الأمل واللامعقول في أعمال كافكا – ألبير كامو

 

 

الأمل واللامعقول في أعمال كافكا - ألبير كامو

لا یكفي أن نقرأ كافكا مرة واحدة . لا بد على الأقل من قراءتین، إذ تتطلب النھایات لدیه أو بالأحرى غیابھا قدرًا من التفسیر. لكن المھم ھو أن الجانب الخفي في ھذا الأدب یضطرنا إلى أن نعید قراءة التاریخ من زاویة جدیدة . وحیث تبدو ضرورة القراءتین یصبح ھناك إمكانیتان للتفسیر و ذلك ھو ما یقصده الكاتب. غیر أنه من الخطأ أن نحاول تفسیر أدب كافكا في تفاصیله لأن الرمز دائما في عمومه و مھما حاول الكاتب أن یحدده فإنه لا یفعل أكثر من أن یمنح الحركة، و
إذن لا مجال ھنا للتفسیر الحرفي. فیما عدا ذلك، لابد من الاعتراف بأنه لا یوجد شيء أكثر صعوبة من فھم عمل رمزي . فالرمز یتجاوز دائما من یستخدمه ، و یعني أكثر مما أراد أن یعبر عنھ . وفي ھذا الصدد تصبح الوسیلة الأكیدة لأدراك الرمز ھي ألا نضغط علیه، و أن نتناول العمل الأدبي بروح متحرر ولا نبحث فیه عن التیارات الخفیة . و بالنسبة إلى كافكا ، حسبنا أن نرضى بلعبته، وأن نأخذ لدیه المأساة بحسب الظاھرة ، والروایة تبعا للشكل.
تبدو أعمال كافكا، للوھلة الأول ، ولدى القارئ العادي، عبارة عن مغامرات مقلقة تمثل شخصیات مثیرة و متصلبة، تبحث عن مشكلات لیست من صنعھا. وفي القضیة، جوزیف ك.. متھم لكنه لا یعرف تھمته ! و ھو یشرع دون شك في الدفاع عن نفسه ، لكنه یجھل السبب. و یرى المحامون أن جریمته شنیعة، وفي أثناء ذلك لا یھمل جانب الحب كما أن یأكل و یقرأ جریدته، ثم یحكم علیه: قاعة المحكمة شدیدة الظلمة و ھو لا یفھم شیئا. إنه یحدس فقط بأنه محكوم علیه، لكن بأي تھمة، یكاد یتساءل، لكنه یشك في ذلك. و یواصل حیاته . و بعد وقت طویل، یتقدم منه رجلان مھذبان، في ثیاب أنیقة، و یدعوانه أن یتبعھما. و بكل مظاھر الأدب، یصحبانه إلى ضاحیة مقفرة، ثم یضعان رأسه فوق حجر، و یذبحانه! العبارة الوحیدة التي یتفوه بھا قبل أن یموت: (( ھكذا مثل الكلب ! )) .

إننا نرى أنه من الصعب الحدیث عن الرمز في روایة تعتبر أعمق من عناصرھا تأثیرًا مجرد شيء طبیعي . لكن ((الطبیعي )) لیس من السھل دائمًا فھمه. ھناك أعمال یبدو فیھا الحدث طبیعیا للقارئ، لكن ھناك أعمالًا أخرى ( وھي نادرة في الحقیقة ) تجد فیھا الشخصیات أن ما یحدث لھا أمر طبیعي . وعن طریق تعارض فرید، لكنه واضح، تصبح مغامرات الشخصیة غریبة ، و في حین أن ما یحدث التأثیر إنما ھو الشيء الطبیعي فیھا، و ھكذا تبرز أمامنا المعادلة التالیة: أننا نشعر، و في وقت واحد ، بغرابة حیاة إنسان و بالبساطة التي یتقبل فیھا ھذا الإنسان تلك الغرابة. و یبدو أن (( الطبیعي )) خاص بكافكا نفسه. و ھذا ما أرادت لقضیة أن تعبر عنه .

لقد جرى الحدیث دون شك عن صورة للحیاة الإنسانیة. لكنھا في وقت واحد بسیطة جدًا و معقدة جدًا. اقصد أن معنى الروایة خاص جدًا و شخصي بالنسبة لكافكا. و إلى حد ما فإنه ھو الذي یتحدث، و نحن ھم الذین یسمعھم اعترافاته . إنه یحیا و ھو محكوم علیه . یخبرنا بذلك منذ الصفحات الأولى في روایته التي تتبع ھذا العالم ، محاولة أن تجد له دواء و یتم ذلك أحیانا على نحو غیر مفاجئ . إنه لا یندھش قط مما یفقد الدھشة، و تلك ھي التناقضات التي نتعرف منھا على العلامات الأولى للعمل اللامعقول، حیث یطرح الذھن في العالم المحسوس بمأساته الروحیة، و ھو لا یستطیع أن یفعل ذلك إلا عن طریق التناقض المستمر الذي یعطي للألوان القدرة للتعبیر عن الفراغ، و لصور الحیاة الیومیة ( العادیة ) قوة ترجمة الأحاسیس الخالدة.
كذلك تعتبر روایة القصر لاھوتًا تطبیقیًا. لكنھا تمثل، قبل كل شيء مغامرة فردیة لنفس تبحث عن الھدایة .. لإنسان یطلب من الأشیاء أن تبوح بسرھا الملكي، ومن النساء: السر الإلھي الذي یختبئ فیھن .

أما روایة المسخ ، فتمثل بالتأكید عملیة التخیل العنیف للسلوك، لكنھا أیضا نتاج الدھشة اللامحدودة ، حیث یبتلى إنسان بأن یشعر بشعور الحشرة التي تحول إلیھا بدون جھد. و في ھذا الغموض الأساسي یكمن سر كافكا . ذلك التوازن المستمر و الخالد بین الطبیعي و الشاذ، الفردي و العام، المأساوي و الیومي، اللامعقول و المنطقي .. بین تلك الثنائیات التي تنتشر في أعمال كافكا كلھا، وتعطیھا في الوقت نفسه، دلالتھا وصداھ.. و ھكذا، على أساس تلك المتناقضات التي یجب أن نرمقھا، و المتضادات التي یجب أن نؤكدھا یمكن أن نفھم العمل اللامعقول .
في الواقع، یفترض الرمز دائما مستویین، عالمیین من الأفكار و الأحاسیس، ثم قاموسًا یحول أحدھما الاخر. وتلك اللغة ھي أصعب ما یتم بناؤه. لكن الوعي الحاضر بالعالمین یضعنا على طریق علاقتھما الخفیة. و لدى كافكا، یتمثل ھذا العالمان، وفي مجال الحیاة الیومیة من جانب، و مجال القلق فوق الطبیعي من جانب آخر ( ١) . و یبدو ھنا أننا قد ألمحنا بعض الشيء من تفسیر لا نھائي لعبارة نیتشه: (( أن المشكلات الكبرى توجد في الشارع )) .

إن الحیاة الإنسانیة، الموضوع المشترك بین كل الآداب، تحتوي في وقت واحد لا معقولیة أساسیة، وعظمة ھائلة . الوجھان كما ھو الطبیعي یتزامنان، ویتمثلان في ذلك الفراق الغریب بین شراھات النفس، و متع الجسد السریعة الزوال. و یكمن اللامعقول في أن النفس تتجاوز ھذا الجسد بمراحل لانھائیة ، لذلك ینبغي على من یرید ان یصور تلك (( اللامعقولیة )) أن یلجأ للعبة المتناقضات المتوازنة ، وینفخ فیھا الحیاة. و بھذه الطریقة یعبر كافكا عن المأساة بواسطة ما ھو یومي ، ومن اللامعقول بما ھو منطقي.

عندما یتقمص الممثل بكل ما یمكنه من قوة في الأداء، شخصیة مأساویة، و یجھد أن یبالغ فیھا، فإنه یحول تأثیرھا المحدود في الرعب إلى نحو غیر محدود. و في ھذا الصدد، تبدو المأساة الیونانیة ملیئة بالدروس. فیھا یتم تحدید المصیر في صورة منطقیة و طبیعیة. فقد أعلن مصیر أودیب سلفًا، عندما تقرر على نحو فوق طبیعي، أنه سیرتكب جریمتي قتل أبيه و الزنا بأمه. و یكمن جھد المأساة كله على إبراز النظام المنطقي الذي، بانتقاله من استنتاج إلى آخر، ینتھي باستنفاد عذاب طویل. و لا تتمثل الرھبة في مجرد إعلان ھذا المصیر، فقد یكون ذلك محتملا . لكن إذا أدخلته الضرورة في مستوى الحیاة الیومیة، و المجتمع، و الدولة، و الانفعال فعندئذ تبدأ ھذه الرھبة في التخصص و التفرد والخلود .. و ھكذا فإنه في أثناء تلك الثورة التي تھز الإنسان ، و تجعلھ یقول : (( أن ھذا غیر ممكن )) یوجد في الواقع يقین بائس في أن (( ھذا )) یمكن أن یكون (( ممكنا )) .

ذلك ھو سر المأساة الیونانیة، أو على الأقل، أحد أسرارھا، لأن ھناك سرًا آخرًا یتمثل في المنھج العكسي الذي سوف یتیح لنا أن نفھم كافكا . أن القلب الإنساني یحتوي على اتجاه عنیف یسمي كل ما يسحقه مصيرًا.
لكن السعادة تعتبر بدورھا كذلك، من حیث إنھا دون سبب لا یمكن تجنبھا. و الانسان المعاصر إننما يضفي علیھا الفضل من عدم اعتراف بھا. وعلى العكس، یمكن أن یقال الكثیر على المصائر السعیدة، في المأساة الیونانیة ، والتي تنجو بنفسھا وسط مغامرات أشد سوءًا كما في أسطورة أليس Ulysses
ما یمكن استخلاصه من ھذا كله، ھو ذلك التعقید الخفي، الذي یوجد في المأساة، بین ما ھو منطقي و ما ھو یومي. ھذا بطل المسخ، التاجر المتحول، لا یعاني من شيء، في تلك المغامرة الفریدة- التي تحول فيها سامزا إلى حشرة- إلا من أن صاحب العمل غاضب من تكرار غیابه . و تنبت له قوائم وقرون استشعار، و یتقوس ظھره، و تنتثر على بطنه نقاط بیضاء – و لا أقول : أن شیئا من ھذا یدھشه . إنه یسبب له فقط (( ضجرًا خفیفا )) .
أدب كافكا كله من ھذا اللون. في عمله الرئیسي القصر، لا تبرز تفاصیل الحیاة الیومیة، و مع ذلك، فإن ھذه الروایة الغریبة، التي لا یتوصل فیھا لشيء، یبدأ كل شيء مرة أخرى من جدید. إنھا عبارة عن مغامرة نفس باحثة عن ھدایتھا المرسومة. و نجد ترجمة ھذه المشكلة إلى الفعل، بما تشتمل علیه من تزامن بین العام و الخاص، موجودة في الخصائص الصغیرة لكل إبداع أدبي كبیر. في القضیة كان یمكن أن یسمى البطل شمیدت أو فرانز كافكا ، لكن یسمى
جوزیف ك .. إنه لیس كافكا، و مع ذلك فإنه ھو نفسه : أوروبي متوسط، مثل كل الناس. لكنه أیضا الھویة ك .. الذي يمثل رمز (ص) في معادلة الجسد.
وإذا كان كافكا قد اختار أن یعبرعن اللامعقول، فإن ما استخدمه لذلك إنما ھو التناسق . إننا نعرف قصة ذلك المجنون الذي كان یصطاد في ( البانیو )، والطبیب الذي كانت لدیه أفكاره عن علاج الأمراض العقلیة و النفسیة، حین سأله: (( و إذا عضك ھذا ؟ )) فأجابھ المجنون على الفور بكل صرامة : (( لا یا أحمق إنه بانیو )) . و إذا كانت ھذه الحكایة ذات طابع باروكي فإننا ندرك منھا بصورة محسوسة ، كیف یظل الواقع اللامعقول مرتبطًا بمدخل إلى المنطق . إن عالم كافكا یدق عن الوصف، حیث یمنح الإنسان نفسه ( المتعة المؤلمة ) باصطیاده من ( البانیو ) ، ھو یعلم تماما أنه لن یُخرج منه شیئا.
إنني أعترف ھنا بعمل لامعقول في جمیع أسسه . و بالنسبة إلى القضیة مثلا، أستطیع القول بأن النجاح كامل . فالجسد ینتصر. ولا شيء یفتقد فیھا: لا الثورة غیر المعبر عنھا ( مع أنھا ھي التي تكتب) ولا الیأس الواضح والصامت ( وھو الذي یبدع ) ولا تلك الحریة المدھشة للغرابة التي تستنشقھا الشخصیات حتى اللحظة الأخیرة.
ومع ذلك ، لیس ھذا العالم مغلقا كما یبدو. ففي ھذ العالم الخالي من ضروب التقدم، سوف نجد كافكا یدخل الأمل في شخصیة ( فریدا ). و في ھذا الصدد، فإن القضیة والقصر لا یسیران في نفس الإتجاه . إنھما یتكاملان. و یمثل التطور المحسوس في كل منھما فتحًا ھائلًا في میدان الغزو.
القضیة تثیر المشكلة بینما تحاول القصر حلھا. القضیة تصف، تبعا لمنھج شبه عملي، و القصر یتخیل العلاج. لكن الدواء المقترح ھما لا یشفي . إنه فقط یدخل المرض في مسیرة الحیاة الیومیة، و یساعد على قبوله. و بمعنى ما ( نقصد ھنا كیركجارد ) یجعلھ شیئا عزیزًا .
إن المھندس ك .. لا یستطیع أن یتخیل أي ھم آخر، غیر ذلك الذي یضنيه. والذین یحیطون به إنما یھیمون بذلك الفراغ، و ذلك العذاب المجھول الاسم، كما لو أن المعاناة ھنا قد اكتست وجھًا مفضلًا. تقول فریدا للمھندس ك .. :(( ما احوجني الیك ! لم أشعر بأنني مھجورة منذ عرفتك . و تزداد حاجتي إلیك عندما لا تكون بالقرب مني )) . إن ھذا الدواء الدقیق الذي یجعلنا نحب من یسحقنا، و یولد الأمل في عالم في عالم بدون مخرج، و تلك الطفرة التي یتغیر بھا تقریبا كل شيء: ھما سر الثورة الوجودیة و سر روایة القصر نفسھا .
قلیل من الأعمال أكثر صرامة من خطواتھا من القصر، فقد عین ك .. مھندسًا للقصر، و ھو یصل إلى القریة، و ھناك یكتشف أن كل الطرق المؤدیة إلى القصر مستحیلة. و خلال مئات الصفحات ، ترى ك .. یصر على أن یجد طریقه ، و یطرق كل السبل، و یكید، و ینحرف، و لا یغضب أبدًا .. و أخیرًا یلتحق بالوظیفة المقدمة له . أن كل فصل في الروایة یعتبر سقوطًا، و ھو أیضًا عبارة عن بدایة من جدید. ھنا لا نلتقي بالمنطق، و لكن بروح التتبع و الاستقصاء، و مدى
ھذا العناد ھو ما یصنع المأساة، فعندما یتصل ك .. بالقصر تیلفونیا، لا یصل إلى سمعه سوى أصوات غامضة، مختلطة، و ضحكات مبھمة، و نداءات بعیدة .. و ذلك ھو كل ما یغذي أمله ، مثل تلك السحابات القلیلة التي تظھر في سماء الصیف، أو تلك الوعود المسائیة التي تمنحنا الرغبة في الحیاة، و ھنا نجد سر كآبة كافكا، الخاصة به، و ھي نفسھا في الحقیقة التي نستشفھا من أعمال بروست ، أو لدى افلوطین في (( الحنین الى جنات مفقودة )) تقول أولجا : (( غدوت كئیبة للغایة عندما قال لي برنایا ، ھذا الصباح أنه سوف یذھب إلى القصر. ربما كانت ھذه المسافة غیر مفیدة. ربما كان ھذا الیوم ضائعا . ربما كان ھذا الأمل عبثا )) . على ھذا الوتر (( ربما .. )) یعزف كافكا عمله كله. لكنه لا یحقق فیه شیئا . أما البحث عن الجانب الخالد ، فھو مغرق في التفصیلات ، و نقدم تلك الشخصیات الآلیة صورة لما سوف ( نؤول إليه جمیعا ، مجردین من ملاھینا الزائلة، و متجردین بالكلیة إلى الخضوع الإلھي ( ٢

في القصر، یصبح الخضوع إلى ما ھو یومي تصرفات و إخلاقًا . فأمل ك .. الكبیر ھو أن یبلغ ھدفه ، و ھو أن یتبناه القصر. ولأنه غیر مستطیع وحده إلى الوصول إلى ھذا الھدف، فإنه یبذل غایة جھده للحصول على تلك النعمة بأن یصبح من سكان القریة، و مع ذلك فإن كل الناس یعاملونه كغریب. إن كل ما یریده: مھنة و منزل و حیاة رجل مستقیم. لكن ھذه الأشیاء تتطلب أكثر من الجنون، و ھو حریص على أن یظل إنسانًا عاقلًا، فیحاول أن یتخلص من تلك اللعنة الملاحقة له، و التي تجعل منه غریبًا عن أھل القریة، و ھنا تظھر مرحلة فریدا، تلك المرأة التي تعرفت على أحد موظفي القصر، و صارت عشیقة له بسبب ماضیه. إنه یستلھم منھا شيء یتجاوزه، و في نفس الوقت الذي یرى فیه أنھا غیر أھل لسكنى القصر . إننا نقصد ھنا كیركجارد في حبھ الفرید لریجین أولسن: ذلك أنه یحدث لدى بعض الرجال أن نار الخلود التي تلھمھم تكون من القوة و العنف بحیث یحترق معھم قلوب الذین یحیطون بھم.
عندما یتخلص المھندس من فریدا، یذھب إلى أخوات برنایا، والواقع أن عائلة برنایا ھي الوحیدة في القریة التي تعتبر مھجورة تمامًا من القصر، وبالتالي من القریة. فقد سبق أن رفضت أمالیا أخت برنایا الكبرى، الاقتراح غیر الشریف الذي عرضه علیھا أحد موظفي القصر، و كان لھذا أثر على سمعتھا الأخلاقیة، و تلك الأخلاق قائمة بالطبع على مقاییس اجتماعیة فاسدة، و ھنا نتعرف على موضوع مألوف في الفلسفة الوجودیة و ھو أن الحقیقة تتعارض دائما مع الأخلاق الفاسدة. و مع ذلك فإن الأمور تسیر إلى أبعد من ھذا، فالطریق الذي یقطعه بطل كافكا ، ذلك الذي یذھب من فریدا إلى أخوات برنایا ، ھو نفسه الذي یذھب من الحب المعطى إلى تعظیم اللامعقول، و ھنا أیضًا یتبع فكر كیركجارد. و من غیر المفاجئ إذن أن تأخذ حكایة برنایا مكانھا في آخر روایة القصر. و تتمثل محاولة المھندس الأخیرة في أنه یجد لله فیما ینكره و یجحده، فلا یتعرف علیه تبعًا لمقولات الخیر و الجمال، و إنما خلف الوجوه الفارغة والبشعة، اللامبالاة و الظلم و الحقد، وعندئذ یجد ھذا الغریب الذي طلب من القصر أن یتبناه، في نھایة رحلتھ نفسه منفیا ، وھنا یتخلى عن الاخلاق و المنطق و حقائق الأشیاء لكي یدخل بثورته الوحیدة من الأمل في فضاء العنایة الإلھیة ( ٣

و ینبغي ألا ندھش من كلمة (( الأمل )) ھنا. لأن ھناك ما ھو أكثر مأساویة ، و ھو الشرط الذي یضیفه إلیھا كافكا ، والذي یجعل ھذا الأمل أكثر تحدیًا و صلابة، و إذا كانت القضیة عملًا لا معقولا، فإن تلك الطفرة التي تحتوي علیھا القصر تعتبر مثیرة وغیر شرعیة . لكننا نجد ھنا تناقض الفكر الوجودي في حالته الصافیة، كما عبر عنه كیركجارد في قوله: (( ینبغي علینا أن نقرع حتى الموت أبواب الأمل الأرضي .. عندئذ فقط سوف تنجو بالأمل الحقیقي )). ( ٤) وھو ما یمكن لنا أن نترجمه ف حالة كافكا على النحو التالي: (( كان یجب أن یكتب القضیة، لكي یشرع في كتابة القصر))
لقد اعترف معظم الذین كتبوا عن كافكا بعمله كصرخة بائسة، في موقف لا یوجد فیه اللإنسان أي مخرج . لكن ھذا يتطلب إعادة نظر، ومن جانبي أؤكد أنه يوجد أمل، وأجد أن أعمال هنري بوردو المتفائلة مثبطة للهمة، وذلك لأنها لا تحتوي على أي قدر مما يناسب القلوب العصية، وذلك لأنھا لا تحتوي على أي قدر مما یناسب القلوب العصیة، و على العكس من ذلك، فأنا أرى فكر اندريه مالرو قويًا ومشجعًا. لكن الأمر لا يتعلق في الحالتين بنفس الأمل، ولا بنفس اليأس.

العمل اللامعقول نفسه یمكن أن یؤدي إلى عدم الأمانة ، الذي أجھد دائمًا أن أتحاشاه. و ما یھدد العمل بأنواع الغموض واللبس ھو وقوعه في التكرار، الخالي من المضمون، لظروف عقیمة، و كذلك في محاولة التنبؤ الرافض للظواھر، سریعة الزوال. و الكاتب الحقیقي یفسر أو یعطي دائمًا شكلًا للأمل، بل إنه لا یستطیع أن یكرر شیئا في عمله .
یبدو أن أعمال كافكا و كیركجارد وتشیكوف، و لكي نكون مختصرین: أعمال كل الفلاسفة و الروائیین الوجودیین، تتجه بكاملھا نحو اللامعقول و نتائجه . أي إنھا تصل في النھایة المطاف الى إعلان تلك الصرخة المدویة للأمل .. إن ھؤلاء الكتاب یحتوون القوة الإلھیة التي تلتھمھم . و یتم ذلك عن طریقي الخشوع و الأمل . لأن ((لامعقولیة)) ھذا الوجود تؤكد لھم ، إلى حد ما واقع ما فوق الطبیعة. و إذا أوصل طریق ھذه الحیاة إلى الله ، فھناك إذن المخرج . وھكذا یظل
الدأب و العناد اللذان یكرر بھما أبطال كافكا وتشیكوف وكیركجارد تجولاتھم ھما الضمان الوحید للقدرة النابعة من ھذا الامل ( ٥
یرفض كافكا أن یخلع عن إلهه العظمة الأخلاقیة و البداھة والخیر و التجانس، و كل ذلك من أجل أن یلقي نفسه بین ذراعیه على نحو أفضل، ولا شك في أن اللامعقول معترف به و مقبول . و في اللحظة التي یستسلم له الإنسان لا یصبح((لا معقولا )) . وإنما في حدود الحیاة الإنسانیة، ما أكبر الأمل الذي یتیح للإنسان أن یتخلص من ھذه الحیاة؟ إنني أرى أن الفكر الوجودي (( معجونًا )) من أمل مفرط ، و بھذا الأمل نفسه، استطاعت المسیحیة الأولى بإعلانھا البشارة أن تنھض بالعالم القدیم. لكن في تلك الطفرة التي تمیز الفكر الوجودي بالعناد، و بمساحة إلھیة دون سطح، كیف نجحدوجود الوضوح الشدید؟ إن كل ما نطلبه فقط ھو أن یطاطئ الزھو قلیلا من نفسه .. حتى ینجو و تلك محاولة خصبة . و في رأیي أننا لا نقلل من القیمة الأخلاقیة للوضوح الشدید بقولنا منھا إنھا عقیمة، ككل زھو، لأن الحقیقة، بتعریفھا نفسه، ھي أیضا عقیمة. إنه في عالم أعطى فیه كل شيء ، و لم یفسر فیھ شيء، تغدو خصوبة قیمة ما میتافیزیقا: مفھومًا
فارغا من المعنى .
و مع ذلك، فنحن نرى ھنا في أي مكان من التقالید الأدبیة ینبغي وضع أعمال كافكا، سوف یكون من العبث أن نعتبرالسیر من القضیة إلى القصر صارمًا، فإن جوزیف ك .. و المھندس ك .. ھما القطبان اللذان یتجاذبان كافكا ( ٦) . وسوف أتحدث مثله و أقول أن عمله ((ربما )) لا یكون معقولًا . لكن ھذا لا یمنعنا من أن نعترف بعظمته و عالمیته ، وكلاھما یجيء من أنه عرف كیف یصور ذلك العبور الیومي من الأمل إلى الحزن ، ومن الحكمة الیائسة إلى العمى الإرادي . إن عمل كافكا عالمي ( و یلاحظ أن كل عمل لا معقول لیس بالضرورة عالمیًا ) صور في الوجه المثیرللإنسان الھارب من إنسانیته ، و القادر وسط متناقضات یأسه الخصب ، أن یعتقد في الأمل، و أن یخلع على عمله الشنیع بالموت.. حیاة . إن عمل كافكا عالمي، لأنه ذو استلھام دیني. و كما في كل الدیانات، یتخلص الإنسان من ثقل حیاته الخاصة. لكنني إذا كنت أعلم ھذا، و أعرف كیف أعجب به ، فإنني أعلم أیضا أنني لا أبحث عما ھو عالمي وإنما عما ھو حقیقي، و یمكن للجانبین ألا یتطابقا.
سوف تتضح طریقتي في الروایة أكثر، إذا ما قلت أن الفكر الیائس یتحدد بمعاییر متعارضة ، و إنه بإمكان العمل أن یكون مأساویًا، وھو یصف حیاة رجل سعید! إن الحیاة تفیض بضروب النفي و الطرد، و أكثر لا معقولیة: ھي فكرة أن نفقدھا. و ھنا یكمن سر تلك الحدة الرائعة التي نستشفھا من أعمال نیتشه.. ففي نظامه الفكري، یبدو نیتشه أنه ھوالفنان الوحید الذي استطاع أن یستخلص النتائج الأخیرة لعلم الجمال اللامعقول . حیث تبدو دعوته الأخیرة عبارة عن الوضوح الشدید، العقیم و الفاتح، و طرح كل استثارة لما فوق الطبیعة .

أعتقد أن ما سبق یكفي لإبراز الأھمیة الرئیسیة لعمل كافكا في مستوى تلك الدراسة. و في حدود الفكر الإنساني، نجد أننا قد (( تحولنا )) . إن كل ما في عمل كافكا یعتبر أساسیا، و ھو یثیر في كل حالاته مشكلة اللامعقول بكاملھا . و إذا ما أردنا تقریب ھذه النتائج من ملاحظاتنا الأولى: المضمون و الشكل، و المعنى الخفي للقصر، و الفن الطبیعي الذي
تنساب فیه . البحث المثیر و المزھو لشخصیة ك .. و الدیكور الیومي الذي یتحرك فیھ ، استطعنا أن ندرك عظمة كافكا .
و إذا كان الحنین إلى الماضي طابع كل ما ھو إنساني ، فإن أحدًا لم یھتم بأشباحه ذلك الاھتمام الذي أولاه كافكا ، لكننا ندرك في الوقت نفسه، ما ھي العظمة الفریدة التي یتطلبھا العمل اللامعقول، و التي من الممكن ألا تكون موجودة ھنا:
فاذا كانت خاصیة الفن ھي أن تربط بین العام و الخاص، فإن عظمة الكاتب اللامعقول تتمثل في أن یتغلغل في ھذین العالمین، و یكمن سره في معرفة النقطة المحددة التي یتصلان فیھا. أقصد نقطة عدم تناسقھما الھائل .
الحق یقال، إن كثیرًا من القلوب الصافیة تستطیع أن ترى ذلك الوضع الھندسي لما ھو إنساني و غیر إنساني ، في كل مكان. و إذا اعتبر فاوست و دون كیشوت مخلوقات فنیة عظیمة، فإنما ذلك بسبب العظمة التي تبدو في أیدیھما الأرضیة، و مع ذلك فإن ھناك لحظات، ینكر فیھا الذھن ما تلمسه ھذه الأیدي من حقائق. و في اللحظة التي لا یعتبر فیھا الإبداع تبعا للمأساة، و إنما یؤخذ على نحو جاد، یتحول الإنسان إلى الأمل . لكن ھذا لیس من شأنه. إن دوره فقط ھو أن یحید
عن الخداع . وھذا ھو ما أجده تحت مصطلح القضیة العنیفة التي یدعیھا كافكا على الإنسانیة جمعاء . و في النھایة یأتي قراره الذي لا یصدق .. فیبرئ ھذا العالم القبیح المضطرب ، الذي یتسلى فیه الحیوانات العمیاء التي تعیش على شطوط الترع .. بالأمل ( ٧

ھوامش :
-1 یلاحظ أنه قد یمكن تفسیر أدب كافكا في إطار النقد الاجتماعي ( القضیة مثلا ) . و من ناحیة أخرى لا یوجد اختیار، معین یبدو كلا التفسیرین ملائما، و تبعًا للمصطلحات الوجودیة، فقد رأینا أن التمرد ضد البشر یتجه أیضًا إلى الإله: إن الثورات الكبرى دائما میتافیزیقیة
-2 في (( القصر )) یبدو أن (( التنوعات )) بالمعنى الباسكالي ، متمثلة في ھیئة مساعدین أو معاونین یحولون ك.. عن قلقه . و إذا انتھى الأمر بفریدا لكي تصبح عشیقة أحد ھؤلاء المعاونین، لأنھا تفضل الدیكور على الحقیقة و الحیاة الیومیة عن القلق المشترك
-3 من الواضح أن ھذا لا یعني إلا النسخة غیر المكتملة التي تركھا كافكا من ( القصر ) . لكن من المشكوك فیه أن الكاتب قطع في الفصول الأخیرة وحدة لھجة الروایة.
-4 طھارة القلب
-5 الشخصیة الوحیدة التي بدون أمل في ( القصر ) ھي امالیا ، و یلاحظ أنھا ھي التي یعارضھا المھندس بكل عنف.
-6 حول جانبي فكر كافكا یقارن (( في السجن )): (( لیس الإثم أبدًا موضع شك )) و مقطع من القصر : (( من الصعب إدانة المھندس ))
-7 ما قدمناه في ھذه الدراسة عبارة عن (( تفسیر )) لعمل كافكا، لكن من الإنصاف أن نضیف : أن شیئا لا یمنع أن نعتبر ھذا العمل، بعیدا عن أي تفسیر، من زاویة جمالیة بحتة ، فمثلا جروتیزن مقدمته الرائعة ( للقضیة ) إھتم فقط بحكمة أكثر منا ، بتتبع التخیلات الحزینة لما أطلق علیه على نحو مدھش (( النائم الیقظان )) . إن مصیر عمل كافكا و ربما عظمتھه، ھو أن یقدم كل شيء، ولا یؤكد شیئا.

يهدف إصدار جسر نحو أدب العالم لتسجيل أكثر من 10 ساعات من مختارات الأدب العالمي، وإصدار التحولات: أنطولوجيا الشعر العربي المعاصر أكثر من 15 ساعة من الإبداع العربي الغني والفريد. أما “ما يطلبه المستمعون” فهو لتلبية رغباتكم وفقًا لشروط معينة تجدونها على هذا الرابط.