تلك الحياة الفاتنة

لك أنتِ أيتها المسالمة أحكي هذه المرة. فالحكاية المذهلة تجلت لي بين جوانحِ تلك اللحظات التي أوشكت أن تأخذك مني، بينما كنت بادئاُ بالكاد أكتشف أنني اخترتكِ بعناية، وأنك لم تكوني إلا قدراً محسوباً بدقةٍ ليناسبني.

فلحظةَ نزلت من السرير، وأنت في ذلك الروب الورقي المعقم، وبينما كنت أساعدك على الهبوط ثم الصعود إلى “الترولي” الذي سيحملك إلى غرفة العمليات، أحسست أنك هي المخلوقة التي تخصني تحديداً. وبدت التفاتة وجهك الشاحب نحوي إشراقةَ قدرٍ لا نهائيِّ التوحد.

كنت تودعينني وتتمنين أن نلتقي من جديد، وأحسست بحنين ورهبة لم أحس بهما عمري. وعندما مضوا بك نحو غرفة العمليات ولم يسسمحوا لي بعبور ذلك الخط الأحمر دهمتني وحشة الكون.

كنت تمضين مستسلمة ونزيفك الداخلي يمضي بك على حافة الموت. كنت تمضين إلى مخاطرة كبرى، وبدا لي استسلامك الطيع كأنك تنكمشين تحت جناحي. ولم يكن كل ما يحدث لك بعيدا عني، كنت شريكا في صنع مأساة جسدك تلك، فأنا والد ذلك الجنين الذي كبر خارج الرحم حتى مزق تلك القناة الرقيقة هناك وفجر النزيف داخلك.

كم كنت تتألمين كابحة رغبتك في الصراخ حتى لا تسببين لي إزعاجا. الآن بينما كانوا يمضون بك في الردهة التي تفضي إلى غرفة العملية الكبرى كنت أستعيد ذلك، وكان تناوب سطوع المصابيح وتوالي الظلال في تلك الردهة يوحي بعبور برزخ بين الحياة والموت. “ارجعي لي” أهمس داعيا الله أن تعودي بعد أن اكتمل غيابك هناك وراء الباب الأخير وصرت وحدي في تلك البقعة الموحشة من المستشفى، أتماسك مانعا انهياري في البكاء.

بعد ثلاث ساعات طويلة، مريرة، عدت لي.. عدت نائمة في غيمة المخدر، شاحبة وصغيرة كأنك طفلة، وكان صرير عجلات الترولي في ردهات المستشفى يشبه صرير عجلات الأطفال. كان الرجاء قريبا والخوف مثله. ثم على سرير المستشفى بدأ استيقاظك. فتنفست عميقا لأول مرة بعد دهر عصيب.

كان هذيانك في بدء صحوك طيبا مثلك. وتيقنت أن لي في داخلك الكثير. قبلتك وعابثت هذيانك ووجدتك كما في تمام صحوة نقية من كل ابتذال، وكان هذا يروق لي، أن أكون أنا الحوشي وأنت صفاء الندى. مضيت أنا بعد اكتمال صحوك إلى البيت، بيتنا، لأحضر لك ما يلزم الإقامة في المستشفى لعدة أيام وأحضر ما يلزم لي حتى أبيت معك.

ويالتجسد الإحساس بغيابك في فراغ البيت. يالتلك الظلال المفعمة بالشجون التي يصنعها شيش النوافذ التي تركتها مغلقة، يالجفاف الأكواب والحوض وصمت البيت دونك، أما أشياؤك فلم أكن أتخيل أن تكون الأشياء قادرة على الإيحاء إلى هذا الحد العاصر للقلب.

ترتيب الثياب والمناشف وتلك الأشياء الصغيرة تحولت إلى كائنات تسر دون كلام، وترسل موجا من المشاعر وقف بي كثيرا على حد البكاء. فماذا لو أنت ذهبت وتركت لي كل هذه الأشياء المهجورة تسألني عنك؟، كل تلك الأشياء التي تشع نظافة والتي نامت مطوية ومرتبة برهافة ودقة تحت أناملك؟ الموت شيء مرعب ليس في حد ذاته، ولكن بما يتركه للأحياء من بقايا حياة الراحلين.

هكذا خرجت من البيت لأحلق بك في المستشفى. في يدي الحقيبة مملوءة بالأشياء، وفي كياني فيض من التأثر والحنين. ولعل ذلك كان تمهيدا لاستقبال الرؤية المدهشة، تلك الرؤية ولا أقول الرؤيا.

أنت تحبين ذلك الشارع من شوارع المعادي المترفة بالأشجار والنباتات والزهور، الشارع الذي يبدو وكأنه نفق من ظلال الأشجار المصطفة على الجانبين بينما مظلاتها الخضراء مشتبكة في الأعالي. فتنتك الظلال والخضرة خاصة نباتات الأسيجة التي تفيض على الرصيف حتى تلتقي ببهجة العشب والمنثور الأصفرالمتألق على الأرض. هكذا يلتقي منثور الأرض ببياض الياسمين وبنفسيجية بهجة الصباح على السياج وحمرة البيجونيا في الأركان.

كانت السيارة من عربات الميكروباص، تلك التي تحمل خمسة عشر راكبا في وقت واحد. وكنت أنا هناك في المقعد الخلفي، لكنني كنت أستيطع رؤية الشارع في امتداده من بين الرؤوس أمامي، وهناك كانت القطة التي راحت تتقافز لاعبة بعرض الشارع إذ كانت لابد تخايلها فراشة من الفراشات المتكاثرة حول الزهور في ذلك الوقت. كانت القطة في فوهة الشارع المفضية إلى ميدان النهضة الصغير الذي تتوسطه جزيرة النخيل الملكي قرب السفارة المكسيكية. ذلك المبنى البديع بلونه الكريمي المتورد وشبابيكه الحمراء البرتقالية والحديقة الرائعة ذات السور الخفيض المثقل بالخضرة والزهور.

في هذا المكان إذن وبينما القطة لاهية في لعبها كانت السيارة تنعطف داخلة الميدان الدائري بسرعة لأنه خال كالمعتاد، كانت قرب الرصيف المواجه لرصيف السفارة المكسيكية ومندفعة بعرض الشارع الذي تقطعه السيارة. وفي لمح البصر حدث كل شيء.

فوجئت القطة بقدوم السيارة المسرعة، وبدلا من أن تستدير راجعة اندفعت راكضة إلى الأمام ولم يستطع السائق تفاديها أو الإبطاء فدهسها، وإذ بالقطة تصير اثنتين.

نعم اثنتان.. واحدة رأيتها من الزجاج الجانبي تفر ناجية مروعة، ثم تقفز على سور حديقة السفارة لتختفي بين أشجارها.
والثانية كانت هناك، مكومة على الأسفلت بعد ان دهستها وعبرتها السيارة ورأيتها عند التفاتي الخاطف عبر الزجاج الخلفي.

أعرف يا سكني أن أحدا لن يصدقني مثلك، وأعرف أن تصديقك لي ليس مماشاة مجنون تحبينه، لكنه تصديق شريكك في الإيمان بأن الكون من حولنا مليئ بالمدهشات التي لم نعرف قوانينها فنسميها “معجزات” أو “خوارق”. وأعرف أنك طيبة إلى درجة الفرح بكل معجزة شجية. لهذا لن أخون طيبتك تلك وسأبسط بين يديك بأمانة تفسيري لتلك الرؤية التي تكشفت لي وأنا في الطريق إليك بعد نجاتك من الموت مرتين، مرة من النزيف الداخلي.. ومرة من تلك الجراحة الكبرى التي استأصلوا فيها جزءا من داخلك.

بقوانين عالمنا المحسوس، يا سكني،اندفعت القطة فدهستها عجلات السيارة. لكنها وبحسابات الروح وبما كانت فيه من فرح العب، ثم في مباغتة المواجهة الخئون للخطر الداهم، قفزت قفزة الحياة في وجه الموت.. فنجت. ولو شئتي يا طيبتي تفسيرا آخر، لحدثتك في ضوء نسبية الزمان ودفء الراصد، فبينما كنت أنا الدافيء بكل ما يعتلج داخلي من تحنان عليك، وحيث أن الزمن يتلكأ أمام راصد دافيء، فقد لمحت اللحظتين معا.
نعم يا سكني، لمحت اللحظتين، بل لمحت لحظة النجاة قبل الموت.. وهذا جائز عندما تبرق أذهاننا بسرعة الضوء فنرى العلل قبل معلولاتها.. نرى النتائج قبل الأسباب.

يا سكني كثير من هؤلاء الناس الذين نراهم يمضون من حولنا في نهر الحياة، دهستهم الحياة من قبل، مرة أو مرات.
لكنهم انتفضوا ليواصلوا المسير. فالحياة طيبة برغم كل شيء، وبرغم أنها في مثل تلك الحالات تغدو مثقلة بذكرى اللحظات الأليمة.. تغدو مفعمة بالشجن.. والشجن حزن جليل. والجلال أعلى مراتب الفتنة .. ياسكنى.

————-
* قصة محمد المخزنجي

‫2 تعليقات

  1. أكثر من رائعه فقط هذا ما أشعر به الان يمكنني ان أمر لا حقاً لأناقش قضية من دُهسوا آلاف المرات ولكنهم مازالوا يعيشون ولكن فقط الان رائعه وكم فيها من دفء واحتفال بالمعني الاجمل للحياه

  2. ما الطريقة التي اتبعها الكاتب في قصته مع الدليل من القصة ؟
    ما دلالة عنوان القصة وما علاقته بموضوعها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى