تجاوز الموت وعلاجه كـ [مرض خطيرٍ] لم يعُد خيالاً علمياً

ما نتعلمه من الموت فيما مضى، يساعدنا اليوم علي تأخير الموت أو التقدم بالعمر بطريقة أفضل وأكثر فاعلية. وحتى الآن، كثيراً ما يُنظر إلى الموت -وهو حدث طبيعي- علي أنه فشل في الطب. وبالرغم من أن أساليب الرعاية الحديثة في عصرنا الحالي تمنحنا المزيد من الوقت، إلا أننا ما زلنا نواصل النقاش حول رغبتنا في تأخير الموت إلى أقصى حد ممكن أو القضاء عليه بشكل نهائي، وهذا العزوف عن قبول فنائنا سبب كاف لنبحث له عن حل.

هل يمكننا القول وداعاً للشيخوخة؟

في دراسة نُشرت في مجلة Science تمكن فريق من الباحثين من ربط عملية التقدم في السن بالخلل الذي يطرأ على بنية الـ DNA الخلوي، حيث وجدوا أن الطفرات الوراثية المسؤولة عن متلازمة فيرنر، (وهي متلازمة تتمثل بالشيخوخة والموت المبكرين) كانت ناتجة عن تراجع وخلل في حزم الـ DNA المعروفة بالكروماتين المتغاير heterochromatine.

هذا الاكتشاف الذي ما كان ليرى النور لولا تقنيات الخلايا الجذعية والتعديل الوراثي قد يقودنا إلى طرقٍ فعالة للتصدي للأعراض الفيزيولوجية المرتبطة بالتقدم في السن من خلال منع حدوث ضرر في الكروماتين المتغاير أو عكس تأثير هذا الضرر.

تصيب متلازمة فيرنر ما يقارب شخصاً واحداً من كل 200,000 شخصٍ في الولايات المتحدة وتنتج عن طفرة في المورثة المسماة بمورثة متلازمة فيرنر WRN والتي تنتج بروتيناً يدعى ببروتين WRN أيضاً، وقد بينت دراسات سابقةٌ أن الشكل السليم من البروتين هو عبارة عن إنزيم يحافظ على بنية وسلامة DNA الفرد، ولكن عند حدوث طفرة في المورثة المسؤولة عن الترميز لهذا البروتين فإنه يعرقل نسخ وإصلاح الـ DNA كما يشوش عملية التعبير المورثي والذي كان يعتقد أنه سبب الشيخوخة المبكرة في متلازمة فيرنر، ولكن، ما لم يكن واضحاً كفاية هو الآلية التي يعيق بها بروتين WRN الطافر هذه العمليات الخلوية الهامة.

الخلاصة هي أن تراكم التغيرات في بنية الكروماتين المتغاير على مر السنين ربما كان عاملاً رئيسياً من عوامل الشيخوخة على المستوى الخلوي، والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا هو ما إذا كان عكس هذه التغيرات ممكناً بغرض التخلص من الأعراض والأمراض المرتبطة بالشيخوخة!  

فريق من العلماء يتوصلون إلى علاج يمكن أن يعيد عقارب ساعة الجسم إلى الوراء

أكد فريق من العلماء أن نوعاً جديداً من العلاج الجيني، الذي تم تجريبه على الفئران، يمكنه تجديد الخلايا الآدمية، ما يعني بالتالي إيقاف أو إعادة عقارب ساعة الشيخوخة إلى الوراء، على الرغم من أن العلماء يقولون أن التطبيقات السريرية على الإنسان تبعد تقريباً عقداً من الزمن. وتعتبر التجاعيد والشعر الأبيض والآلام والأوجاع جزءاً لا يتجزأ من تقدم السن، إلا أن العلماء يدعون الآن أن عملية الشيخوخة يمكن عكسها.

bf378c358190056d84cd523d94a8857c تجاوز الموت وعلاجه كـ [مرض خطيرٍ] لم يعُد خيالاً علمياً
الخلايا القديمة يمكن أن تستعيد شبابها مرة أخرى. على اليسار، خلايا العضلات من الفئران العجوزة والتي لديها ضعف في القدرة على إصلاح نفسها. وعلى اليمين، خلايا العضلات من الفئران العجوزة ولكن بعد العلاج بـ “عوامل إعادة البرمجة”، مما أدى إلى تحسين القدرة على تجديد خلايا العضلات.

قد لا تكون الشيخوخة أمراً حتمي، فلقد وجد العلماء وسيلة لعكس إتجاه الشيخوخة في الخلايا البشرية والحيوانية، مما يجعلهم يظهرون بمظهر أكثر حيوية ويتصرفون تماماً مثل غيرهم الأصغر سناً. فقد استخدم الباحثون طريقة لعلاج الفئران من مرض نادر، المرض الذي يسبب لهم الشيخوخة والموت في وقت مبكر.

ويذكر بأن هذه الطريقة أدّت إلى نتائج واعدة، حيث أن خلايا الجلد البشري الموجودة في الطبق المخبري قد أبدت مظهراً وسلوكاً فتيّاً مرة أخرى، كما جعلت الفئران التي تعاني من مرض الشيخوخة المبكرة، تتجدد 30٪ بالنسبة لعمرها، ويبدو أنها تجددت حيويتها وشُفيت بعض خلاياها بشكل أسرع من المعتاد.

وقال الباحثون إن النتائج التي توصلوا إليها قد تساعد العلماء على فهم أفضل لعملية الشيخوخة. وفي يوم من الأيام ، قد يكون من الممكن استخدام نهج مماثل لدرء الأمراض المتصلة بالسن في البشر، وبالتالي تحسين صحة الناس وزيادة حياتهم.

«أظهرت دراستنا أن الشيخوخة قد لا تسير في اتجاه واحد، وأنه مع تعديل دقيق يمكن عكس تقدم الشيخوخة»

 

هذا وفقاً لما قاله (خوان كارلوس ايزبيسوا بيلمونتي – Juan Carlos Izpisua Belmonte) ، وهو باحث في الدراسة وأستاذ في معهد سالك للتعبير الجيني في لاجولا، كاليفورنيا، في تقرير نُشر بعنوان [تمديد الحياة: 7 طرق لتتجاوز الـ 100 عام] .

4d7089ff1c5eaf129ad9a89bc47348df تجاوز الموت وعلاجه كـ [مرض خطيرٍ] لم يعُد خيالاً علمياً
تم إجراء التجربة على الفئران في المختبر.

وقال إيزبيسوا بلمونتي:

«التقنيات الوراثية المستخدمة في الفئران لا تصلح في الوقت الحالي للتطبيق الفوري على البشر، ويتوقع فريق العمل نجاح هذه التجربة مع البشر بعد عقد من الزمن. ومع ذلك، فإن هذا الاكتشاف يثير احتمال ظهور نهج جديد في الرعاية الصحية، يمكن من خلاله معالجة الشيخوخة، بدلاً من علاج العديد من الأمراض المرتبطة بها.»

العلماء يعرفون بالفعل أنه من خلال تشغيل أربع جينات تُعرف باسم (عوامل ياماناكا) داخل الخلايا البشرية التي تنمو في الأطباق المختبرية، فإنها يمكن أن تحول الخلايا مرة أخرى إلى الحالة التي تكون عليها  في الأجنة البشرية. الخلايا التي خضعت لهذا الإجراء تعرف باسم الخلايا الجذعية المحفزة المستحثة، ولديها القدرة على أن تتحول إلى أي نوع من الخلايا داخل الجسم، ويمكن أن تنقسم بطريقة لانهائية.

ولكن الدراسات السابقة وجدت أنه عندما يتم استخدام هذه الطريقة مع الحيوانات، فإنها تساعد على تطور السرطان.

أما في الدراسة الجديدة، فوضع الباحثون طريقة لتشغيل “عوامل ياماناكا“، ولكن فقط لفترات قصيرة من الزمن.

95fc1ab61212276e3b5f1af554f443a9 تجاوز الموت وعلاجه كـ [مرض خطيرٍ] لم يعُد خيالاً علمياً
خوان كارلوس إيزبيسوا بلمونتي، من معهد سالك في لا جولا، كاليفورنيا. منذ زمن وهو شغوف بالتجديد، وقد طبق العلاج على كائنات كثيرة مثل الفئران والأسماك والسحالي، وأثبت إمكانية تجديد الذيول المفقودة أو الأطراف.

وبدأوا بتطبيقها مع الفئران المصابة بمرض يسمى (بروجيرا – progeria) وهو مرض الشيخوخة المبكرة والذي يسبب لهم التقدم في السن أسرع من المعتاد. وقد قاموا بتهيئة هذه الفئران المعدلة وراثياً بحيث تتحول خلاياهم إلى “عوامل ياماناكا” عندما تعالج الفئران بمركب معين (في هذه الحال، استخدموا antibiotic doxycycline).

بدأ الباحثون في تطبيق العلاج على الفئران المصابة بمرض الـ “بروجيريا” عند بلوغها ثمانية أسابيع من العمر ومن ثم قاموا بتكرار العلاج على فترات طوال حياة هذه الحيوانات.

ورأى الباحثون نتائج مذهلة: فقد بدت الفئران أصغر سناً من الداخل والخارج، وأصبح العمود الفقري أكثر استقامة وكذلك تحسين وظائف الأعضاء. ويبدو أيضاً أن الخلايا التي يظهر عليها علامات الشيخوخة أصبحت أقل بكثير من خلايا الفئران غير المعالجة.

عندما عالج الباحثون الفئران العادية التي وصلت بالفعل إلى الشيخوخة، رأوا أن بعض الخلايا أصبح لديها قدرة على التجديد -الخلايا في العضلات والبنكرياس التئمت بسرعة أكبر بعد حدوث الإصابة. مقارنة بالفئران الأكبر سناً والتي لم تتلقى أي علاج مضاد للشيخوخة.

ودرس الباحثون أيضاً الخلايا البشرية التي تم تعديلها وراثياً بحيث يمكنهم تشغيل “عوامل ياماناكا” بعد العلاج بواسطة مادة كيميائية. وعندما عالج الباحثون هذه الخلايا، انعكست علامات الشيخوخة فيها، وظهرت الخلايا الأصغر سناً على المستوى الجزيئي.

“استجابة الفئران لعوامل إعادة البرمجة تلك جعلتها تبدو بمظهر أفضل، وأصبحوا يتمتعون بصحة أفضل ولم تعد علامات الشيخوخة تتراكم في أجسامهم”

 

هذا ما قاله (براديب ريدي – Pradeep Reddy) في مقطع فيديو، وهو باحث مشارك في معهد سالك

وقال إيزبيسوا بلمونتي:

“في يوم من الأيام، قد يكون الباحثون قادرين على التوصل إلى طريقة لاستبدال هذه الجينات الأربعة بمركب كيميائي يمكن أن يُعطى للناس في التجارب السريرية، ولكن تطوير مثل هذا المُركب قد يستغرق سنوات عديدة”

ويقول بيلمونت

«نعتقد أن هذا النهج لن يؤدي إلى الخلود»، ويضيف «حيث لاتزال هناك على الأرجح عقبات على الطريق تتعلق بإرجاع الشيخوخة إلى الوراء، ولا يتركز اهتمامنا فقط على تمديد العمر، لكن الأهم من ذلك هو تحسين صحة الإنسان».

من جانبه، وصف استاذ علم التخليق بمعهد بارهم بجامعة كامبردج، وولف ريك، الذي لم يشارك في هذا العمل، النتائج بأنها «مدهشة»، وأقر بأن فكرة إطالة العمر هي فكرة معقولة، وأردف قائلاً «هذا ليس خيالاً علمياً».

يرتكز علاج تجديد خلايا الفئران على أسلوب سبق استخدامه لـ«ترجيع» الخلايا البالغة، مثل خلايا الجلد، والعودة بها إلى الوراء لتصبح خلايا جذعية قوية، مشابهة كثيراً لتلك التي تظهر في الأجنة. هذه الخلايا، أو ما يسمى «الخلايا الجذعية المحفزة»، لديها القدرة على التكاثر والتحول إلى أي نوع من الخلايا في الجسم، ويجري بالفعل اختبارها في تجارب مصممة لتوفير «قطع غيار» للمرضى. أحدث دراسة في هذا المجال هي تلك التي أظهرت أن الأسلوب نفسه يمكن استخدامه للإرجاع الجزئي لساعة الخلايا، وبما يكفي لجعلها أصغر سناً، لكن من دون أن تفقد الخلايا وظيفتها المتخصصة.

بعد ستة أسابيع من العلاج في هذه الدراسة، بدا واضحاً أن الفئران أصبحت أصغر سناً، وتحسنت حالة وشكل الجلد والعضلات، وعاشت فترة أطول بنسبة 30٪. وعندما تم استهداف الجينات نفسها في الخلايا، تم تخفيض الحمض النووي من التلف، وتحسنت وظيفة بطاريات الخلايا، التي يطلق عليها الميتوكوندريا.

ويقول بيلمونت:

«هذه هي المرة الأولى التي يُثبت فيها شخص ما أن إعادة برمجة حيوان يمكن أن ينتج عنها تأثير مفيد من حيث الصحة وإطالة العمر».

وبالتالي انخفض خطر إصابة الفئران بالسرطان إلى حد كبير، ما يشير إلى أن العلاج قد أرجع بنجاح الخلايا إلى الوراء دون أن يحولها إلى خلايا جذعية، يمكن أن تتكاثر دون حسيب ولا رقيب في الجسم.

ترجمة: قمر عبد الحكيم عثمان

المصادر (1) (2) (3)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى