عملي أن أنظر إلى المغيب – صالحة المنصوري

حجم الخط

عندما تُشارف الشمس في غرفتي على المغيب، تكسو الجدران البيضاء من حولي بُقعٌ بلون الغُروب. لا أعرف إلا أن أسمّيها هكذا، فليس لهذا اللون من وصفٍ أشدّ حُزناً ودقّةً إلا نفسه. حتى الخزانات، والأرفف والطاولات، وكل قطع الأثاث… لا ينسى العبور من فوقها جميعاً ذلك الشعاع الوهّاج… لأنها كلها بيضاء. وحين أنظرُ لجسدي الأبيض في المرآة، أُذهَل إذ أجدني قد استحلتُ بأكملي إلى لون الغُروب… أُبصرني حمراء، قانية، أكاد أنصهرُ في جلدي، وعيني عينُ امرأةٍ حامية، غضبى متوعّدة، كأنني إحدى أهوال آخر يومٍ في الوجود… 

حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ

هكذا أسمع في خيالي الشعري تفسير آية الكهف هذه كل جُمعة، رغم مُحاولات معلمة القرآن المستمرة لتصحيح مسار أفكاري. وفجأة أبدأ بالصراخ، كل الأشياء من حولي تصرخ، مجدداً بألوان الغُروب، ثم أرى السقف يصطبغ بلون الدماء المُتخثرة، كأن حدود غرفتي الصغيرة في أبوظبي باتت، ولا أدري كيف، إطار لوحة إدوارد مونش الشهيرة في عاصمة أخرى من شمال الأرض. وخارج البيت بعيداً عن الأفق، تكون السماء في هذا الوقت مطليةً بأقسى درجات الرمادي… لا صافية ولا مظلمة، تتماهى فيها الأشياء بلا فواصل أو مسميات، فيغرق العالم كاملاً في كآبة غير المحسوم، غير المفهوم، غير المُبرر… حتى أنا لا أعود أعرف أصل الشيء الذي يقبض على صدري لحظتها، فأصرخ. ولا يقول لي أحد في بيتنا شيئاً، لأنهم يعتادون صراخي، ولأنهم، جميعاً مثلي، يصرخون.

إنها لعنةٌ كُتبت على بيتنا منذ قرون، أن يُرعبنا وقتُ المغيب، فنصرخ. وألا نخرج أبداً أبداً. فحين تهبط الشمس، وتكون الدنيا مائعةً بين النهار والليل، تنسلّ من أوكارها مخلوقات غير بني البشر، يُسمّون أحدها القرين، تعكسُ لكل امرئ الجانب المخفي من نفسه، فيصير وجه السماء مشهداً للّايقين الذي يغلّف المَحيا، وينتشر في الأرض الضباب، ويضيق صدر المرء بغير حول منه ولا قوة. ولهذا نمكث في غرفنا لألا نرى منظر السماء الرهيب وقتها، ولألا نواجه في الرماديّ الأسئلة التي لا نريد مواجهتها. في النهار، يكشفُ الضوء، وفي الليل، تستر العتمة، أما المَغيب… إنه وقتٌ مشؤوم تنعدم فيه الإجابات، وكل أسباب الحياة، وإنني لا ألوم أسلافي الذين سكنوا الصحراء على اختراع تلك الكائنات، فإن لم يُسقِط جدي الأعظم مجهوله الداخلي على جانٍّ غير مرئي يُطابقه في المظهر، لماتَ من حقيقة نفسه. 

لكني، بعكس آبائي وأجدادي، اخترتُ ذات يوم أن أتجلّد وأكسر هذه اللعنة. قررتُ أن عملي من الآن وصاعداً سيكون النظر إلى السماء عند الغروب. وهكذا توقفت عن الصراخ، وفتحتُ باب غرفتي، وأعلنت أمام الجميع أنني اليوم سأخرج من البيت وقت المغيب! لم يصدقني أحد؛ يستحيل في عُرفنا أن يخرج إنسانٌ بكامل قواه العقلية من البيت وقت المغيب، لاسيما إن كانت امرأة. لكنني خرجت، ولم يُصبني شيء، ولم يؤذني قرين. وعرفتُ أن طفولتي كذبة. ومطوّلاً مشيتُ في شارعنا الرمادي وعَيني موجهةٌ إلى الأمام، دون أن أغيب عن نفسي، ودون أن ألتفتَ أبداً إلى الخلف… فقد يتراءى لي، رغم كل شيء، كائنٌ لا أعرفه، في هيئة شخصٍ أعرفه، غربَ عن نفسه فاستغربَ وغاب.

بطاقة النص
عملي أن أنظر إلى المغيب – صالحة المنصوري