مظفر النواب – قراءة في دفتر المطر

young-woman-with-a-book-1875
Edouard Manet

في الليل
يضيع النورس في الليل .. القارب في الليل
وعيون حذائي تشم خُطى امرأة في الليل
امرأة ليست أكثر من زورق لعبور النهر
يا امرأة الليل .. أنا رجل حاربت بجيش مهزوم
ما كنت أحب الليل بدون نجوم
وأخيرا صافح قادتنا الأعداء ونحن نحارب
ورأيناهم ناموا في الجيش الآخر والجيش يحارب
والآن سأبحث عن مبغي
استأجر زورق
فالليل مع الجيش المهزوم طويل
في مقهى الزيتونة تبكي الموجة فيه

أهلي فيه
ورجال فيه يصيدون أصابع أطفال غرباء
مازلنا بشراً ضعفاء
نبحث عن شوق
يتعبنا كالشوق
ونحب ونكره حد الشوق
ورأيناهم ناموا في الجيش الآخر
والجيش يحارب
وبحثنا عنهم كالمبغى
يا شباك الزيتونة أبحث عن مبغى
أبحث عن طين
يا زهرة بيتي يا وطني
أأظل هنا حزناً مبعد ؟
أأظل على خرسي تابوت قصاصات مجهد ؟
لا أعرف حتى خشبي
لا أعرف أين سيتركني الجزر
وليل الماء على جرحي
لا أعرف كيف يمر الإنسان بدرب الدمع
لا أعرف أيأس
الخضرة دبت في خشبي والمنفى
وسمعت شموعاً تتلقح في قلبي
وصراخاً أهمل أعواماً
لا يغضب لا يبكي
وتواطأت مع الأيام
نسيت .. نسيت .. نسيت
وفاجأني .. أنت في هذا الليل
أنا لا أعرف وجهك
لا أعرف من أنت
أعواماً بعدك ما كان لبيتي باب
أعواماً ألهث ألقاك وراء النوم
وأنت سراب
فأنا أحببتك في زهرة بيتي
في وطني
وسمعت شموعاً تتوهج في قلبي
في وطني
ولماذا بعتم لغة البيت
وفيها الشياح
وأهلي
وأخي في مطر الليل
ولماذا استأجرتم لغة أخرى
وأبحتم وجه مدينتنا لليل
وتركتم في الهجر حروفي
كأصابع أيتام في الشباك
كزوايا فم طفل يبكي
من أقصى الحزن أتيت
لأغلق أبواب بيوت المهزومين
وأبشر الإنسان
وبالإنسان
وبالشياح
وبمن لا يملك سقفاً
سيكون له سقف في هذي الدنيا
وينام
لكن وأخجلي كم بيننا مهزوم
وسيخجل من باعوا لغتي
فأنا مكتوب في الأرز
وفي العسل الأخضر
في التين
وأنا أطعم بالسكر نخلات الكوفة
والأطفال على رابع جسر ” العشار ”
أنا لا أملك بيتاً أنزع فيه تعبي
لكني كالبرق أبشر بالأرض
وأبشر أن الأمطار ستأتي
وستغسل من لوحتنا كل وجوه المهزومين
وستغسل بالمطر الدافئ جنح النورس
وبيوت أحبتنا
والحرف الأول من لغتي
يا زهرة بيتي
يا وطني
أمطرني حزن بلادي
أمطر فوق الماء
ماذا غير الزرقة تنمو فوق الماء
وخضار أصابع أطفال غرقى
تنمو في الصحبة أياماً وتموت
الماء طريق الغرباء
الماء طريق عرسي
والزهرة والرشاش وخبز الصمغ
عشاء النجمة في الليل
وعشائي
الماء طريق للماء
وبويت لا ندرس فيه
وننشف خديه إذا ابتلا
ونرافق فانوس النوم
من أيام زهرة بيتي
فارقت نعاسي وتواطأت
مع الأنهار وكل جسور الناس إليك ..
ونسيت .. ونسيت
بأنك ماء في وطني
اسمك في الليل
يسيل الصمغ من التفاح
نهر ينتاب الحر
ليالي الصيف
ويواعد كل الأمطار
ويواعدني الصحو
وأعدني وكذبت بقلبي
كذبت كنشرة أخبار
يكذب ..
يكذب .. يكذب صحوك
يكذب باستمرار
فكأنك غربة
وكأنك كنت رصيفاً في الغربة
وكأنك مألوف في الغربة
وكأنك لا أردي
غربة
غربة
بلل فيك كماء الليل على الأشجار
اسمك لي بيت في الليل
ونسيت لسرعة قلبي
كل نوافذ مشرعة في الليل
نسيت .. نسيت
وأيقظني ريح الشباك على وطني
يا وطني وكأنك في غربة
وكأنك تبحث في قلبي
عن وطن أنت ليأويك
نحن الاثنان بلا وطن يا وطني
كالبارحة اشتقت
ومرت في قلبي طرقات مدينتنا تبكي
الدمع على أرصفتي يبكي
ومدينة أيامي باعوها في الساحة تبكي
يا امرأة الليل
أنا رجل باعوا الليل مدينة أيامي
باعوني ككتاب يطبع ثانية
باعوا أحلامي
ناموا يا امرأة الليل
فمن يبحث عن إنسان
من يعرف جندياً في هذه الغربة
من ينصت للحزن المتأخر
من يعرف وجهي في السوق
نامي يوشك زيتك يطفئني
ما زيتك من زيت
يا قمحاً يأتي يغمر بالشمس شبابيك البيت
لو كنت عرفت بأنا نملك بيتاً خلف ظلام الدنيا
وصغاراً مثلك في البيت
لو كنت عرفت سلاحاً لماذا نتعاطى
لو كنت عرفت لماذا نتعاطى الصمت
وحزن الإصرار
لو كنت عرفت معسكرنا وقبور الماء وصوت الليل
ورأيت وجوه رفاقي التسعة قبل النار
لو كنت عرفت لماذا يسكن جوع في الأهوار
جوع وثلاثة أنهار
لو كنت عرفت الخجل المر على جبهة ثوري ينهار
لعرفت الثورة
لعرفت لماذا الثورة
لعرفت بأن الثائر لا ييأس من دفع الصفر بوجه الليل
لعرفت لماذا أبحث عن مبغى
لعرفت لماذا أبحث في وجه الناس
عن الإنسان
في وجهك أبحث عن إنسان
عن إنسان
أبحث في طرقات مدينتكم
عن وجه يعرفني
أبكي في طرقات مدينتكم
عن وجه يعرف حزني
يعرف ماذا في وطني
أندب كالبوم المجروح على جدران الليل
والبارحة اشتقت
ومرت في قلبي كل خرائبها تبكي
يا مدن النار مدينتنا تبكي
المنقذ يأتي كشموع تحت الماء
سنتان تعلم حزناً تحت الماء
سنتان نمت أسماء القتلى اتخذت أسماء
ونما النسيان
ونما للمنقذ درب
وصليب من اشتات خضراء
حزين قلبي للمنقذ
مثل كتابات الاحزان
مثل كتابات الريح
مثل رثاء النصر إذا ساوح قلب القائد
وكما يقرأ في المبغى قرآن
وحزين قلبي
كحديث العمر الذاهب للمنقذ
وحزين في طرقات مدينتكم
حقرتم حزني
المبغى في ليل مدينتكم
أكثر تسلية من حزني
القبر بليل مدينتكم
أكثر أفراحاً مني
وأنا من أقصى الحزن أتيت
أبشر بالإنسان
وبالمنقذ
وأخاف على أيام مدينتكم منكم
من لغة أخرى
في الطرقات المشبوهة بالإنسان
وزهر الصبر
اتسخت روحي يا منقذ
واتسخت روحي وتعذب حتى وسخي
عانيت لأنك تعرفني في الغربة
عانيت لأنك في ثقة متعبة كالشك
وتعاملت مع الغربة
عانيت وعانيت
وماذا تدري
ولماذا تدري
بالأمس ذهبت
على وجهك بؤس صغار الأسماك
وسألت … سألت
وعنك سألت الصيادين
سألت لماذا لا تدري
وحملت صليبك لا تتركني في النسيان
لا تتركني فالشك سيقتل في الإنسان
لا تتركني أفـَلست المنقذ
أفـَلست رفيق المتسخين
ولأجل صليبك في حفر الليل
أنام مفتحة عيناي مع الأسماك
ولأجل صليبك نمت مع المبغى
ووجدت صليبك يبكي ندماً في الشباك
لا تتركني فأنا وحدي
والناس هنا في غربة .

تبرعاتكم تساعدنا على إثراء الموقع، وإكمال تسجيل الأنطولوجيا الصوتية لشعر العالم، شكرًا لكل الأصدقاء والأحباب الداعمين

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق