عبده خال – مقنطفات من رواية ترمي بشرر

“منذ عشرات السنين، انطلقت تكبيرات صلاة العيد، وكنت أهم بالإنتقال إلى بيوت الأقرباء من غير أن تطال ملابسي قاذورات الأزقة الملتوية، اعترضتني بقعة ماء موحلة، وكلما حاولت اجتيازها تمددت سرت بمحاذاتها فاتسعت رقعتها، عدت أبحث عن الجانب الضيق منها كي أقفزه، وكنت أحاذر من أن تصل أوحالها القذرة إلى ثيابي الجديدة فتعكر صفاء العيد، فاحتجت وقتا ليس بالقصير لأن أنقل عدداً من الحجارة والأخشاب وأعبد بها ممشاي كي أصل للجهة الأخرى.. بثياب نظيفة وقبل أن أكمل خطواتي المتأرجحة فوق الجسر الذي شيدته، كانت ثمة يد تلقي بصفيحة قاذورات من إحدى الأسطح المطلة فوق هامتي مباشرة! عندها لم يعد مجدياً المحاذرة من قاذورات الشوارع، فعدت للبيت أكثر اتساخاً، ومضى العيد وأنا أتناشج بحرقة ليس على اتساخ ملابسي الجديدة بل على ضياع العيدية، واتساءل:
هل تحرزنا وحذرنا مما في الأرض يقينا مما يلقى علينا من السماء ؟!
هذه هي الحكمة العظيمة التي تعلمتها وبسببها لم أحاذر بقية حياتي من أي دنس يعلق بي، سعيت في كل الدروب القذرة وتقلدت سنامها.

** ** ** ** **
“خسئت روحي، فانزلقت للإجرام بخطى واثقة!”
“يقول طارق فاضل: الآن، ومن داخل القصر، أنظر إلى جهة النار، وأحلم بالعودة إليها، أتوق إليها بنفس الرغبة التي كنت فيها شغوفاً بدخول الجنة!”
“كنت كالطائرة الورقية أحلق في الفضاء، وخيط رفيع يمسكني به، وبمجرد جذبه إليه، أهوي، وأكون معفراً بالتراب، منتظراً لحظة أخرى ليرفعني في مواجهة الريح لأحلق عالياً.”
“أن تعقد صفقة مع الشيطان فكل اليقين أن الحياة تعد لك فخاً قميئاً، ولن تستطيع أن تنجو منه، فاللعبة القذرة تنهي حرصك على إبقاء ثيابك ناصعة.”
** ** ** ** **
“كل فكر هو فخ لمن ضل عن إيمانه الخاص، وتنشأ الحفر في مناطق منخفضة من سطح الأرض، ومع امتلائها لا تصل إلى السطح بتاتاً، تبقى مغمورةً كفخ أو ماء آسن.”
“الأحلام هي المخدر الذي نحقن به لنعيش لحظة غيبوبة نشيد فيها كل أمنياتنا القبيحة، والجميلة معاً إلا أن الحلم يحاذي النوم، ويغرق صاحبه في خدره كلما تباطأ الجسد.”
“أقدار الماضي هي الظلام الوحيد الذي نسير فيه من غير ترفق أو حذر”
** ** ** ** **
“هل صحيح أني ورقة ميتة؟!!
أقلب حياتي الآن، فأجد أنها تفسخت تماماً، فرائحتها النتنة انتشرت لتصل إلى جوفي، لم أعد أطيق رائحتها.
كانت ليلة عمياْ لم أبصر فيها دخولي لشرنقة الفناء.
عندما توالت مهماتي كانت سيرتي تومض دناستها، غدوت أعمق عتمةً مما مضى، وكنت بحاجة ماسة لأن أختبىء من كل شيء حتى من نفسي.”
** ** ** ** **
“تمنحك الحياة سرها متأخراً حين لا تكون قادراً على العودة للخلف، ومسح كل الأخطاء التي اقترفتها، وحين ترغب في تمرير سرها لمن يصغرك لا يستجيب لك كونه لا زال غراً بما تمنحه الحياة من تدفق في أوردته، محمد الركابي منحني سرها في أول يوم دخلت فيه القصر إلا أنني رفضت الإنصياع له لكوني لم أجرب قدري بعد، ليتني بقيت في النار!
هذه الأمنية لم يعد لبلوغها من سبيل، فقد سقطت في جب الدنيا. السقوط هو القانون الأزلي، وكلنا ساقط لكن لا أحد يتنبه لنوعية السقوط الذي يعيش فيه.
رويدا سقطت، وها أنا أقتعد قرار السقوط …
سقطت ، من هنااااك سقطت …”
** ** ** ** **
“السمكة الصغيرة حينما تعلق في شبكة صياد يبحر بقاربه جاذب ا شبكته من خلفه، تفكر في أمرين : التخلص من الفخ الذي وقعت فيه، أماأعز أمنية فهي أن يقف القارب في مكانه لتكون محاولة فكاكها ناجحة. ومنذ أن علقت في شباكه، وأمنية أن يخفف من سرعته أو أن يتوقف، تلازمني في كل حين لأتدبر طريقه أنفك بها من شركه. في أحيان نحتاج للسكون لتحديد أي الطرق نسلك هربا، أو إقداما، وهذا الثعبان لم يسكن يوما، حركته المستمرة تجعل فرائسه مشتتة الذهن غير قادرة على معرفة أي طريق سيأخذ وأي سرعة سينهج للإنقضاض
ومنذ أن علقت في شباكه وأنا أفكر في الوسيلة التي أتخلص بها من الفخ المحكم الذي وقعت فيه وأمنية أن تتباطأ سرعته ليس لها من سبيل سوى أن يموت، تأخر كثيرا على الموت، وصحته تشي أن الوقت لا زال مبكراً على قيامه بهذه الرحلة .”
** ** ** ** **
“قادر على الوصول لكل المتع، وكلما اجتاز متعة بحث عن سواها، يبحث عن نشوته بأي طريقة كانت، غدا ماهرا في التشويه فامتلأ قصره بأنواع من الدمى البشرية، وبسبب عبثه المستمر بها لم يبق داخلالقصر خلقه سوية، هناك العوراء والعرجاء والمخصية والمحروقة والمنتوفة والمصدومة والمعلولة، ومن لم يصب العطب جسدها قرضتها الوساوس وشتى الأمراض النفسية.”
** ** ** ** **
“العمة خيرية ( عمة طارق أخت والده )، كانت رمزا للقدر الخسيس الذي جيء به مؤديا دورا واحدا وهو افتعال وإحداث القرف والإشمئزاز ويأبى إلا أن يكون حاضرا وبفاعلية في كل مناسبات الحياة وكل رحلات العقل الخائبة، بل رمز للنحس المبجل والمحاط بسياج يحفظ أمنه وأمانه.
يقول طارق فاضل فيها: كانت تفطن لكل تحركاتي، أقع في شراكها منذ نعومة أظافري، ألفت أذناي فرك أناملها، وصوتها الحاد:
– نسل سنية لا يجلب إلا البيض الفاسد.
هذه جملتها التي تطلقها كلما تعاركت مع أمي أو أرادت أن تغمز أبي لاختياره أمي زوجة له. كرهتها مبكرا، وأحاطتني بمراقبتها اللصيقة كتدريب يومي لتنشيط حاسة اليقظة لديها، تراقبني بتلذذ ومتعة ولذتها كل لذتها أن تسحق فعلي قبل انتشائي بإنجازه. “
** ** ** ** **
“الحياة مشوار قذر يبدأ ناصعاً، ومغرياً بعبوره من خلال الكلمات والتوجيهات، أما الواقع فعليك اقتراف الآثام لكي تكون إنساناً.”
“حياة نرتدي فيها أحلامنا حتى تتسخ ثم نقذف بها في برميل لجمع الثياب المتسخة، ونستبدلها بحلم آخر، هذه هي حياة الشظف، حياة مهيأة لارتداء الأحلام، واستبدالها على الدوام، وهي أردية غير مرئية على أية حال.”
** ** ** ** **
“السقوط حالة زمنية توصلك إلى القاع في سرعة متناهية، وبفعل التجاذب تكون مهيأ لأن تسافر في لحظات السقوط المتعددة، وكل مرحلة تدنو بك من القاع تسجل حالة دنيا من حالات السقوط فالسقوط لا يحدث دفعة واحدة.”
** ** ** ** **
“نكتشف اللذة صدفة فندمن على استنزافها ، ندمن على رشفها في كل حين ولا نعرف أنها تعبد لنا طريق السقوط، فاللذة هي الخطوة الاولى لمعرفة ان هناك لحظة سقوط ممتعة، ومع كل سقوط ممتع عتمة جديدة، ليتوالى السقوط، اللذة هي الفجوة التي تركتها الحياة متسعة كي تسربنا خارجها.”
“مساحات الظل، والضوء هي اللعبة التي تجيدها الحياة بإتقان، لكل شيء وجهان، يعتركان، ولا يمتزجان، تقلبهما الحياة بنسب، وتصبح مواقعنا هي قواعد اللعبة، أيهما يبرز ، وأيهما يختفي، والمحظوظ من يأتي على الحرف الجامع لوجهي الحياة! .”
** ** ** ** **
“في شبابي كانت عين المرأة الطريق الآمن للقيام بسرقة روحها، وجسدها معاً، كنت أحرص على تعليق العين أولاً ثم اختلاق المغامرات للوصول إلى ما خلف النظرة، هذا الدرس تلقيته من منى زوجة عثمان المحينب:
– المرأة تعشق التحديق، تعشق أن تسمر عينيك بها لتروي أنوثتها، وتزيدها زهواً، ونشوة.”
——————————

مقتطفات من رواية ( ترمي بشرر) عبده خال – منشورات الجمل – المانيا 2010 | المسيرة الالكتروني

عبده خال روائي وكاتب سعودي من مواليد إحدى قرى منطقة جازان(المجنة ) عام 1962 حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية جامعة الملك عبد العزيز عام 1982 واشتغل بالصحافة منذ عام 1982 وهو حاليا يشغل مدير تحرير جريدة عكاظ السعودية يعتبر أحد أبرز الأسماء في المشهد العربي للرواية الحديثه

ترمي بشرر (مقتطفات من الرواية 2) – عبده خال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى