توني هاريسون – مجيء بارد

رأيتُ العراقيّ المتفحم، مال نحوي

من فجوة الشبك الذي نسفته القذيفة (*)

*

مَسّاحة الحاجب الشبكي أشبه بقلم

يتأهب لتدوين الأفكار للبشر،

مَسّاحة الحاجب الشبكي يراعة

ويده تمتدّ إليها لكتابة وصيته

.

رأيت العراقيّ المتفحم وهو يدنو

مثل رجل قُدّ من اللدائن.

لكأنه توقف للسؤال عن الدرب

حين سمعته يقول:

لا تخفْ، إني اخترتك أنت

لتنفرد بتسجيل هذه المقابلة

أليست مهمة أمثالك من الشعراء

هي العثور على كلمات تناسب هذا القناع المخيف؟

إذا كانت الأداة التي تحملها قادرة على تسجيل

ما تصدره هذه الحبال الصوتية المحروقة من كلمات،

فاضغطْ، إذاً، على زرّ التسجيل قبل أن يسارع مَكَبٌّ ما

فيلتهمني في منتصف المناجاة

وكان أن أدنيتُ اللاقط المرتعش

قريباً من العظم الرميم:

قرأتُ خبراً عن ثلاثة حكماء

أودعوا سائلهم المنوي في النتروجين.

ثلاثة من إعدائنا، ثلاثة من الـ مارينز

يحملون دوارق اختبار ومجلات.

ثلاثة جنود من سياتل

أودعوا سائلهم المنويّ قبل المعركة.

ألم يقل الرقم 1: الشكر لله

ها قد أودعتُ سائلي المنوي الثمين؟

وقال الرقم 2: تبارك اسم الربّ

لقد خزّنتُ آخر أفضل قذفة في مكان أمين؟

وقال الرقم 3: تبارك الله

لقد خلّفتُ لزوجتي بذرة من صلبي مجمّدة؟

إذا قضوا بالغازات السامة

فأسماؤهم، على الأقلّ، ستعيش من بعدهم،

ولو تحوّلوا إلى جثث باردة في الكويت

فسيظلّ في وسعهم الإنجاب بالتفويض…

إعذروا جمجمة، نصفها شواء ونصفها عظام،

على استخدام هذه النبرة المنفرة.

ولكنني وددتُ لو اتخذت احتياطاتهم

حتى إذا بدا الأمر خارجاً عن المألوف.

هم الآن سادة على مصائرهم

بوسيلة قذف حكيم في مرطبان.

أكانت هذه ضربة دعاوة ماهرة

لإيهامنا بأنهم قهروا الموت ذاته أيضاً؟

أم هي معلومات مضللة لدحرنا

ببضعة ملليمترات من الخلود، عقب الفناء؟

مليارات رمزية في الاحتياط

أفقدتني رباطة الجأش والأعصاب.

وما يدفعه لنا صدّام لا يكفي

لكي نذهب ونودع سائلنا المنوي.

محزن أنّ هذه التقنية العالية غير شائعة هنا،

فنحن لا نعرف سوى النكاح.

وإذا كنتَ قادراً على استنهاض مخيّلتك

وتوسيعها قليلاً (من دون أن تتقيأ)

فلكَ أن تتخيلني راقداً قرب زوجتي

أعانقها، وتحتضنني، لنصنع الحياة…

(وهنا تركتُ للجمجمة العارية

أن تكشف النقاب عن حكاية

تناهت إلى أسماعي من قبل،

وتلهيتُ بمحاولة إحصاء مقدار ما تحتوي عليه القذفة.

السائل المنوي في قذفة واحدة

يعادل أمّة العراق بأسرها…

قُـلْ 12.5 ضعف على وجه التقريب

رغم أنّ جماعة الـ 0.5 ليسوا بعد اليوم على قيد الحياة.

لنقلْ إنّ السائل المنوي

فاق عدد الأجساد أضعافاً مضاعفة،

2500 ضعف على الأقل،

ولكن فلننتظر حتى تُنشر الأرقام النهائية…

في كلّ الجهات بدا الموت مطوّقاً

بأنبوب من القطرات الباردة المودعة.

يا للقطرات البائسة! لعلك حظيتَ

بالنعمة الأفضل بين هذه المصائر، جمعاء

وأقصد ترجيع قول سوفوكليس:

أفضل المصائر غياب الوجود

فلسفة قد تبدو كئيبة في أعين الجميع

ما خلا قدماء الإغريق

ولكن قد يصعب على المرء الفرار

حين تخاطبه هيئة كهذه.

وإذا وقع البصر على إنْس مُسخوا إلى هذه الهيئة

فمَن ذا الذي سيتردد في طلب أفضل المصائر ؟

أو يطمر جثته في الجليد انتظاراً لمعجزة الشفاء

في عصر الصواريخ الذكية والـ سكود

فيوفّر على النفس البشرية السوية

قَدَر أن تتخلّق في بيت الرحم)؟

كان قد أصغى إلى أفكاري فأوقف الشريط: أيها الأحمق! ما ظننتُ الحياة عبثا ولم تساورني الرغبة في وضع حدّ لها

حتى حين توالى انهمار الجحيم،

وظللتُ، حين بدأت أحترق، مفعماً بذلك التوق للبقاء في رحاب الحياة،

مفعماً بشوق احتضان زوجتي في فراشنا، وقبل أن أموت،

أتشوّف، قبل كلّ شيء، لزرع نطفة الطفل

الذي لن يمسّه هلع الحروب.

فاضغطْ زرّ التسجيل، إذاً! أريد لصوتي

أن يوصل رسالة إلى المتحاربين.

لا تشحْ بنظرك بعيداً!

أعرف كم هو شاقّ

أن تنظر إلى متفحّم مثلي،

شوّهَتْه نيران غير صديقة،

وتذكّرْ أنه كان فائر الشهوة ذات يوم.

سلخت النار نصف ملامحي،

تلك التي كانت تشبه أقراني من البشر،

حتى جاء فتى بقَصّة شعر قصيرة ومنخل واقٍ للعيون

من أيوا أو إيللينوي،

محمّلاً تكنولوجيا ذكية عبقرية

أجهزتْ على ابتسامتي الأبوية

وجعلتْ من الوجه الذي تراه اليوم

درعاً مطروقةً شبه مرقّعة بالأوحال،

أيقونة مؤطرة، ومرآة

لمَن كرّسوا أنفسهم لـ رفس المؤخرات ،

مرآة تعيد ردّ النظرة

التي ألقاها الظافرون على أيامهم الظافرة،

فيحملق الناظر في المنتهى

ويتوارى خلف عنوانه العريض: أمسكنا بهم !

أو وراء الصفحة الأولى المزخرفة

الصادقة صدق البنط الأسود من صحيفة Sun

أشكّ في أنّ الإٌغريق قد تركوا هكتور

ينضمّ، كطيف مفسد، إلى احتفالاتهم.

ومَن ذا الذي سيرغب في تعكير صفو الأطفال،

من أيوا وإيللينوي؟

أو التنغيض على أمهات مسنّات أثلج صدورهنّ

أن يعود الصغار سالمين غانمين؟

لكنّ الحافلات المزيّنة بعَلَم الصفحة الأولى من Sun

لن تخدم السلام في الأحقاب المقبلة.

والنجوم والشرائط في المخالب الدبقة،

قد تزرع بذور حروب المستقبل.

كلّ راية يلوّح بها الصغار اليوم،

تفضي بهم غداً إلى الأجداث.

ولكنْ، سبّحوا بحمد الربّ وارفعوا الراية

!(واعذروا أسلوب الجمجمة الساخر)

جرذ الصحراء و ابن عاصفة الصحراء ،

بلا ندوب، و(ربما) بلا رضوض.

مُوْدِعو السائل المنوي عادوا أجمعين

لاستيلاد أطفالهم في الأكياس.

فبعد النطفة التي يزرعها الباذر مباشرة،

ما نفع حيوانات منوية من الدرجة الثانية؟

إكذبْ، إذاً، وقُلْ إنك رأيتني أبتسم

لمرأى الجندي وهو يحتضن طفله.

إكذبْ وازعمْ أنني أعذر

مَن أمَرَ الـ B52 بقصفي.

إزعمْ أنني أسامحهم وأغفر لهم

أن يواصلوا العيش حين أفنى أنا.

إزعمْ أنهم يحظون ببركة المحترق

لعلك بذلك توفّر عليّ حكاية الاعتراف

بأنّ النار وحدها أحرقتْ

عارَ ما ارتكبته باسم صدّام

الموت والتعذيب والنهب

والسحب السوداء التي تظلّلنا جميعاً.

قلْ بأني أبتسم وأعتذر

عن صواريخ الـ سكود التي أطلقناها ضدّ اليهود.

إزعمْ أني امتلكت المخيّلة

فرأيت العالم في أمّة واحدة.

مهمّتك، أيها الشاعر، أن تزعم أنني

أريد لعدويّ أن يكون صديقي.

يسيرٌ أن تعثر على تلك الكلمات،

فهذا القناع الأبله شبيه بروث الكلاب المحمّص.

فاكذبْ، إذاً، وقلْ إنّ المتفحّم ابتسمَ

لمرأى الجندي وهو يحتضن طفله.

هذا الفم الفاغر جلب الهناء ذات يوم

إلى بضعة قلوب مسنّة في بغداد،

قلوب تزداد شيخوخة في كلّ هنيهة،

وكلّما مرّت شاحنة لا تقلّني.

لقد قابلتكَ في كلّ حال، وقلت ما عندي

وسجّلتَه أنت على شريط، فامضِ في سبيلك!

حملقتُ به وحملق بي

وحدّق من خلالي في العراق.

نقلتُ بصري إلى حيث توجّه المتفحّم

ببصره

فرأيت قارورة النفاية المتجمدة،

أنبوب اختبار تجمّد في الظلام

والمذود والكعبة وتابوت العهد،

حجٌّ للصليب وللهلال

وتعليقٌ للحاضر في جليد رهيب.

أقواس قزح بسبعة ظلال من السواد

تلتفّ عائدة من الكويت إلى العراق،

وبدل الذهب اكتظت الجرّة المجمّدة

بأفواج بشرية تذرع الصخور

وجَنْيٍ مثلّج لن يذوب

حتى يتبرأ العالم من الحرب .

تعالى صريف البرد الممسوس

العازف عن الإحراق وعن الاحتراق،

وجاءت بيت لحم في زجاجة

لتخثّر للعصر الألفي لعنة الصاروخ الذكي والـ سكود

عدتُ أدراجي. ضغطت زرّ الإعادة ثمّ زرّ التشغيل،

وأصغيت إلى المتفحّم وهو يقول…

_________________

(*) نُشرت مجيء بارد A Cold Coming، للشاعر والمسرحي الإنكليزي توني هاريسون Tony Harrison، في صحيفة «غارديان» البريطانية، 18 آذار 1991، بمثابة قراءة شعرية للصورة الفوتوغرافية المذهلة التي التقطها كنيث جاريك، وتمثّل جندياً عراقياً متفحماً داخل دبابته، على

ونترجمها هنا في مناسبة استمرار تلك القراءة، في معركة الفلوجة مثلاً، حيث البربرية تبدو أشدّ ممّا كان النصّ يتنبأ…

*

ترجمة صبحي حديدي

تفاعل

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق