راينر ماريا ريلكه – المرثية الأولى

( من مراثي دوينو العشر )

*

لو صرختُ، مَـنْ مِـنْ تَـراتُب الملائكة سيسمعني؟

وحتّى لو أخذَني أحدُهم فَجأةً إلى قلبه:

سأفنى من وجـوده الأقوى. لأنَّ الجمالَ لا شيءَ

سوى مُستَهَـلِّ الرّعبِ الذي لا نزالُ بالكاد نُطـيقُـه،

ونمجِّـده، لأنّه يأنَفُ أن يُدمِّـرَنـا. كلّ ُ مَـلَـكٍ رهيبٌ.

لذا أسيطرُ على نفسي وأبتَـلِـعُ نداءَ الإغراء ِ

لنشيجي الدّاكـن. آخ، من نَتـقـوّى به

لننـالَ ما نُـريد ؟ ليس الملائكةَ، ليس البشرَ،

والحيـواناتُ الفَطِنـةُ أحسّتْ من قبلُ،

بأنّـنا لسنـا بأمانٍ جدّاً في بيـوتنـا

في الدّنـيا المُفَسَّـرة. ربّمـا تبقى لنـا

هنـاك شجرةٌ على المنحَدَر نراها كلَّ يومٍ;

يبقى لنا شارعُ الأمسِ

والوَلاءُ الضّالّ ُ لعادةٍ شُغِـفَتْ بنا، لذا بَـقِـيَتْ ولمْ تذهبْ.

آه والليلُ، الليلُ، عندما تهُبّ ُ الرّيحُ مليـئةً

بجمال الكون،

تتغذّى عند وَجناتنا -،

سوف لا تبقى عند أيِّ أحد، تلك المشتاقةُ،

المُخَـيِّـبَةُ بلطفٍ، تنتظر القلبَ المُنعـزِلَ مُتعَـبَةً.

أهيَ أسهلُ للمُحبّـينَ ؟

آخ، بعضُهم يستخدمُ بعضاً ليُـخفوا أنفسَهم من مصيرهم.

أتَـزالُ لا تعرفُ بعدُ ؟ اِرمِ من ذراعيْـكَ الفضاءَ خارجاً،

أضِفْـهُ إلى المجالات، التي نَتـنفَسّـُها، فلربّما تُحِسّ ُ الطّيرُ

بالهواء المتَمَـدّد، فتطير أعمقَ في دواخلـها.

نعم، فصولُ الرّبيع احتاجتْ إليكَ حقـاً. إنَّ نجوماً

كثراً طلبتْ منك أن تَـقتفيَ أثَـرَها. إنَّ موجةً

اِرتَفعتْ تجاهَكَ في الماضي، أو عندما مَشيْتَ

تحت نافذةٍ مفتوحةٍ،

كمنجةٌ أعطتكَ نفسَها. كلّ ُ هذا كان تكليفـاً.

ولكنْ هل استطعت القيامَ به؟ ألمْ تكنْ دوماً

مُبلبَـلاً بأمـل، كما لو أنَّ كلَّ هذه الأشياءِ

وعدتك بحبيبة؟ ( حيث تودّ أن تُخفِـيَـها،

بكلِّ هذه الأفكار الغريبة العميقة التي تدخل فيك وتخرج منك

وغالباً تبقى في الليل.)

عندما يجتاحك الشَّوقُ، غَـنِّ المحبّـين، عاطفتُهم ذائعةُ الصِّيت

ليست خالدةً تماماً. تلك المهجوراتُ، التي حسدتَ تقريـباً،

وجدتَهنَّ أكثرَ حبّـاً لك من اللواتي أحبَبتَ.

ابدأ دوماً من جديد التمجيدَ الذي لمْ يُـنَـلْ;

تَذكّـرْ: البطلُ يبقى، وحتّى سقوطُـه هو عذرٌ

له فقط، لتكونَ: ولادتُه الأخيرة.

ولكنَّ المحبّينَ، تأخذهم الطبيعةُ المُستَهـلَـكةُ إليها مرةً أخرى،

كما لو أنَّ القوةَ المُضاعفةَ أعوزتْـها لتصنعَهم. هل فكّرتَ في

كاسبارا ستامبا* كفايةً ؟ إنَّ أيَّ فتاةٍ، هجرها حبيبُـها،

كمثالٍ بارزٍ لهؤلاء العشّاق، تَحسَبُ: هل سأكونُ مثلَها؟

ألا ينبغي لهذه الآلام الأكثَرِ قِـدَماً أنْ تكونَ في النّهاية

أكثرَ إثماراً لنا؟ أليس هذا وقتَ

أنْ نحرِّرَ أنفسَنا بحبٍّ مِمّن نُحبُّ، وأنْ نتحمّل مُرتَعِشين:

كما يتحمّـل السّهمُ وتـرَ القوس، لنتجمَّع في وثبة نكون أكثرَ

وجوداً من وجودها؟ لبقاءٍ في لا مكان.

أصواتٌ أصواتٌ. أصْـغِ، يا قلبي، لأنَّ قدّيسين فقط أصْغَوا:

إلى أنْ رفعهم النِّداءُ الجبّارُ عَـلِـيّـاً من على سطح الأرض;

ولكنّهم، الخوارقَ، ظلّـوا راكعين، ولمْ يلاحظوا

شيئاً: لذا كانوا مستمعين. ليس لأنّك تحمّلتَ صوتَ الإله، ليس

أكثرَ، لكنْ أصْـغِ إلى نَفحة الرّيح، الرسالةِ المتواصلَةِ التي تكوِّن ذاتَها

من السّكون. إنَّها تَهِفّ ُ الآنَ من أولئك الموتى الفتيـان إليك.

حيثما دخلتَ دوماً في كنائسَ، في روما أو نابولي، ألمْ يكلّمْـكَ

مصيرُهم بهدوء؟ أو نقشٌ يرفع ذاتَه إليكَ مثل اللوحة في سانتا

ماريا فرموزا حديثاً ؟ ماذا يريدون مني؟ بهدوء ينبغي عليَّ

أنْ أمحوَ علامةَ الظّلمِ التي تُعيق بعضَ الشيء

الحركةَ النّقيّـةَ لأرواحهم أحياناً.

إنَّه لغريبٌ حقّـاً، ألاّ تستوطنَ الأرضَ بعد هذا،

ألاّ تمارسَ تقاليـدَ تعلَّمتَـها بنُـدرةٍ،

ألاّ تُعطِيَ أزهاراً وأشياءً واعـدةً معنى مستقبل الإنسان;

أنْ لا تكونَ بعد هذا ما كان أحدٌ في أيدٍ رهيبـةٍ أبديّـة،

وأنْ تتخلّى عن اِسمك الخاصّ بكَ

مثلَ ما تَـرمي الدّميـةَ المحطَّمـةَ.

غريبٌ أنْ لا تتمنّى أيّةَ أمانٍ بعد هذا.

غريبٌ أنْ ترى كلَّ ما كان ذا عَلاقةٍ، يرفرف

مُتَـفكِّكاً في الفضاء. وإنَّه لعصيبٌ أن تكونَ ميّتـاً،

وأنْ تعملَ كثيراً بعدُ، لتُدركَ تدريجيّاً قليلاً من الأبديّـة -،

ولكنَّ الأحياءَ كلَّهم يعملون الخطأَ، أنْ يجعلوا الفوارقَ جدَّ صارمةٍ.

الملائكة (كما يُـقالُ) لم يعرفوا غالباً، أ بين الأحياء

أو الأمواتِ يذهبونَ. التيّـارُ الأزليّ يجذبُ الأعمارَ كلَّها معه

خلال المَلكوتـيْن إلى الأبد، ويغمُـر أصواتَهم في كليْهما.

أخيراً، أولئك الذين غادروا مبكِّراً، لا يحتاجون إلينا بعد هذا،

ينسلخ المرءُ بلطفٍ عن الأرض، كما يبتعد المرء بترفّق

عن ثَديَيْ أمِّه. ولكنّنا، نحن الذين يحتاجون

إلى ألغاز عظيمة، يصدر ارتقاؤها السّعيد من حزننا

غالباً – هل نقدر أنْ نكون بدونها؟

هل الأسطورة بلا معنى، مرّةً في تعزية لينوس**،

إنَّ الموسيقى الأولى الجريئة نفذت إلى الخدَر العقيم;

وإلى الفضاء المرتَعِب الذي هجره فَجأةً فتى ربّانيّ تقريباً

إلى الأبد، أحَسَّ الخالي، بذاك الاهتـزاز،

الذي يُبهجنا الآن ويواسيـنا ويساعدنا.

______________

ترجمة: د. بهجت عباس / من مجموعة ( سونيتات إلى أورفيوس )

* Gaspara Stampa هي فتاة من طبقة النبلاء ولدت في عام 1523. أحبّتْ

في فينيسيا الكونت كولاّتينو. وبعد معاشرة دامت بضع سنين، ذهب الكونت محارباً

لأجل الملك هنري الثاني في فرنسا. وبعد رجوعه فتَر حبّه لها،

فتزوج امرأة غيرها. فماتت الفتاة عن عمر 31 سنة بعد أن ذكرت قصة حبها في 200 سونيته.

** هو Linos في الميثولوجيا اليونانية. حوله قصص عدّة، منها: إنه كان موسيقاراً ساحراً ادّعى أنّه أحسن من أبولو موسيقية وشعراً، فقتله أبولو حسداً. وهو بهذا يُشبه أورفيوس في أسطورته، حيث، في الحالين، تتجاوز الموسيقى الموتَ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى