًّت بزفرةٍ في هشاشة الرحّم ,
يدفن رأسه للوراء , يحلم بالحياة قارورة ماء بلاستيكية جرفتها امطار غادرة حتى محيط الرسائل التي لا تصل,
اقول له نم الآن بلا سرابات حلم , حان ميقاتك, حان آذانك الأخير, حان انزياحك عن صدر النيازك القاطعة لأبصار متأملين في صحاري وجنب ترع ومزراع وحشرات بلا أمل غير الاعتياد على القفز سوية في طوابير ,لا يرد فقط يُراقب كل ما يحدث عن كثب ولا يخاطر بالإقتراب ,
من بين الابعاد الاربعة رأيته ينسل ويَتعالى, يطفو مُتجلياً في ظَهر ضوء, يعبره من دون كشوفات ولا إذن عبور ولا وداعات ولا ميقاتٍ لسَقطةٍ عذراء, وبكتابة مسمارية يُقر القدر على طُحاله المتآكل, كنت حزيناً عليه, اتأمل وقفاته للصلاة على رماد متطاير, لا ولادات لأي عنقاء في اتساع رقعة الانعدام , في إقحام وتد خشبيّ بسرة العالم كحادث وغياب قدرة إرادة الخَلّق عن التَمَثُّل كإشارة إستغاثة , يصل لمجموعات اعداد غير رقمية ويهز رأسه
بالحمد والتسبيح فيقولون له ليس للنبي ان يصير درويشاً ,
يزور دور العرض ليلاً, بين كشافات عملاقة تُبرز تقوسات الارجل والأذرع والأعمدة الفقرية وانحناءات الجوانب وتكوير النهود والمؤخرات, كل من هم هنا يعرضون كل انواع البضائع, يراقب من جانب كراسي المصفقين، انا ارى كفوفاً تتصادم على كفوف مصدرة صوتاً مقرباً للذات, ويرى هو شحنات كهربية ضعيفة تمر في جثث اعضاء المسرحية فينتفضوا لأعلى منتشين قبل ان يختفي المسرح,
مَشَى وتَحرَك وتَمايل وتَراقص مُحترقاً , تَساقَطت تجاعيد وجهه , تساقطت ذكرياته ,صار يعود عكسياً, صار طفلاً, بَطِّئَ له الوقت , عَوّت له الاراضي والذئاب , عوى القمر, عوى التعري في كبد الكواكب, عوت الجواهر في إكليل المقبرة , وترك الغرباء الذين يُحبون مراسم الدفن بجواره كوباً نصف ممتلئ بالحليب ,
كان يُمسك قلبه فيَنقلب عَجيناً، فيَعجنه، فيُمسكه, فيَنقلب, فيصير وردةً ملطخةً, يصير الكتروناً, طفحاً جلدياً, تجاوزاً, طلقات فضية, عويل يتامى, نداءات عيون صبية متروكة على رصيف محطة, نطاقاً حريرياً لقطار, شهيقاً, هتافات, اوعية دموية مفقوعة بالدخان والكوابيس , اجساد من بارود, نهايات قبل بدء , مقامات في الرواتب , كلها تساوي الكل داخل حَلقة الصفر في فمه , يشهد ويمر ويعبر ويتخافت ويهدي ويهتدي وينطفأ ويضىء ويشتعل نجماً كليّاً في أبد الخيال , اتبعه بلا كلل , حتي نقطة ما يصير عندها رمزاً ويتلاشى في عالم الرموز تاركاً لساني يسأل , إلى اين ذهب النبي ومن أين كان قد أتى ! .

***
تعليق على النص ل السعيد عبدالغني .
عبدالبارىء المتوارى خلف أحجبتك ظهر فى يوم شفيف لك مكتظا بالنظرات الماورائية لوجودك ووجوده ، ربما يغش الله منك ذلك ويفعل وهو أدبي العلل ، غزلت أقنوما لذاكرة لا يستأجرها سوى الحنين والنفس الكلية المصاحبة للغة فى تراكماتها فوق القريحة المؤتلقة من الفراق الفجيع ، وهو لم يمت فقط ترك ما نفذ من روحك فى كلمات ، كأن الكلمات تحوم حول زندقة الجدران التى جلست معه بها وهى تهجو الموت التافه ، لا فاصل بين شبحية وجوده وواقعيه وجوده .
الموت مرتزق أرعن، أعطه بعض الكلمات وستعود الكلمات بدمعات عبدالبارىء المتشابكة حول خصر الكواكب ونهود النجوم ، أنت أبديته محمد ، أبديته التى تتسرب من شرنقات وعيك ، اوشمه جرحا على أفول كل شىء .
كتابة ملكوتية فى خلوات تستقصى الموت وتوابعه النرجسية ، استفرادك فى اللغة ، حول تويجات نظراته عليك وعلى الاشياء ، كل شىء يحبل به حتى روجين التى تتوسل الطفولة من اللعب ، دفاترك غده ووجودك ماضيه ، لك اخروية لغوية نادرة جدا تطلع منها الفجور الشعرية .
من وصد قلبك عليه هو من الغى الحدود بينك وبينه ، نص علوي على هذا الوجود، حشد هكذا لوحدتك فيه ووحدته بك ، دمعاتك افديها بمحو الوجود كله ،وحدت عيونك محمد وانت تلقى نظرتك الأخيرة عليه ، دمعاتك المعراجية لغيرتك ان ياخذه الله منك ، فؤاد يجرى فيه تواتر خافيات الطعن المتكرر لصوته الخلاق في المكان نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى