منشورات إبداعية

منتهى فرحو _ ارتحلت الألوان

17a339b35a1a0dbb250d3b7598fd29c4 منتهى فرحو _ ارتحلت الألوان
ارتحلت الألوان , فتغطت هي بالمكان , واستلقت على فراش البرد , وأستغرقت في دنياها الباهتة ..
تركت جسدها نائما , واقفلت على نفسها إحدى غرف البيت , وتوجهت هي إلى نافذتها المطلة على الحياة ..
كانت جلسة العصر المعتادة لنساء حارتها , منشغلات بالحديث , وأطفالهن في الساحة القريبة يتبادلون الأذى , كان هذا المشهد يشعرها أن الوقت لازال يسير , وأن الأمور ما تزال بخير ..
يتهامسن , فتعلو ضحكاتهن , مدغدغة أذنيها , ليترآى الحنين أمامها , ولكنها لا تستطيع مصافحته , أطرافها متجمدة ميتة ..
كانت أصوات المكان ترسم لها في الأعلى لوحة , ظهر لها أول لون في أزهارها المفضلة بالبتلات الأربع , وهي تستقبل أمطار الشتاء الأولى ..
وظهر لون آخر مع موسيقى الحجل الصباحية ..
وظهر آخر مع أنغام عاصفة خريفية , وقد اقيمت مأدبة من رائحة الارض ..
أطفال يتمايلون كأقمشة شفافة , يتسابقون الضوء والريح , إنها هي مختباة والجميع يبحث عنها , اركضي اركضي ….
لطالما أحبت تلك اللعبة …
وتسارعت الالوان بالظهور , حتى أسرت عيناها في زهوة السكون ..
ابتسمت , فذاب الجليد , وافاق جسدها كبحيرة منهكة , سرعانما تحولت خلاياها غيوما …
ثم تسربت نفسها من الباب , بخطوة مهدهدة وأخرى مهلهلة , كطفل يندفع لأمه بشوق , وتارة كعجوز كبلته الآثام , يرتقب غفرانا للعنة الزمن على انحناءته ..
ارتدت هي فستانا من الدفء , وجملته بريقا من السواد المتبقي ..
احتضنت أجزاءها الغائبة , فذابت اناملها هلاما , وانطلقت إلى لوحة الحنين لتلتقي ألوانها الراحلة , وتنسج من ديمومة الذكرى توحد وجودها مع الأزل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى