مطر – تركي علي.

Louay Kayali (1934–1978 (aged 44) Aleppo, Syria) was a Syrian modern artist.

 

 

يخيّم الجفاف اليوم على أرضنا، جفاف لا يرضيه ينع الثمر. يجرّ يد ثمرة متشبثة بشجرة كدراء، يحركها بهوائه ذات اليمين وذات الشمال. تفتتن الثمرة بعنفوان ريحه. تقتلعُ ورقة أولى، ثانية، تتعرى من ثيابها. تقطعُ حبلها السري المرتبط بمشيمة الشجرة. تسقطُ الثمرة، فيتلقفها أتباع الجفاف. ينزعون قشرتها الخارجية ويمتصون بألسنتهم الهوائية كل ما دب فيها من حياة. يتركونها وراءهم بمائها المسكوب وجسدها الذابل.
سقطتْ الثمرة ولم تسقطِ الشجرة. بكتْ واقفةً، تمنّتْ أن تسقط، أن تسقط لتجنح بأوراقها على جسد ابنتها العاري. أراقبُ هذا المشهد المسرحي التراجيدي ماشيًا. مرّتْ ريح تسير في حركة دائرية وألقت ثوب الأرض الترابيّ على عينيّ, فذهب بصري، ذهب وأصبحت أعمى.

صرخ صوت في سريرتي قائلاً:

– اصرخ، اصرخ يا رجل، آه يا لك مسكين.. فقد أصبحت أعمى.

هممت بالصراخ، لكن الصوت قاطع رغبتي قائلاً بيأس:

-اصرخ، اصرخ يا رجل، لكن لن يسمعك أحد. الكل جف ويبس، سواك أنت والشجرة.

فركتُ عينيّ، لكنّي لم أرَ شيئاً، ليلٌ حالك، ليلٌ لا قمر فيه ولا نجوم.

انكببتُ على الأرض أبحث عن جذعٍ أغين، جذعٌ يسندني لأمشي، وألتهمه إن جعتُ. اصطدم بي شيءٌ مختبئ في التراب. تلمستُ الأرض، كان جذع شجرة قاس اللحاء. قالت الشجرة التي سقطت منها الثمرة بصوت أجش:
– قطعتُ يدي لك، إنه جذعٌ قويّ، لكنه لا يزال يخضب بدمي الأبيض. هو دَيْنٌ عليك, دين مقداره وزن يدي ذهباً يا أعمى، لكنّي أطلبك بدله إرجاع ابنتي، أرجعها لي أرجوك.

ضحكتُ من سخف قولها وقلت:

– أنا أعمى أيتها الشجرة الخَرِفَة، كيف لي أن أجد ابنتك وأنا لا أجد للنور سبيلاً.

تحشرج صوتها، أخرجته بحنق لتقول:

– يا لمصيبتي.. بليتُ بشاب صعلوك أبله. تلمّس الأرض، أو تتبع رائحة دماء ابنتي بأنفك. يا لحظي التعيس، هلك أهالي المدينة جميعهم و تركوا لي أعمى أبله.

ضرب صوت الجوع بقدمه جدار معدتي. ابتسمتُ وأنا أقلّبُ الجذع بين يديّ، وصحت بفرح:

– سأهرب، سأركض حتى أصطدم بواحة أو طعام، الحقيني إن استطعتِ.

قالتْ بنفاد صبر:
– اهرب يا أبله، أهرب لتتحول إلى عظام، عظام ثم رماد تذروه الرياح، فطعام المدينة كله قد هلك.

قلت بتهكم:

– وما نفعي بكِ يا خرفة؟

سمعت صوت شيء يسقط، أمرتني أن أرى ما أسقطَتْ، فصحتُ بها:

– أنا اعمى، أعمى، ألا تفهمين!

قهقهتْ واهتزّ ظلها وما تحته من تراب وقالت:

-هذه إحدى ثمار جارتي الميتة التي ائتمنتني عليها، أرجع لي ابنتي وخذها طعاماً لك.

أكملتْ تحيك الوقائع لصالحها قائلةً:

– إن جذوري تُقبّل الماء في أعماق الأرض، وأنت حيّ بفضل ظلي.

اكتشفت أن لا مندوحة لي عن نفعها، فغرزت الجذع بالتراب وجثوت على ركبتي أبحث عن ابنتها الشبه ميته. لمست بمقدمة أصابعي نتوءًا على الرمل، تحسست هذا الشيء الغريب، يبدو أنه مجعد ومتشابك, فصرختْ الشجرة:
– هذه هي، ابنتي حبيبتي، هذه هي يا أعمى، أرجوك ضعها بين أغصاني، أرجوك، أرجوك يا أعمى.
قلت باستغراب:

– أهذه الكهلة ابنتك؟

قالت بصوت باكٍ:

– إنه الجفاف، الجفاف و أتباعه الطغاة، راقصوها وأغروها، ثم…

قاطعتها قائلا:

– أعرف بقية القصة، كنت أراقبكم.

قالت بنفاد صبر:

– الوقت يحرق حياة ابنتي, قربها مني قبل أن تتحول رمادًا.
حملت الثمرة بين يدي. وقفت وأمسكت جذع الشجرة، تلمست طريقي به، سمعت صوت ارتطامه بجسدها. صرختْ بتألم:

يا أبله، ألا ترى!

صحتُ بها:

– أنا أعمى، أعمى، ألا تفهمين!

كتمتْ غيظها وزفرتْ. وضعتُ يديّ على جانبيّ جسدها ورفعتُ قدمي اليمنى، ثبتّها جيدًا ثم أتبعتها باليسرى. قلتُ لها وأنا أتلمّس لحاءها:

– أي خطيئة ارتكبتِ ليجازيك الرب بالشوك على جسدك!

تنهّدت وقالتْ:

– كانت جذوري في صغري غضة لينة، أتحرك كيفما أشاء.
أكملت وقد كسى الحزن وريقاتها:
– وذات يوم تعيس، سمعت صوت لهاث شديد. ظهر شيخ أخطم يرتدي خميصة واسعة، أخصفُ الشعر، يحمل فأساً يلمع حدّهُ تحت أشعة الشمس. اهتزتْ أضلاعي خوفَ أن يقطعني فتتيتم صغيراتي. صرختُ لكنّ صوتي اختنقْ، صرختُ لكنْ لم يسمعني أحد، بما فيهم أنا. اقترب الكهل وتلَى بضع آياتْ، تعوذ من فجوري ونفث عن يسارهِ ثلاثاً ثمّ قال:
– يا مذنبة، لئن خضعتِ و قرّيتِ عيناً، قطعتكِ بفأسي هذا بغمضة عين، أمّا إن تمايلتِ وهممتِ بالهروب، تالله لأنهشنَّ جذعكِ بأسناني، ثم أتسوّك بقلبكِ قبل وبعد كل صلاة.

سكتتْ لبرهة تم أكملتْ:
– بكيتْ، بكيتُ كثيراً حتى نبت في مجرى دمعي بضع وريقات خضراء. صرختُ مرة أخرى، سمعتُ صدى صوتي يتكرر، لم أكن متأكدةً أصرختُ حقًا أم هو مجرد صوت إرضاءٍ داخليّ لا تسمعه سوى أحشائي الخشبية. اقتربَ الكهل. حركتُ جذوري لأحيد عن فأسه. ابتعدتُ لخمس سنتيمترات، فهذه حدود حريتي، خمس سنتيمترات فقط. صاحَ بصوتٍ مرعب:

– لقد حَكَمَتْ حريّتكِ عليكِ بالألم، سأقتلع لحاءكِ لتنزفي، ثم يذهب سمعكِ من شدة نواحكِ ألماً.

أخذً يركضُ الكهل ملوحاً بفأسه. تعالى صوت نعيق من بعيد. شخصتُ ببصري للسماء, فإذا بسرب زيغان ينعقون حاملين بمخالبهم وردًا ماجنتي. اقتربوا وبان ما يحملون بأقدامهم، إنه شوك العاقول. اقتربتْ الكتيبة الأولى ورمَوا الشوك على الكهل، صرخ متألماً:

– إني شيخ نجيد، لن أهابكم أيتها الغربان المستحدثة.
توالت الهجمات بينهم، وكان الشيخ بين الفينة والأخرى يرمي عليّ الشوك، صرختُ ونزفتُ دماً، ودمعاً في أحيان أخرى. نكصَ الكهل على عقبيه منهزماً، وذهب سرب الزيغان بعد أن أتمم واجبه العسكري، رحلوا زاهدين بشكري لهم. وهكذا نُحِتَ على جلدي أثر من المعركة، أثر شوك العاقول الماجنتي.

مسحتُ على شوكها الخشن وقلتُ:

– يا لك من مسكينة أيتها الشجرة، كل ما أردتِهِ هو العيش بحريّة، أن تراقصي الرياح، لكنك جوزيتي بحرب هوجاء وشوكٍ أهلكَ نضارة لحاءكِ.

بكتْ الشجرة، لكنها بكتْ أكثر حين وضعتُ ابنتها المحتضرة بين يديها. جلستُ على ذراعها اليسرى. وقلت في سريرتي:

– لربما من الخير أنني أعمى، فكل ما سأراه مقبرة عامة متوسعة، وقاتل هوائيّ وحشيّ يمشي في حركة دائرية، ويتبعه حشد من الصعاليك.

قالت الشجرة وهي تنتحبْ:

– أرجوك.. أرجو.. أرجوك يا أعمى، احمل حذاءكَ واملأه من دم يدي اليمنى التي قطعتها لك، لعله يحيي ابنتي المسكينة.
انتهى كلامها وأحاط المكان صمت مرعب باستثناء صوت من بعيد، صوت فالس الموت. تمدّ الرياح على أنغام هذا الفالس يدها اليمنى، تضعها على ظهر جثة طفلة، تمسك الرياح بيدها اليسرى يد الطفلة اليسرى، يرقصون، يرقصون ببطء، في دائرة من الألم السرمديّ. هكذا تخيلتُ المكان، ولربما كانت الصورة التي تخيلتها أرحم للطفلة الميتة من واقعها.
وافقتُ على مضض. تلمّستُ جسد الشجرة. تشبّثتُ به وتسلقت إلى الجهة الأخرى. وضعت رجلي موضع جرحها، انبعثت رائحة الخشب العصاريّ، كان مكانا لزجاً دافئاً. صرختْ الشجرة صرخة مكتومة. مددتُ يدي بصعوبة نحو حذائي الأيسر، نزعتهُ وقرّبتهُ من عَصِبِهَا النباتيّ المُفْرِزْ للمادة اللزجة. ملأتُ الحذاء بدمها ورجعتُ لغصنها الأيسر. جلستُ عليه وتلمّست حضنها الدافئ بحثًا عن ابنتها. وجدتُها بعد فترة قصيرة من البحث. سكبتُ الدم عليها فشهقتْ الثمرة، شهقتْ شهقتها الأخيرة، وماتت. ناحتْ الشجرة وخالط نواحها الحشرجة الأخيرة.

تلمّستُ دمعها لأمسحه، نبتَ تحت محجر عينيها، في مجرى الدمع تمامًا, وريقات خضراء. قلتُ مواسيًا إياها:

– لا تجزعي يا شجرة، سيأتي المطر بالتأكيد ويقتصّ لكِ من الجفاف وأتباعه.

واستأنفتُ بتردد قائلاً:

– نعم، يجب أن يأتي، يجب… يجب أن يأتي.
جفّ دمع الشجرة. هزّت ثمار جارتها الهالكة ورمت بين يديّ إحدى بناتها. أمسكتُها، تحسستُ قشرتها الناعمة وجسدها الغض اللين، ثم مددتُ يدي للشجرة مرجعًا الثمرة لها, فقالتْ:

– لا ترجعها، كُلْهَا، كُلْهَا يا أعمى، إنك جائع، إن لم…

قاطعتها قائلاً:

– لن أفعل هذا يا شجرة. أرجعيها لأخواتها، فموت الأم لا يبرر قتل بناتها.

مدّتْ الشجرة أغصانها وأرجعت الفاكهة الصغيرة لأخواتها. أسقطتُ قدميّ في الفراغ, أو ربما في الثقل الهوائي الجاف القاسِ. سمعتُ صوت أقدام تقترب مفتِتَةً الجافّ من النبات. صرختْ الشجرة:

– اهرب، اهرب يا أعمى، إنه الكهل ذو الفأس.
رجفت الشجرة، لكني لم أتحرك من مكاني، ليست شجاعة رجل، بل عجز أعمى.

وضعتُ يدي على جذع الشجرة، سمعتُ صراخها المكتوم، أو تحسست ذبذباته من جسدها. أرخيتُ يدي بيأس. تقدّم الكهل يسبقه ظهره المُحْدَوْدِبْ جاراً فأسه. صرخَ بصوتٍ قد سرق الوهن منه قوته:
– من سيحميكِ مني الآن أيتها الشجرة القبيحة ؟

وأكمل يهدد وهو يتبسم:

– سأقطّعك لأعواد خشبية كثيرة، ثم أشعل في أحشائك النار، لأشوي جيفة الثور العفن في حوش بيتي.

ارتعدتْ الشجرة، ارتعشتْ، وصرختْ حياتها وخوفها حتى كادت أذناي تصم.
أسرعَ الكهل متكئًا على فأسه، وكان هذا ما يوحي به صوت تحطم الأوراق الجافة. رفعتُ يديّ بيأسٍ لعلّي أشعر بقدوم كتيبة سرب الزيغان. صاحتْ الشجرة بألم:

– يا لي من تعيسة، يا لي من أم تعيسة، لقد غرزَ الكهل النتن فأسه في خاصرتي، لن أستطيع حماية صغيراتي.

ثم أكملتْ وهي تعتصر الألم اعتصاراً:

– يا أعمى، يا طيّب، اعتنِ بصغيراتي وصغار جارتي. علّمهم مد جذورهم للماء. علّمهم مراقصة الرياح, وحذرهم، حذرهم من الانسياب معها. علمهم مخالفة تيّار النهر إن كان الحق عكس التيّار. علمهم أن.. أن..
صوت ضرب الفأس يعلو, وينخفض معه صوت الشجرة. أرادتْ الشجرة إكمال وصاياها، لكنّ الموت أسكتها. اعتلى صوت ضرب مكتوم، صوت ضرب لنواة الشجرة، لقلبها. نَعَقَ طير من بعيد، أو ربما فردٌ من كتيبة الزيغان العسكرية. سمعت صراخ الكهل، ثم تلاه صوت ارتطام جسد بالأرض, فسقوط فأس.

نعيق السرب قريب، لكنه انخفض، انخفض ثم اختفى.

سقطت قطرة، تلتها أخرى، ثم ثالثة. مددتُ كفي لأتلمّس خديّ، لم تكن تلك القطرات دموع.

مددت كفيّ في الفراغ. تعالى صوت السقوط. حطّت قطرة على يدي. صرختُ:

– مطر، مطر، انهضي، انهضي أيتها الأم الطيبة.

وضعتُ يدي على جذعها الشائك وأكملتُ:

– مطر، كان يجب عليه أن ينهمر، لينعشكم، أنتِ وابنتكِ.

لكن جذعها قد بَرَد، وشوكها ذبل. أكملتُ بيأس:

– مطر, أرجوك يا شجرة، ارتوي منه، لا تتركيني وحيدًا، إن الأمانة ثقيلة.

صمتٌ موحش. سقط المطر، وكنت أنا الناجي، الناجي الوحيد، الناجي الميّت.

الوسوم

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات