الهوية أيضا؟ أدونيس

لماذا أشعر أن المكانَ الذي ولدتُ فيه ليس مكاناً جغرافياً؟ لماذا أشعر أنه رَحِمٌ لُغويّةٌ؟ لماذا أشعر كأنني أبتكر مكانَ ولادتي، كما أبتكر قصيدتي؟ والقصيدة لا تكتمل. كذلك المكانُ الذي ولد فيه الانسان: إنه هو أيضاً لا يكتمل.

هَلْ أفاجئُ، أو أصدمُ أحداً، إن قلت: أتعجب مِمّن يزعمُ أنه يعرف نفسه؟ كيف أعرف نفسي، فيما تبدو لي كمثل الأثير، أو كمثل خَيطٍ في غَزْلِ الشمس، أو كمثل الهواء- سائِحاً في الجهات كلّها؟ كلّما خُيّل إليّ أنني أقتربُ منها، أكتشفُ أنني أبتعد. وأعرف أنها ليست سراباً.

إنها كمثل ضوءٍ يُسْلمكَ، فيما تَصِلُ إليه، إلى ضوء آخر يسلمك هو نفسه إلى آخر. إلى ما لا ينتهي.

وكل ما كتبته ليس، في ظنّي، إلاّ بَحْثاً عنها: بحثاً، وليس تعبيراً عنها. كنت أترصدها، أستقصيها، أكمنُ لها. وكانت تُفْلِتُ دائماً. كأن نفسي؛ كأن هويتي هيَ هذا البحثُ، أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى